مثقفونا.. لا يبيعون الحبحب!

السبت ، 7 مارس ، 2009
الكاتب : هادي فقيهي | تحت تصنيف: تأملات وخواطر،ثقافة ومجتمع

http://www.alriyadh.com/2007/06/08/img/086664.jpg

…..وبائع الحبحب هو رمز للواقعية تتجاهله الفلاشات وتخبو عند ذكر سيرته العنوايين فلا تطارده الصحف ولا تلوك لحمه الألسن ولكنه يظل في قائمة التأملات الحياتية مثيرا للوقوف عند سيرته وتقليب أسرار صمته وكفاحه.. فبالإضافة إلى واقعيته في التعامل مع ظروف حياته ومشاكل مهنته فهو يجمع إلى ذلك الإيجابية في التطلع إلى تغيير تلك الظروف وتجاوز العقبات.. وبين هذه الواقعية وتلك الإيجابية تتجلى صفات نبوية يعرفها هذا البسيط المسحوق ويطبقها في حين يثرثر بها الآخرون ويتملصون منها في أقرب اختبار عملي. بائع الحبحب هو شخص يبدأ مشروع رزقه بالتأمل العميق فيما يحتاج الناس فيه إليه وفيما يملك هو ليفي بحاجاتهم تلك ، لا يتجاوز حدود حرفته تلك ويقضي وقته في محاولة تنمية الأساليب التي تقوده إلى مزيد من النجاح وهو يؤمن بأن التخصص سر من أسرار النجاح. بائع الحبحب شخص صبور لا ينتظر من السماء أن تمطر ذهبا فهو يترك للفعل أن يأخذ مداه ووقته في إحداث ردة الفعل المناسبة له ولا يقتل غرس اليوم باستعجال ثمر الغد، ولذا تجده يقضي وقتا وجهدا كبيرا في سبيل إنجاز مهمة لا تبدو في نظر الكثيرين ذات شأن بينما من ينصب نفسه مهتما بشؤون مجتمعات وأمم لا يقضي نصف هذا الوقت في إنجاز مهمته العظيمة! وبائع الحبحب كذلك شخص مكافح يبذل من الواجبات ما يتناسب مع الحقوق التي يطلبها ويعيش في إطار ظروفه ويعمل على النهوض بها بدلا من الإطلالة من برج عاج وكيل الشتائم لمجتمع هو أحد أبنائه وجزء من مشاكله!

***
http://www.newzealand.com/travel/images/art/hero_culture.jpg

وعلى النقيض من هذا الكائن البسيط المغمور الذي لم يعرف به مانشيت في صحيفة أو شريط في قناة نجد الشخص الذي يصطلح المجتمع على تسميته بالمثقف. ذلك النخبوي الذي أعطيناه الحق في النظر إلى المجتمع من سماء عليا وإسقاط التنظيرات والمقولات النرجسية على هامش المجتمع وكأنها عصي موسى التي ستحملنا من غياهب الجب إلى منصب العزيز. هذا المثقف في صورته النمطية الحالية التي تكرسها مخرجاته المكتفية بالتنظير وسرد المثاليات البعيدة عن واقع أكثر تعقيدا من مجرد تنسيق مقال ونشره في صحيفة أو كتاب أو مدونة هو من المؤكد لم يجرب بيع الحبحب يوما ولا رعي الغنم ولا أي مهنة أخرى تعنى بممارسة الواقع وتجريب مشاكله والإحساس بهمومه واستقاء الحلول من تعقيدات مشاكله لا من بطون الكتب والمقولات التي يسقطها ذلك المثقف على الواقع مباشرة دون المرور بمرحلة التأمل في هذا الواقع ومحاولة التوفيق بينه وبين تلك النظريات المعلبة والتي لا يستجيب لها المجتمع في كثير من الأحيان. وقبل أن أستطرد في مقالي هذا فأنا لا أتطرق إلى مفردة المثقف في وضعها الافتراضي الذي يعني بـ “الثقافة السلوك” أكثر من “الثقافة المعرفة” ولكن أتطرق إلى مفردة المثقف في صورتها النمطية الراهنة والتي تعرف المثقف على أنه شخص يظهر في وسائل الإعلام وينتج الكتب ويتحدث بأشياء تسطل السامعين ولكنها لا تورث في الحقيقة أي ردة فعل تفيد المجتمع وتغير من شأنه. وبين الصورة النمطية لبائع الحبحب وصورة المثقف فإن التأمل هو أول الصفات التي يفقتدها مثقفونا. التأمل هو أكبر مصدر للمعرفة الفعالة والمفيدة وهو الخطوة الأولى التي اتخذها سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم حين كان يتعبد في غار حراء وذلك في سبيل الوصول إلى أفضل الطرق للتغيير من حال المجتمع والرقي به. والقارئ في سير هؤلاء المثقفين يجد أنهم انتقلوا من مرحلة تلقي الأفكار إلى بثها في المجتمع دون المرور بحالة التأمل التي تجعل من الشخص عنصرا منسجما مع كيان المجتمع قارئا لعلله ومشاكله وتصبغ ثقافته المعرفية بالثقافة السلوكية التي تقوم بفرز هذه المعارف إلى أفكار صالحة للاستعمال في تحقيق الهدف المنشود. ولعل خير دليل على ما أعنيه هو الأسلوب السائد لهؤلاء المثقفين في التعامل مع مشاكل المجتمع والتي تتجلي في صورتين أولاهما هو لغة الخطاب التي يستخدمها هؤلاء في الحديث إلى المجتمع وكأنهم عناصر فضائية ليست جزءا من هذا المجتمع ولم تكن سببا مباشرا في مشاكله. وثانيها هو تحميل المسؤولية مباشرة على مؤسسات اتفق مسبقا على أنها شماعة كل نازلة فالسبب دائما هو الغرب الذي يتآمر علينا وإسرائيل التي تنوي تدميرنا والحكومات التي تستبد والعرب المتخلفين.. ونادرا ما يحفل هذا الخطاب بصوت عاقل يبدأ بعلاج ذاته قبل تصدير الأزمات ومسؤولياتها إلى الغير. وفي حين يحمل بائع الحبحب الصبر في قطف ثمار جهده فهؤلاء المثقفين ينقضون على كل خطوة أو حراك في المجتمع بالسؤال عن النتائج قبل إقرار الخطط أصلا. والحكم بالفشل على أي محاولة للتغيير تصدر من خارجهم.. فقرارات الحكومة هي فاشلة سلفا لأن الحكومة لا تحمل هم المواطن ، وأي إنجاز عربي هو فشل وكلام جرايد فالعرب متخلفون لا أمل في تقدمهم وهلم جرا من تلك الإيحاءات السلبية التي يحفل بها الخطاب المثقف. ولعل السؤال الأصعب أمام هذا المثقف هو البحث عن كفاحه في سبيل ما يدعو إليه. فالمثاليات والتنظيرات تأن الرفوف بحملها ولو استخدم عشرها لنهضت الأوطان والأمم غير أن الجهد المبذول في تحقيقها لا يكاد يذكر وهذا لا يحقق بالطبع معادلة الحضارة التي يدعو إليها المثقفين والتي تعنى بتكوين مجتمع يبذل من الواجبات ما يوازي الحقوق التي يطالب بها ومن السلوك ما يعادل المعرفة التي يملكها.
أخيرا..
تحية إلى بائع الحبحب الذي ينطلق صباحا لإنجاز مشروعه ، وسلام إلى المثقف الذي يطل مساء على جمهوره ليقول أشياء على هامش الواقع والتاريخ!

مواضيع ذات علاقة:

إقرأ المزيد عن:

عدد التعليقات : 10 في “مثقفونا.. لا يبيعون الحبحب!”

  1. النوخذة علٌق:

    مارس 7 th, 2009 على الساعة 6:15 ص

    أخيرًا عرفت قصة بائع الحبحب ^.^

    لا تكسرت اقلامك هادي ورائع مقالك مثل ما أنت Smile

  2. الصـ أبو بندر ـافي علٌق:

    مارس 7 th, 2009 على الساعة 1:24 م

    وبائع الحبحب كذلك شخص مكافح يبذل من الواجبات ما يتناسب مع الحقوق التي يطلبها ويعيش في إطار ظروفه ويعمل على النهوض بها بدلا من الإطلالة من برج عاج وكيل الشتائم لمجتمع هو أحد أبنائه وجزء من مشاكله!

    لغة الخطاب التي يستخدمها هؤلاء في الحديث إلى المجتمع وكأنهم عناصر فضائية ليست جزءا من هذا المجتمع ولم تكن سببا مباشرا في مشاكله. وثانيها هو تحميل المسؤولية مباشرة على مؤسسات اتفق مسبقا على أنها شماعة كل نازلة فالسبب دائما هو الغرب الذي يتآمر علينا وإسرائيل التي تنوي تدميرنا والحكومات التي تستبد والعرب المتخلفين..

    والله لو أنك شايف حلقة الإتجاه المعاكس الأخيرة … بعضهم إنما فقط ينصب نفسه جلاداً للمجتمع من دون أن يكون له فاعلية أو يد تغيير فيه ، يدَعون قراءة المجتمع ووإضهار سلبياته وتعريته ويظنون أن هذا هو الواجب الوحيد تجاه أمتهم ..

    قرائتك رائعة جميلة عقلانية … عساك عالقوة إنشاء الله ..

    تقبل مروري

  3. انور الحازمي علٌق:

    مارس 7 th, 2009 على الساعة 1:39 م

    تأملات اكثر من رائعة
    يا الله، كل هذا يطلع من بائع الحبحب!! صادفني هذا المقال اليوم في جريدة الوطن
    قد تجد فيه ما يدعم موقفك
    http://www.alwatan.com.sa/news/writerdetail.asp?issueno=3081&id=9816&Rname=23

  4. أحمد آل عمر علٌق:

    مارس 7 th, 2009 على الساعة 5:09 م

    أتفق معك في أن بعض المثقفين يطرحون آراءهم وانتقاداتهم بمثالية زائدة وبعيدة عن الواقع وحال المجتمع الذي يعيش فيه! وعلينا هنا ألا نعمم!

    لكن, لم أفهم ماتعنيه بمرحلة التأمل تحديدا!
    قد ينتقد البعض ولم يحمل -بعد- الشهادة الجامعية -وأنت أحدهم على فكرة-, ويكون نقده مصيبا واقعيا بدون تصنع ولا مثالية!
    علل المجتمع ظاهرة للعيان حتى لـ بياع الحبحب نفسه, اللي ينظر ويحلل ويلقي بالمسؤولية على الغير لكن ببعض البساطة والسطحية وفي نطاق أقل اتساعا من منابر المثقفين!

  5. حسن الحازمي علٌق:

    مارس 8 th, 2009 على الساعة 6:32 ص

    دور المثقف….

    اختلف المثقفون في تحديده …

    فمتى يصلون الى الاتفاق على ادور غيرهم…

    مشكور اخي فهد على الدعوة للتأمل

    حسن
    بترولي سابق 97

  6. fadhfadhah علٌق:

    مارس 8 th, 2009 على الساعة 8:13 م

    مبدع فكرا و أسلوبا كعادتك عزيزي هادي.لغة أدبية عالية وفكر راقي ناقد يقدم فكرا ناقدا للفكر.

    keep going

  7. سما علٌق:

    مارس 8 th, 2009 على الساعة 8:44 م

    يعجبني ذالك الشخص المكافح خلف سيارة ( الهايلكس ) المليئة بالحبحب
    أكثر من ذاك المنزوي في بيته أمام شاشة ما ينتظر فرج المكتب المكيف !!

    شكراً يا هادي ف مثقفونا .. لا يبيعون الحبحب .

  8. عونيــ علٌق:

    مارس 9 th, 2009 على الساعة 12:23 م

    يعجبني قلمك يا هذا، إنك مبدع كبائع الحبحب الذي يفكر و يخطط من أجل بيع ثماره، و مبهر كالمثقفين الذين يطلعون على شاشات التلفزة كل ليلة!

  9. هادي عثمان علٌق:

    مارس 10 th, 2009 على الساعة 1:47 ص

    أشكر لكل من مر وقرأ وعلق على هذه التدوينة..

    بالنسبة لتساؤل الأخ أحمد آل عمر..

    التأمل الذي أقصده ليس مرحلة زمنية محددة ، بل هو حالة ذهنية يجب أن يتوقف عندها المرء عند تلقي أي فكرة قبل جرها إلى دائرة التطبيق ، وعند حصول هذه الحالة فمن المؤكد أن أثرها سيظهر على شكل خطوات عملية ينفذها المثقف على جسد مجتمعه المريض. قد تقول لي ومن أي عرفت بأنهم لم يمروا بهذه الحالة؟ من أنت حتى تحكم عليهم؟ .. إلخ
    والرد ينبع من قاعدة اللازم والملزوم.. أي أن العلاقة بين التأمل والجدوى المرجوة من طرح المثقف هي علاقة شرطية يتحقق ثانيها بوجود أولها.. وحين نجد أن الأخير لم يتحقق فمن المؤكد أن الأول لم يوجد أصلا!

    شكرا لكم جميعا

  10. الركود الفكري في العالم العربي - مدونة عونياتـ علٌق:

    مارس 29 th, 2009 على الساعة 12:03 ص

    [...] قد يخطئ من يظن أن “البسطاء” هم بائعو الخضار و الحبحب، بل إن هذه الكلمة تشمل شريحة كبيرة من الناس، منهم أنا و [...]

وأنت... ما رأيك ؟

Click to Insert Smiley

SmileBig SmileGrinLaughFrownBig FrownCryNeutralWinkKissRazzChicCoolAngryReally AngryConfusedQuestionThinkingPainShockYesNoLOLSillyBeautyLashesCuteShyBlushKissedIn LoveDroolGiggleSnickerHeh!SmirkWiltWeepIDKStruggleSide FrownDazedHypnotizedSweatEek!Roll EyesSarcasmDisdainSmugMoney MouthFoot in MouthShut MouthQuietShameBeat UpMeanEvil GrinGrit TeethShoutPissed OffReally PissedMad RazzDrunken RazzSickYawnSleepyDanceClapJumpHandshakeHigh FiveHug LeftHug RightKiss BlowKissingByeGo AwayCall MeOn the PhoneSecretMeetingWavingStopTime OutTalk to the HandLoserLyingDOH!Fingers CrossedWaitingSuspenseTremblePrayWorshipStarvingEatVictoryCurseAlienAngelClownCowboyCyclopsDevilDoctorFemale FighterMale FighterMohawkMusicNerdPartyPirateSkywalkerSnowmanSoldierVampireZombie KillerGhostSkeletonBunnyCatCat 2ChickChickenChicken 2CowCow 2DogDog 2DuckGoatHippoKoalaLionMonkeyMonkey 2MousePandaPigPig 2SheepSheep 2ReindeerSnailTigerTurtleBeerDrinkLiquorCoffeeCakePizzaWatermelonBowlPlateCanFemaleMaleHeartBroken HeartRoseDead RosePeaceYin YangUS FlagMoonStarSunCloudyRainThunderUmbrellaRainbowMusic NoteAirplaneCarIslandAnnouncebrbMailCellPhoneCameraFilmTVClockLampSearchCoinsComputerConsolePresentSoccerCloverPumpkinBombHammerKnifeHandcuffsPillPoopCigarette