جمال خاشقجي.. محارب قتل في غير معركة
الثلاثاء ، 18 مايو ، 2010
طبقا لما صرح به جمال خاشقجي رئيس تحرير صحيفة الوطن السعودية المستقيل/المقال لصحيفة الفايننشال تايمز فقد تأكدت التكهنات التي سرت فيحينها بأن مقالا لإبراهيم طالع الألمعي بعنوان “سلفي في مقام سيدي عبد الرحمن” قد أطاح به من منصبه للمرة الثانية.
وفي ذلك المقال يقول الألمعي ” فهمْ يحملونَ ثقافةً جرداء مُسطَّحة الفكر لا تملك التوغُّلَ في الفكر ولا اتِّساع التَّمذْهب بسبب نوع البيئة التي جاؤوا منها.. أطاعهم لأنه لم يكن يملك من أمره شيئا، حتى اكتشف نفسه اليوم يحمل فكرا يُسمّيه إصلاحياَّ سلفيا وحيدا للكون والحياة”.. وينتقد المقال المنهج السلفي القائم على تكفير المتبركين بالقبور والمتوسلين بالأضرحة. وهي الممارسات التي ينظر إليها معظم السعوديون باختلاف توجهاتهم على أنها ملامح مرحلة متخلفة لا يتمنون عودتها. ولو أراد السعوديون أن يذكروا حسنة واحدة لدعوة محمد بن عبد الوهاب لكانت مساهتمته في محو هذه الممارسات.
أجزم بأنه لولا خبر الإقالة لما حظي المقال بأي انتشار ولا معدل قرءات واسعة. مقال لكاتب مغمور يكتب بلغة عالية يصعب على العامة فهمها ويناقش فكرة بعيدة عن القبول في المجتمع السعودي الذي ينظر أشد المنفتحين فيه إلى تلك الحقبة التي انتهت بدعوة محمد بن عبد الوهاب بأنه ملمح من ملامح التخلف والجاهلية. حتى أولئك الذين لا ينظرون إلى الأمر من زاوية دينية.
بالطبع المقال كان بمثابة رصاصة الرحمة التي وجدها مناهضو خاشقجي لتكون حجة داغمة ضده أمام السلطات السعودية التي لن تجد بدا في هذا المقام من إقالته. خاصة وأنه يأتي بعد أن تبنى أمير سعودي بارز هو الأمير سلمان بن عبد العزيز موقفا واضحا في الدفاع عن الوهابية والإنكار على من يستخدم هذا المصطلح لما له من خلفيات سلبية، إضافة إلى تأكيده على سلطة المفتي في التشريع في السعودية.
مقال الألمعي الذي لم ينتبه له أحد سوى الذين يفتشون في صحيفة الوطن عن دليل إدانة لخاشقجي جاء ليقفل ملف متراكما من المآخذ التي يستعدي بها مناهضو خاشقجي السلطة ضده.
بالنسبة لي يبدو الأمر كنهاية سخيفة لمسرحية حبكت جيدا في منتصفها، لكاتب أجاد تعقيد الأمور ولكنه عجز عن فك العقدة بطريقة مناسبة فاختار النهاية التقليدية.. حيث يموت البطل! من المؤكد أن توقيت الاستقالة/الإقالة لم يكن التوقيت الذي يعتقد خاشقجي حتى في أسوأ كوابيسه أن يغادر فيه الكرسي رقم 8. فالرجل لم يكمل 10 أيام في الاحتفاء بالمنجز الجديد الذي وصل إليه من خلال تقديم الوطن عبر موقعها الإلكتروني بثوب مختلف ومنافس يعدها لمرحلة مختلفة لن تعمر فيها الصحف الكلاسيكية طويلا.
الأمر أشبه بوجود مخرج ذو مزاج متقلب قرر في هذه اللحظة أن دور خاشقجي انتهى عند هذا الحد وأنه يمكن صياغة مشهد مقنع للمتابع يموت من خلاله البطل. فالرجل الذي قدم نفسه وكوكبة من المحيطين به بأنهم محاربون من أجل حركة تنويرية معينة ومستعدون للتضيحة في هذا السبيل. خاشقجي وبعد عودته للكرسي رقم 8 مرة أخرى كان أقل حماقة وهو يشترط ضمن اتفاق العودة أن لا يقال مرة أخرى قبل مرور 50 يوما مؤكدا حينها أنه لم يعد لإثارة الخلاف والجدل. وفي حين أن الأمر حدث بعد مرور 3 سنوات وعشرين يوما فسبب الإقالة لم يكن مشجعا لأكثر مناصريه جرأة أن يتحمسوا للدفاع عنه.
تمنيت لو أقيل خاشقجي في ساحة حقيقية من الساحات التي يقاتل فيها عبر الصفحة الأولى في صحيفة الوطن ولكن ذلك لم يحدث. إذا كان خاشقجي وهو الذي يردد بأنه يملك مشروعا إصلاحيا متفق مع التوجهات الإصلاحية للملك عبد الله يرى بأن سقف الحرية يجب أن يصل حد نقد المنهج العقدي الذي قامت الوهابية على تطبيقه مستمدة ذلك من الشريعة الإسلامية، في نقد الإنكار على من يتبرك بالقبور والأضرحة فالأمر بين خيارين.. أن يكون خاشجقي أحمق! أو أن يكون مجرد كومبارس مثل مشهدا لم يختر السيناريو الذي أعده له. وخيار ثالث يكمن في أنه أراد الوصول إلى أسرع طريقة للحصول على إجازة لشهر العسل!
حتى أولئك الذين سيهتفون بأعلى صوت من أجل الاختلاط وكاوست وقيادة المرأة للسيارة وضد جهاز الهيئة.. هم أول من سيلتفت إلى خاشجقي قائلين.. “وش تحس فيه”
فالطريقة التي استخدم فيها خاشجقي نقد الخطاب المتشدد في السعودية بقدر ما كونت له أعداء كثر فقد جمعت حوله مؤيدين أكثر مما وولد قبولا لخطابه في الوسط السعودي. ومكنه في ذات الوقت من إحداث التغيير الذي يريده بطريقة متدرجة وخطاب يمكنه أن يولد قبولا ولا يستخدم لغة صارخة تصبح مبررا للإطاحة به. ولكن مقالا مثل ما كتب إبراهيم الألمعي جاء خارجا عن سياق هذا الخطاب ليقدم دليل الإدانة الذي انتظره المناهضون كثيرا.
بالطبع يقوم هذا التحليل على تجاهل فرضية أن الأمر يجب أن يكون عائد إلى حرية الرأي وأنه يجب أن لا يقال الشخص من أجل فكرة كاتب في صحيفته. هذا كلام جميل ولكنه لا يجدي حين نحلل الأمر بصورة واقعية.
سيظل خاشجقي واحدا من الأسماء القوية التي عرفتها الصحافة السعودية بلا شك. على الأقل هو مستعد لأن يخسر مقعد رئاسة التحرير من أجل ما يؤمن به. وحين يكتب فإنه يكتب بقلم المحارب الذي يكشف صدره لتلقي الطعنات ولكن.. ما أسوأ أن يقتل المحارب في معركة جانبية حتى أكثر المخلصين من جنوده ليس مستعدا لخوضها.

مشاري علٌق:
مايو 18 th, 2010 على الساعة 1:36 ص
رابط الفاينانشل تايمز
http://www.ft.com/cms/s/0/16363044-6184-11df-aa80-00144feab49a.html
ماسة زيوس علٌق:
مايو 18 th, 2010 على الساعة 1:46 ص
من أجمل ماكُتب بحق خاشقجي..
تحية لك..
ماجد الحمدان علٌق:
مايو 18 th, 2010 على الساعة 1:53 ص
سيخرج غيره الكثير، أنت وأنا وهو كلنا سنكون أعداء الظلام.
المهم أن يكثر المتعلمون وخريجوا الجامعات الخارجية والداخلية، حينها سوف يختفي صوت التخلف.
يحيى علٌق:
مايو 18 th, 2010 على الساعة 1:56 ص
جميل يا فهد ، أعجبني تسليطك الضوء على الجانب الرومانسي من المعركة وهي كيف يمكن أن يكون القائد في فوهة المدفع فداء لأحد جنوده. الموقف لم يأتي بجديد ، سوى أن البلد لا زالت تسيطر عليها الكثير من العقول التي تنتمي للعصر الحجري وهذا بالتالي يضغط على الفئة المقابلة من أجل تقديم المزيد من الضغط والجدال الأبيض والمناورات الحرة بهدف إيساع دائرة الآراء، والإيمان بتعددها وجدوى وجود هذه الاختلافات النابعة من رغبة حقيقية للأفضل، والتي ستؤدي لإنفتاح مرغوب ومطلوب في الزاوية الحادة للحياة اليومية للشعب .
نقطة جانبية فقط ، الحقيقة أن إبراهيم طالع ليس بكاتب مغمور في نظر الكثير ، هو نخبوي أكثر من كونه مغمور وربما لو عدت للكثير من مقالاته لوجدت أنه من مؤسسي مدرسة “الرمزية ” – إن جازت التسمية – لإيصال الكثير من الرسائل الملغمة التي كاد لا يمكن أن تصل لو كتبت بلغة أخرى .
يحيى علٌق:
مايو 18 th, 2010 على الساعة 2:02 ص
اوبس!
خاطبتك بفهد وأنت هادي ، ولا فرق دامت الرؤوس مشرعة نحو أفق التغيير .
الحسن بادحدح علٌق:
مايو 18 th, 2010 على الساعة 2:42 ص
لا جديد .. الكثير تمت إقالتهم بسيناريوهات مشابهة بغض النظر عن اختلاف الشخصيات والأفكار
الشثري والرطيان أمثلة
يَـزيـدْ علٌق:
مايو 18 th, 2010 على الساعة 2:58 ص
أهلًا هادي ..
المشكلة في نظري ليست حربًا أو ساحة جدال دائمة !
المشكلة لا أراها إلّا في كون كلٌّ منّا يتحدث باسم الوطن .. وما يُعاب على جمال خاشقجي ومرحلته السالفة ، أنّه تبنّى مبدأ ( لا أُريكم إلّا ما أرَى ) وهو ما كان تتبنّاه الجهات الدّينية عندنا .. بغض النّظر عن كونها كانت على صواب أم خلافه .
في ( الوطن / الصّحيفة ) وتحت رئاسة خاشقجي .. كانت تصوّر لنا رأيها وعنواينها وحتّى إعلاناتها .. بأنّها هي ( الوحيدة ) صوت للـ ( الوطن / الأرض ) وما كان من غيرها .. لا شيء !
وهُنا قمّة التّناقض فيما تزعمه الصّحيفة .. وما ترينا إيّاه على ورقاتها ..
تلك النّظرة المتعالية .. والعنجهيّة .. و( خذوهم بالصّوت ) التي كانت تملأ مساجدنا وخطبنا ومحاضراتنا .. هي نفسها ما مارسها خاشقجي .. ولكن لخدمة أهداف أخرى ..
صحيفة الوطن وعلى كثر ضجيجها وغَلَبتها .. لم تستطع أن ترسّخ في أذهان متابيعها يومًا من الأيّام أن ( الوطن ) هو الأرض لا ( الاشخاص ) فلذا رأينها تحذو حذو زميلاتها من الصّحف بالتّزلف .. ورفع شعار الوطنيّة وهي أبعد عنه كالكثير الكثير ..
المحافظون رفعوا نفس الشعار .. وأولاء رفعوا الشّعار ذاته .. بل حتّى ( بيسيرو ) مدرب المنتخب السّعودي .. اصبح يلوّح بشعار الوطنيّة في مؤتمراته !
إنّه ضحكٌ على الذقون ..
ووصول للأهداف بطرق رخيصة .. أوصلتنا لما نحن عليه .. من ضيق أفق .. وصغر مدارك ..
شكر الله لك ..
آلاء علٌق:
مايو 18 th, 2010 على الساعة 5:00 ص
جيد جداً ، قراءة مثل هذه ستكون مفيدة في ما تم تحليله من أدوات لإعادة استخدامها مستقبلاً من أجل الوصول لهدف أراده خاشقجي . .
،
تحية للمحترقين . .
فكرة علٌق:
مايو 18 th, 2010 على الساعة 5:36 ص
أختلف معك في كونه محارب , لا يوجد لدينا محاربون , وكثير من الشخصيات , تكتسب رمزية بسبب أنه لا يوجد أفضل منها , والمقاييس هي بالموجود وليس المفترض .. هو كان محارب بطريقة ما , بأنه تبنى الكتابة العراكية الاستفزازية , و من الطبيعي أن يغلب الأقوى والأكثر سلطة ما دامت المسألة معركة .. ولا أحد تكلف وجاهد لكي يحقق للبلد شيئا يذكر , بالطريقة المتاحة , التي تتطلب أكثر من مجرد معارك ومضاربات , عقلية المعركة أيضا تفضل الحسم وإما حياة وإما موت , وهذا ما حصل لجمال , وفي ظل هذه العقلية تجف الأقلام وتجفوا الوطن وتغفوا مرتاحة الضمير عن حاجاته ومشاكله الحقيقية , ولا تستيقظ إلا بعد أن تقضي عليه , وتصل إليها وتقض مضجعها !
عونيــ علٌق:
مايو 18 th, 2010 على الساعة 7:04 ص
وحين يكتب فإنه يكتب بقلم المحارب الذي يكشف صدره لتلقي الطعنات ولكن.. ما أسوأ أن يقتل المحارب في معركة جانبية حتى أكثر المخلصين من جنوده ليس مستعدا لخوضها.
في الصميم!
سـ ع ـد علٌق:
مايو 18 th, 2010 على الساعة 4:04 م
أوافقك الرأي يايزيد
وحبيت أضيف شغله
جمال خاشقجي لم يضيف للأسف اي شي سوى الجدال و التراشق مع الجهات الدينيه أو التشريعيه وكأنهم كفار قريش.
لو أراد فعلاً أن يضيف شئ لماذا لم يحاول اعادة رأب الصدع الذي تراكم مع السنين ولكنه استمر في اتجاه المنحى الأخر
إبراهيم مبارك علٌق:
مايو 18 th, 2010 على الساعة 8:14 م
المتابع لجريدة الوطن يجدها هي وحدها من تغرد خارج السرب بحثاً عن سقف يليق بكلمة الصحافة الحرة..
ولايزال كرسي المحرر في جريدة الوطن سااااخن .
منال الزهراني علٌق:
مايو 19 th, 2010 على الساعة 8:26 م
الإقالة بالنسبة لي لا تمثل حدثاً فريداً ، ولا انتصاراً لأي طرف (عاقل) كان ، هي ليست سوى تكريس للمزيد من ( تهبيط ) سقف التنفّس.
قراءة جميلة أخي هادي ، هذه القراءة من صف المحاربين الذين فيهم خاشقجي ، قرأتها مرة أخرى من صف الشرعيين في مدونتي.
شكراً جزيلاً للإلهام.
نوفه علٌق:
مايو 20 th, 2010 على الساعة 12:10 ص
المقال الخاص بالألمعي سخيف برأيي ولا يؤخذ منه حق ولا باطل
لم اكمله حتى النهايه لأنه ركيك برأيي
اقالة خاشقجي لا تهمني حقيقة ورغم أنها أثارت ضجه الا أنها لا تهم
الوطن ستستمر بدونه وربما للأفضل أثق بسليمان العقيلي
شكرًا لك
Archer Perkins علٌق:
مايو 23 rd, 2010 على الساعة 2:29 م
أختلف معك في كونه محارب , لا يوجد لدينا محاربون , وكثير من الشخصيات , تكتسب رمزية بسبب أنه لا يوجد أفضل منها , والمقاييس هي بالموجود وليس المفترض .. هو كان محارب بطريقة ما , بأنه تبنى الكتابة العراكية الاستفزازية , و من الطبيعي أن يغلب الأقوى والأكثر سلطة ما دامت المسألة معركة .. ولا أحد تكلف وجاهد لكي يحقق للبلد شيئا يذكر , بالطريقة المتاحة , التي تتطلب أكثر من مجرد معارك ومضاربات , عقلية المعركة أيضا تفضل الحسم وإما حياة وإما موت , وهذا ما حصل لجمال , وفي ظل هذه العقلية تجف الأقلام وتجفوا الوطن وتغفوا مرتاحة الضمير عن حاجاته ومشاكله الحقيقية , ولا تستيقظ إلا بعد أن تقضي عليه , وتصل إليها وتقض مضجعها !
+1
حمده علٌق:
مايو 24 th, 2010 على الساعة 8:44 ص
اصبحت لا أفهم هم معهم او معهم – ونحن معهم او معهم – وهؤلاء معهم او معهم – وهي معهم او معهم وكذلك هو و أنت وأنا و الكل !
التوجه الإعلامي في السعودية يواجه تخبطاً ليس الاول من نوعه و ليس في البداية ولا المنتصف ولا حتى النهاية ولا بداية النهاية ! نحتاج إلى وعي اكبر – مرجعية رصينة و توجّه صادق بعيداً عن ارضاء جهات مجهولة ! نحتاج إلى تكريس مفهوم الحرية تساوي المسؤولية وليست حرية التعبير ان تجعل 20 او حتى مئة مقال تنتقد شخص معين لأنه نطق برأي ارتأى فيه الحقيقة !
في نظري الوطن تناقض نفسها – تدعي الحرية وهي لا تطبق ابسط ابجدياتها المتعارف عليها في عالم الصحافة ! المشكلة الحقيقية من يتحدث بإسم الوطن؟ أو من هم المخوّلون بذلك .. ليت الأزمة تنفرج قليلاً فقد قضينا وقتاً ليس بالقصير في عنق الزجاجة ! تحية لطرحك