خمس دقائق

الأربعاء ، 11 يونيو ، 2008
الكاتب : هادي فقيهي | تحت تصنيف: تأملات وخواطر، ثقافة ومجتمع، عام

يصادف أن تطلب  من أحدهم غرضا هو أقرب إليه من حبل الوريد فيرد عليك قائلا: أبشر خمس دقائق ويكون عندك..

بين كل حدث وآخر في حياة كل فرد منا تنصب خمس دقائق مهدرة حتى لو كان الحدث بذاته في مجمله لا يتعدى الخمس الدقائق هذه.. وإذا كان علماء الاجتماع يعتبرون أن الإنسان يقضي ثلث عمره نائما, فعليهم أن يعتبروا أن الإنسان العربي يقضي ثلثا آخر من حياته  بين خمس دقائق وأخرى تتوزع بين تفاصيل يومه وأحداث حياته مهما تناهت في الضآلة والتفاهة.

والأدهى من ذلك أن استخدام العربي لهذه الخمس دقائق لا يتعدى مهمة قتل الوقت ووأده وقطع مسافة العمر نحو نقطة النهاية, ومع ذلك لا يدرجها ضمن قائمة الوقت المهدر بل إن إهدار هذا الوقت هو حق مشروع وحرية شخصية!!.. ولا أظن المشكلة تكمن في أن الذهنية العربية تعادي الوقت أو تكرهه… بل إن الخمس دقائق هي أصغر وحدة زمنية اقتنع العرب بأنها تصلح لقياس الوقت وتمثله  وما سواها من وحدات الثانية وجزء الثانية فهي غير موجودة في جدولنا الزمني… فالعربي علمته الصحراء طولة البال وعدم الاكتراث وجعلت من مفهوم الركادة شعارا لحياته.. فتجده يقيس المسافات بالشهور والأيام مستدلا بكتب التراث التي تجعل مسيرة شهر وأيام وحدة لقياس الزمن والمسافة وهذه لا تشكل معضلة إذا ما قورنت بوسيلة قطع المسافة والزمن في عصر الصحراء والتي لا تسمح بأكثر من ذلك ولكن ومع دخول العربي لعصر السرعة والمدينة  فهو لا يزال محتفظا بنظرية طول البال والركادة  كإحدى صفات العربي اللازمة  وغالبا ما يردد هذه العبارة ” في العجلة الندامة” حتى لو كانت هذه العجلة تنقذ حياة شخص ما.. فالعربي الذي تشرب مفاتن عصر السرعة في المظهر لا يزال يحمل عادة الصحراء في واقع تعامله مع الوقت والزمن.

الإشكالية الأخرى مع الخمس الدقائق هذه هي أنها تثمل جزءً من مسلسل التناقضات الذي يطغى على حياة العربي مجتمعا وفردا.. فنلاحظ أنه يبدأ يومه بتأخير المنبه خمس دقائق عن موعد الاستيقاظ المفترض معتبرا أن هذه الخمس الدقائق كفيلة بتعويض سهر وعربدة الليلة الفائتة!!.. وهو ذات الشخص الذي يذهب إلى مطعم أو بوفيه لتناول إفطاره الصباحي وهو لا يفتأ يردد هذه العبارة … سرعة … سرعة… مع أن مفهوم الركادة هو المطلوب هنا لإتقان العمل وتقديم وجبة إفطار تليق بسيادته.. يتكرر مشهد التناقض هذا أمام الإشارة الضوئية حيث يتسابق الجميع إلى أن يكون أول السابقين مع أن مفهوم الركاة هو المطلوب هنا لجعل الحياة تسير بتنظيم أفضل.. ومع ذلك نناقض أنفسنا ونتذكر مفهوم استثمار الوقت في الموضع الخطأ متناسين الساعات الطوال التي نهدرها في بلا هدف.. أخبرني أحدهم أنه قرأ الرحيق المختوم وتاريخ الأندلس في الوقت الذي يقضيه منتظرا أمام الإشارة الضوئية..وفي هذا الصدد فإن العقلية العربية لا تقتنع بأن عملا يمكن إنجازه في أجزاء الثانية أو على الأقل فيما دون الخمس الدقائق حتى لو كان عملا بسيطا لا يتطلب إنجازه مسيرة شهر.

ومن واقع مخالطتي للمدرسين الغربيين في الجامعة.. أجدني عندما أطلب من أحدهم إسداء خدمة يرد قائلا “just a second ” بينما مع الشخص العربي فإنما الأمر يتطلب خمس دقائق على الأقل وفي أقصى حالات السرعة.. وهذه العبارات وإن كانت تصدر عفوية إلا أنها تنبع من واقع الثقافة السائدة في الاهتمام بالوقت.. فالمدرس ذاك يعني أن الأمر سينجز على وجه السرعة قدر الإمكان وإن استغرق الأمر أكثر من ذلك.. بينما مع ذلك العربي فمفهوم الخمس دقائق هو تعبير عن الركادة وطول البال ويا ليل ما أطولك.. أذكر ذات مرة أني قلت لمدرسي في نهاية المحاضرة “ Time is up” في إشارة إلى انتهاء الوقت فرد قائلا: بأن ثلاثين ثانية أخرى متبقية قبل أن ينهي الوقت.. حتما كنت سأضحك  من جملته هذه غير أني أعرف أنه يعني ما يقول.. فثلاثون ثانية تعني إكمال تصحيح ورقة الاختبار التي بين يديه وجمع أغراضه من فوق الطاولة ومن ثم المغادرة.. وهذا الاهتمام بهذه التفاصيل الصغيرة ينسحب على حياته ككل.

وقد تعجب من مبالغة هؤلاء في الاهتمام بالوقت ولكن لا عجب ولا مبالغة سوى في تفريطنا نحن في تنظيم أوقاتنا واستثمارها.. فالاهتمام بالوقت هو مؤشر على حضارة أي شعب ورقي أي أمة وهو رابط مشترك في كل حالات النجاح سواء على مستوى الفرد أو المجتمع أو الأمة. وهذه الأمم التي نراها اليوم قوية على رغم من انحطاطها الأخلاقي والروحي وفجورها العسكري وطغيانها السياسي إلا أنها تتمسك بقيم النجاح والبقاء وأهمها الوقت يأتي ذلك على مستوى أفرادها وحكامها وثقافة شعبها.. فاليزابيث الثانية مثلا اشتهر عنها أنها تضاهي ساعة بيج بن في انتظام مواعيدها.. وحتى سائقي الباصات وحافلات النقل العام في تلك الدول يبلغ بانتظامهم والتزامهم بالوقت حدا يمكنك من ضبط ساعتك على مواعيد وقوف ومغادرة هذه الحافلات.

*

إضاءة..

نعمتان مغبون فيهما الكثير من الناس.. الصحة والفراغ.

 بقلم: آخر الفرسان

مواضيع ذات علاقة:

تعليق واحد في “خمس دقائق”

  1. 77math علٌق:

    يونيو 13 th, 2008 على الساعة 11:41 ص

    لفتة حلوة : )

وأنت... ما رأيك ؟

Click to Insert Smiley

SmileBig SmileGrinLaughLOLFrownBig FrownWinkKissRazzAngelAngryReally AngryConfusedNeutralThinkingChicCoolNerdSillyDrunken RazzMad RazzEvil GrinMeanPissed OffReally PissedCurseShoutGrit TeethCryWeepSide FrownWiltSmugDisdainRoll EyesSarcasmLoserTalk to the HandShyBeat UpPainShameBeautyBlushCuteLashesKissingKiss BlowKissedHeh!SmirkSnickerGiggleIn LoveDroolEek!ShockSickSuspenseTrembleDazedHypnotizedFoot in MouthMoney MouthQuietShut MouthDOH!IDKQuestionLyingStruggleSweatStopByeGo AwayWavingTime OutCall MeOn the PhoneMeetingSecretHandshakeHigh FiveHug LeftHug RightClapDanceJumpFingers CrossedVictoryYawnSleepyPrayWorshipWaitingAlienClownCowboyCyclopsDevilDoctorFemale FighterMale FighterMohawkMusicPartyPirateSkywalkerSnowmanSoldierGhostSkeletonEatStarvingVampireZombie KillerBunnyCatCat 2ChickChickenChicken 2CowCow 2DogDog 2DuckGoatHippoKoalaLionMonkeyMonkey 2MousePandaPigPig 2SheepSheep 2ReindeerSnailTigerTurtleFemaleMaleHeartBroken HeartRoseDead RosePeaceYin YangUS FlagMoonStarSunCloudyRainThunderUmbrellaRainbowMusic NoteYesNoAirplaneCarIslandAnnouncebrbBeerDrinkLiquorCakeCoffeePizzaWatermelonBowlPlateCanMailCellPhoneCameraFilmTVClockLampSearchCoinsComputerConsolePresentSoccerCloverPumpkinBombHammerKnifeHandcuffsPillPoopCigarette