وطن الله المختار..
السبت ، 17 مايو ، 2008
** كثيراً ما أسمع وأقرأ شخصياً -وأنتم كذلك-، أن المجتمع السعودي من أفضل المجتمعات في العالم، وأن السعودية وطن لا يعرف الخوف – كما يقول هاشم عبده هاشم- وأننا كشعب لنا أفضلية على الشعوب الأخرى من حيث تطبيق الشريعة الإسلامية “بحذافيرها!!” وغيرها من العبارات الكثيرة والتي تتضمن أننا شعب محظوظ وخير الأوطان وأوفرها طمأنينة – وقد قالها صريحة فعلاً هاشم عبده هاشم- وأنه هو الوطن المختار لتطبيق شريعة الله تعالى!
** تتزامن هذه العبارات مع موجة تغيير جذرية -لم تعد خفية- للبنية الاجتماعية والثقافية ، تجتاح المجتمع السعودي المحافظ، عن طريق وسائل الإعلام من صحافة وتلفاز أتاحت للكثير من الناس أن يشاهدوا ما خلف الأسوار السعودية في كافة دول العالم، من أخبار ومسلسلات وأفلام وتقارير وثائقية وبرامج حوارية وانترنت -وربما يكون أكثر المؤثرات- وقوالب أخرى كثيرة، كان لها أثراً كبيراً في قلب سلم الأولويات لدى المجتمع، مقابل الخطاب التقليدي الديني أو الوطني والمتشبث بالتراث.
** والذي يظهر لي جلياً، أن خطاب خصوصية المجتمع السعودي ، هو خطاب قديم متجدد ، نجده في كثير من المجتمعات المغلوبة على أمرها ، التي تسيطر على وسائل تأثيرها فئة متماثلة ومنسجمة فكرياً، تمارس دورها في إقناع الناس بمدى مثالية أوضاعهم، ، والدين هنا بلاشك هو أفضل وسيلة لإقناعهم بذلك فهم الشعب الوحيد الذي يطبق شرع الله، كما هو منصوص عليه في الدستور السعودي. ولا أجد مبرراً لهذا الخطاب -في هذا اليوم- إلا الخوف من التغيير الاجتماعي والثقافي، يوم كانت وسائل التأثير بيد صانع القرار، لكن اليوم قد دخلت على الخط وسائل تأثير وغزو كثيرة يجب أن تعيد النظر في مدى جدوى خطاب خصوصية المجتمع السعودي.
** بالنظر إلى معنى “تطبيق شرع الله” في سياق خطاب الخصوصية، نجد له تفرعات كثيرة وسوف تقابلنا الأسلاك الفكرية والسياسية الشائكة -والتي لا يُمدح الخوض فيها!!- ، حيث المقصود به دائماً هو تطبيق شرع الله من وجهة نظر محددة، وإلا فالكثير من المسائل السياسية والاجتماعية من صميم شرع الله ولا نجد لها تطبيقات فعلية في البلد، ولا سيما بالتجاوزات السياسية -من وجهة النظر الدينية- في تطبيق شرع الله تعالى، ولعل قضية توسعة المسعى ورفض هيئة كبار العلماء لها إلا ثلاثة، أوضح مثال.
** وهنالك الكثير من المرتكزات التي يستخدمها خطاب الخصوصية غير تطبيق شرع الله، مثلاً قلة نسبة الجرائم ومعدلات الانتحار نسبة الزنا والتحلل الاجتماعي مقارنة بالدول الغربية ، ولا يمكن أن يلتفت خطاب الخصوصية في هذا السياق إلى نسبة الشذوذ الجنسي في السعودية مقارنة بالدول العربية ولا التحرش الجنسي، ولا إلى ارتفاع معدلات الجرائم مع العمالات الوافدة ، ولا إلى البطالة بين الشباب.. والكثير من القضايا التي (يهضمها) خطاب الخصوصية، والتي كانت وليدة الطفرة.
** هنالك من القضايا ما يستحيل أن يشير خطاب الخصوصية إليها ، كالفساد الإداري والمالي في السعودية والرشوات، وهكذا قضايا. لكن من يخفي على الناس شيئاً في عصر الانترنت؟؟ ومن يقلب الحقائق في عصر ثورة المعلومات ؟! بالتاكيد لا أحد، ومن يظن أنه يستطيع التحكم بها بحجب المواقع أو التحذير منها فهو -ورب الكعبة – مسكين.
** يجب أن نأخذ في الحسبان، الطفرة المالية التي تعرض لها المجتمع السعودي وأثرها على البنية الاجتماعية والثقافية، ولا يسعني الخوض في تفاصيل ذلك الآن لأني كنت حينها في ظهر الغيب، لكن قد تحدث عنها الدكتور عبد الله الغذامي في كتابه “حكاية الحداثة” ، والذي أود الإشارة إليه هو أنه يبدو لي والله أعلم أن خطاب الخصوصية قد تأثر بالطفرة، وزاد.
** وقبل أن نختم نقول : أن هذا الخطاب التقليدي يمارس دوره في كل زمان وكل مكان ، فهو يعتبر نفسه سفير الماضي في الحاضر، ويظهر بأشكال عديدة ومختلفة تصل أحياناً إلى الحسم العسكري ، لكن الملاحظ أن الخطاب التقليدي ينحسر تأثيره شيئاً فشيئاً كلما تقدم الزمن، وهذه هي سنة الحياة ، فمن غير المعقول أن ينتمي الإنسان لغير عصره، وينجح في إقناع الناس بذلك.
** بعد كل هذا، هل نجد مبرراً غير الخوف من التغيير وذوبان الهوية يدفعنا لمثل خطاب الخصوصية؟ وهل فعلاً أن الشعب السعودي -كما يصور خطاب الخصوصية- أفضل الشعوب في العالم؟ أم هو أكبر شعب (موسوس) بشأن المستقبل في العالم ؟ وهل الخطاب التقليدي بوسائله الحالية مجدياً في مواجهة المد المعلوماتي الهائل؟!

hadiothman علٌق:
مايو 17 th, 2008 على الساعة 6:05 ص
الخصوصية هذه يا عزيزي مرتبطة بالعادات والتقاليد أكثر من كونها مرتبطة بالدين.. وإلا لكانت لجميع المجتمعات المسلمة خصوصية واحدة.. وارتباط هذه الخصوصيات بالقبيلة لا يعيبها بل هو سمة مميزة لكل مجتمع ولكن المشكلة التي نعاني منها داخل المجتمع السعودي هو محاولة ربط الخصوصية دائما بالدين وإلباسها ثوب القدسية وأي محاولة للتغيير ولو للأفضل هي جريمة كبرى!!
بالمناسبة تحدثت عن هاشم عبده هاشم.. هذا رجل يعرف من أين تلعق الحذاء..
ثامر الطويرقي علٌق:
مايو 17 th, 2008 على الساعة 1:37 م
أصبت فهد ..
“خطاب الخصوصية” وسيلة مجندة للأسف أحيانا (جهلاً) وأخرى (قصداً) لرد بعض الأفكار التي لم تتماهى مع الواقع (المراد) له أن يكون بصورة (نمطية) معينة تحقق (أهدافاً) لجهات معينة ..
للأسف أن (الدين) كان القناع الذي يخفي وراءه البعض زيف الأفكار البالية ..
أعلم أن هناك رمزية في الكلام ..
ركز في (ما بين الأقواس) وستفهم ما أرمي إليه ..
شكراً لك فهد , وبانتظار الجزء الآخر ..
Mohmmed Zoli علٌق:
مايو 17 th, 2008 على الساعة 2:10 م
قتلونا بالخصوصيه !!
نحن شعب مثل باقي شعوب الله نحب الحياة
قال خصوصية قال
someone علٌق:
مايو 20 th, 2008 على الساعة 7:01 ص
أخي الكريم هادي عثمان
فعلاً ما ذكرت، وأوافقك تماماً. وأساساً أي مجتمع بدون خصوصية فهو بدون هوية ، لكن الذي نعنيه أن يكون للمجتمع خطوطه العريضة والتي تتطور مع تطور الزمن وتكون هويته ثابتة.
الذي نعانيه أن الخصوصية لدينا هي في تعليمات ربما لم تعد تتناسب والعصر الحديث، وليست من صلب الإسلام في شيء. إنما يوهمون الناس بذلك.
شكراً لك كثيراً.
**
الأخ الكريم ثامر
نعم ، (الدين) كثيراً ما يتعرض لتوظيف محدد ومتعدد ، صار غرضاً لجهات معينة لتفرض سيطرتها على الآخرين، ولكن هذا لن يدوم.
وسيكشف التاريخ ما كان مستوراً.
شكراً ثامر
**
الأخ محمد زولي
في الوقع أنهم لم يقتلوا لمرة واحدة فحسب، بل يقتلون كل يوم وكل زمن بالخصوصية.
وطبيعة الناس كما أشرت أنها تحب أن تعيش زمانها كباقي شعوب العالم ومحافظة على دينها
وهذه الخصوصية ربما عائق في كثير من الأحيان عن ذلك
وهنا لابد ان يحصل التمرد.
والله يستر
شكراً محمد.. ونورت الحتة.