السوق العالمي للفتاوى!
الثلاثاء ، 9 ديسمبر ، 2008
- “يا كثر الفتاوى“
قالها بلكنة ممتلئة بالتهكم والسخرية، قاطعاً بها حديثنا الودي حول التعامل مع آراء العلماء وفتاواهم المختلفة التي تذهب ذات اليمين وذات الشمال.
لم يساورني الشك في أن صويحبي البسيط ليس الوحيد الذي يقول ذلك ، فهنالك الكثير من الناس الذين يؤمنون بأن مهنة (الإفتاء) لم تعد حكراً على العلماء والفقهاء فحسب، فقد صار الباب مفتوحاً لكل ذي شعر متدلٍ ليفتي الناس في أحوالهم وأوضاعهم.
هذا الباب المفتوح في الفتاوى قد فرض واقعاً جديداً في أذهان الناس يكاد ينقسم إلى شقين: فمنهم من يرى أن دين الله هو دين “مفتوح المصدر * “ كالصلصال في أيدي المفتين يقلبونه كيف شاؤوا ، ومنهم من يرى بأن الكثرة الكاثرة من العلماء لم يعودوا يستحقون تلك المكانة التي تبوؤوها في الماضي بتفرقهم وآرائهم المتباينة والتي تعني – عند هؤلاء الناس – تفرقاً في الدين.
هذان الشقان من القناعات قد رميا بالناس في ستين داهية من الحيرة، فهم في أحسن أحوالهم بين نارين من الآراء، كل رأي يمثله عَلَِم على رأسه نار.
فيا ترى لماذا صار الإفتاء في زماننا أسهل مهمات العلماء على الإطلاق ، وقد مر على الصحابة زمن يمررون فيه المسألة الواحدة إلى جميعم حتى تعود إلى الصحابي الأول ، ومالك الذي يقال عنه “لا يفتى ومالك في المدينة” يُسأل بأربعين مسألة فيجيب في سبعة وثلاثين منها ب” لا أدري” وهي ذات الكلمة التي يكاد يتفق الجميع بأنهم لم يسمعوا مثلها قط !
لم ولن يسمعوا مثلها قط لأنهم في سوق عالمي متطلباته يجب أن تكون عصرية، تتفوق على تلك المسائل الأخلاقية كالورع والزهد، وتتركز في قانون العرض – الطلب، مهما حاولنا تصوير المسألة بأنها لا تتعلق بأي أمور خارجية. فالمتتبع لمنهجية الفتوى في السنوات الأخيرة ليجد لها بين الناس رواجاً غير عاديٍ، كما أن الناس أنفسهم صار تعلقهم بالفتاوى أكبر من الماضي تماشياً مع الإثارة الإعلامية لمختلف المواضيع في السنوات الأخيرة. ألم تسمعوا السائل “سمعتم بآخر فتوى؟!” وكأنه يقول ضمناً بأن تلك الفتوى تصلح أن تكون مادة إعلامية دسمة.
السؤال المشروع طرحه هو ألم يكن جديراً بنا أن نبني وعي الناس بالمعرفة ونفتح أبصارهم على العلم من الزمن الماضي؟ أن نحدث الناس عن الدين العظيم والمذاهب التي عاشت في كنفه ونحدثهم عن اختلاف العلماء في وسائلهم مع اتفاقهم في الغايات ونحدثهم عن تلك المسائل الهامة جداً قبل الفقه نفسه.
الأمر الذي لا أشك فيه أن المجهود المبذول في تعليم الناس وتفتيح الوعي هو أكثر بآلاف المرات من مجهود تلقيمهم بالأحكام الجاهزة والاكتفاء بحُزم الفتاوى الموقعة من “كبار العلماء الثقات” والتي بعبارة أخرى لا تحتاج من الإنسان أدنى مهارة تفكير.
أنا لا أدعو إلى أن توحيد الفتوى أو حصرها ، فالتعدد والتنوع في الأحكام هو من جوهر الثقافة الإسلامية التي تصون الإسلام ، لكني أدعو إلى صون الشريعة من بعض الاجتهادات الغبية التي تزيد الطين بلة.
جدير بالذكر أن معالي العلامة عبد الله بن بيه قد كتب كتاباً نفيساً عن “صناعة الفتوى وفقه الأقليات” يصفه الشيخ نفسه قائلاً في إحدى حواراته مع جريدة عكاظ “الفتوى صناعة وليست أمرا بسيطا وبالتالي الاعتراف بمبدأ صناعة الفتوى يقتضى صناعة ومصنوعا وأدوات لهذه الصناعة فلا يجوز لمن لم يتدرب على هذه الصناعة أو من لا يملك أدواتها أن يتسور جدارها وأن يبيح حماها بل عليه أن يسأل أهل الصناعة وهم أهل الذكر“
“وسنرى من خلال مباحث هذا الكتاب كيف تطورت صناعة الفتوى من عهد الصحابة إلى عهود الأئمة والمجتهدين والفقهاء لا من حيث تطبيق النصوص أو الأدلة على القضايا ولكن أيضا من حيث التوسع في الاستدلال والتعامل مع عامل الزمان كمرجح في ميزان معادلة النص والواقع في جدليتي المقاصد الكلية العامة والأحكام الجزئية الخاصة.
هذا التطور المتدرج في خطوط متعرجة لم يقتصر على الدليل والواقع وإنما شمل أيضا القائم على الفتوى الذي لم يعد المجتهد المطلق على ما سنصف بل يصبح طبقاً لقانون الضرورة والحاجة الفقيه المقلد الناقل.
ويصبح اختيار المقلدين بمنزلة اجتهاد المجتهدين فيما سماه المالكية “بإجراء العمل” لترفع القول الضعيف إلى مرتبة القوي والرأي السقيم إلى درجة الاجتهاد الصحيح بناء على مصلحة متوخاة أو مفسدة متحاماة ” اهـ.
في نفسي أتساءل، هل المفتين الذين نراهم في شاشات التلفاز سيفهمون مثل هذا الكلام النفيس؟؟؟ بله أن يطبقوه ؟
بكل صراحة أنا لا أعتقد ذلك. لأن الكثير منهم ربما يرى أن الفتوى صِنعة وليست صناعة، وشتان بين الثرى والثريا.
وحسبنا الله ونعم الوكيل
تحديث :
موقع إسلام اون لاين ينشر تقريراً يتناول ظاهرة الفتاوى المضحكة تحت عنوان “الفتاوى الكاريكاتورية.. بين الصحفي والمفتي: سمعتم آخر فتوى” على هذا الرابط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) مفتوح المصدر مصطلح برمجي يطلق على البرامج المجانية التي يمكن لأي مبرمج أن يعدل في شفراتها ويضيف إليها كما يشاء.
مدونة عونيـ علٌق:
ديسمبر 10 th, 2008 على الساعة 12:07 ص
فتاوى معلّبة…
كلّ يُؤخذ من قوله و يُردّ إلا صاحب هذا القبر (في إشارة إلى قبر النبي عليه الصلاة و السلام) .. هذا ما قاله الإمام مالك رحمه الله و أكد عليه الأ….
خالد بن منصور الخنيني علٌق:
ديسمبر 10 th, 2008 على الساعة 1:43 ص
فوضى الفتاوى (الغير مسؤولة) التي تحرجنا نحن المسلمين أمام العالم خرجت من الجهل بـ “أجرئكم على الفتوى أجرئكم على النار” لكني أذكرك أخي الكريم بأن عصرنا الحالي أحدث أموراً لم تكن موجودة سابقاً مع قلة عدد رجالات الدين المتمكنين ومخافة الله منهم كانت الأمور “مضبوطة” ، للتنوع الديني وإختلاف الفتاوى ميزة وسبب ديني لكن مايحدث الآن نقيض المعقول ولمدونتك سهم السبق في توضيح مايحصل .
فريد الأطرش علٌق:
ديسمبر 11 th, 2008 على الساعة 8:19 ص
http://www.alwatan.com.sa/news/newsdetail.asp?issueno=2995&id=81424&groupID=0
أتفق معك، لكن لا ننكر أن هذا له دور كبير جدا في صناعة الإبداع في الأسئلة. والرابط أعلاه، مجرد مثال، فهذا حاج يسأل هل يلزمني أن أغطي وجهي لو حججت عن أمي؟
المهتمون بصناعة الإبداع في الوطن، لا يمكن أن يحاربوا مثل هذه الظاهرة أبدا، خصوصا في ظل وجود فقر كبير في حضور الإبداع في مجالات متعددة.
سلملم
Social Wonders علٌق:
ديسمبر 13 th, 2008 على الساعة 12:39 م
الموضوع له بعدين : أحدهما سلبي والآخر إيجابي
السلبي: هي الفوضى التي نشاهدها في عالم الفتوى وبعض الفتاوى الشاذة
الإيجابي: التجديد والدعوة إلى الاجتهاد
أتوقع أن الموضوع أصبح ذو حدين ويصعب الحكم عليه
فهد الحازمي علٌق:
ديسمبر 14 th, 2008 على الساعة 10:52 م
الأخ الكريم خالد الخنيني
أوافقك الرأي في أن استشعار مسؤولية الفتيا قد قلت كثيراً ، فخرجت لنا اجتهادات نقيض المعقول من الاختلاف والتنوع
شكراً لك
&&
الأخ الكريم فريد الأطرش
أضحك الله سنك بهذا الرد..
&&
الأخ الكريم عجيب أبو العجايب
أنا في الحقيقة قد ذكرت أنني مع التعدد والاختلاف ولا أنكره أبداً
لكني ضد الفتاوى التي تخالف المعقول من الأحكام، بالدرجة التي تجعل العامي يسقط مغشياً عليه من الضحك عليها.
وشكراً.
الريم الحربي علٌق:
ديسمبر 16 th, 2008 على الساعة 12:44 ص
.
بالحقيقة يافهد الأشياء المشوهة كثيرة
والغريب أن أهلها همّ الذين يُشوهونها ..
بهذا من سيأخذ الحق
ومن سيتفرج !
أنا لا أثق مطلقاً بأيِّ شخصٍ ” ربى لحية ” كي يخول ويصدر فتوى !
أو من الأساس أن اسألهُ سؤال !!
علينا الأستناد ثم الأستناد على أرواحٍ ” مضمونة ”
” وياليت بعض النّاس يفكرون قبل لا يسألون
”
شُكراً فهد
.
فهد الحازمي علٌق:
ديسمبر 16 th, 2008 على الساعة 5:40 م
الأخ الكريم عونيـ
المعذرة على تجاوز ردك لأن ردك استرجعته من السبام اليم ، ولا أدري لماذا ذهب إلى هناك.
بالنسبة لقول الإمام مالك رحمه الله ، فهو صحيح وينطبق على الأقوال المنهجية المبنية على اجتهاد سليم بقواعده الكاملة كما سبق وأن أشرت أني لا أكره الاختلاف في الرأي المبني على الاجتهاد السليم
لكن إذا كان القول الفقهي للمتاجرة .. فهنا نبدأ بالصياح والتحذير.
&&
الأخت الكريمة الريم الحربي
أوافقك فيما قلت صراحة ، وأشير فقط إلى أن اللحية ليست معياراً لصحة الاجتهاد من عدمه، اللحية بالنسبة لي كمستفتي مثل لون الثوب، ليس له أدنى علاقة بالحق والباطل والصح والخطأ. هو أمر شكلي فقط . وكذلك اللحية.
شكراً لك.
غسق علٌق:
ديسمبر 24 th, 2008 على الساعة 1:21 ص
كما ذكرت أخي الفاضل
كثرت الفتاوى
ومنها أن كل قناة صارت تتباهى ببرامج الفتاوى لديها
قد يكون السؤال عن الحكم وعي من الناس وتورع
ولكن قد نفتقر إلى هذا التورع من المفتين كما كان السلف الصالح رضوان الله عليهم
عذراً على مروري السريع فقط أردت أن أعلق
شكراً جزيلاً
طفل واعي علٌق:
ديسمبر 29 th, 2008 على الساعة 2:49 م
أخي العزيز فهد ..
يبدوا أن هذا الموضوع في رؤيته تكون كمن يقف على حد سيف خوف من الوقوع … فمن جهة تخاف أن تستهزئ بعلماء الدين والشريعة “حتى وإن أخطأ بعضهم” ومن جهة أخرى لاتريد أن تأخذ كل مايصدر عن فلان وعلّان..وإن سكتت عن هذا وذاك آلمك حد السيف ووقوفك فوقه “أقصد ضميرك”
“كل عام ترذلون” كلمة تعطينا واقع لن نستطيع تغييره … فاليوم أشر من الأمس .. ولكن عزائنا أن اليوم أخير من الغد .. يقل فيه عدد العلماء الأفاضل .. ويقل فيه عدد من لهم ذمّة ممن يتبعون نهج الصحابه في الإفتاء بالتأني والتعقل والرجوع إلى القرآن والسنة قبل كل هذا ثم العودة إلى الوضع الحالي ودرئ المفسدة إن لم يكن فالقرآن والسنة شيء من ما تم السؤال عنه ” وهذا نادر جداً “..
لكن مايجب علينا نحن عامة الناس المتلقين “اللي ماحنا علماء ولا شيء” هو سؤال من نراه ويجزم عليه الأمة بأنه ثقة…. فمقولة “لايفتى ومالك فالمدينة” لم يقلها مالك نفسه .. بل اجتمع عليها الأمة كافة .. فمن اجمعت الأمة أنه عالم ثقة فإن قولة مأخوذ مالم يكن بعكس ماقاله جل جلاله أو نبيه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم..
ملاحظة بسيطة : رغم مانحس به من حرقة في داخلنا على مايحصل من بعض من يسمون أنفسهم مشايخ..ولكن هذا لايعطي أحد الحق بكلمة ربما تفسّر على أنها إستهزاء … فكثرة قول “أصحاب الشعر المتدلي” أو “لا أثق بكل من ربى لحية” وقعها إلى حد ما قوي على الآذان … لكان أفضل غض النظر عن الإنفعال الزائد فإن بعض الكلام في الفتنه ولو بقصد تهدئتها .. هو بحد ذاته حطب لإشعالها !
:: تحياتي ::