من الوجود الافتراضي إلى الوجود الواقعي : تأملات
الإثنين ، 5 أبريل ، 2010
“أخبرني عن وجودك في الانترنت، أخبرك عن تأثيرك!” بهذه المقولة أستطيع أن أصوغ زبدة هذه التدوينة، والتي سأحتفظ بحقوقها لنفسي، وسأحاكم من ينسبها لنفسه، حتى الموت!
ساءلت نفسي، هل يمكن أن يكون مجتمعنا افتراضياً لهذا الحد ؟! وحيث يجيء هذا السؤال بعد طرح التدوينة السابقة عن “النقرة الالكترونية” وصناعة الرموز، فقد أعدت التفكير من زوايا أخرى ، فخرجت بما هو جدير بالمناقشة والمدارسة هنا.
إذ طالما شدتني بعض الظواهر الواقعية/الافتراضية التي تعتري مجتمعنا، إلى الحد الذي يجعلني أزعم بلا تحفظ أن ما نراه في الواقع ليس أكثر من الثلث البارز من جبل الجليد ، في حين أن ما يخفيه العالم الافتراضي هو باقي الثلثين من تلك الظاهرة.
ولهذا، فأي دراسة أو محاولة لفهم المجتمع السعودي من الداخل لا تنطلق من العالم الافتراضي، فهي ناقصة حتماً، وسيعتريها الكثير من التخبط، لأن العالم الواقعي قد لا يشهد سوى المراحل الأخيرة من “الطبخة”.
ويمكن أن نلحظ هذا بكل سهولة على ظواهر ثقافية تحصل من حولنا، ولا أعتقد أننا بحاجة إلى عبقرية فذة لكي ندرك مدى ارتباط النشاط الالكتروني بهذه الظواهر. فعلى سبيل المثال، معرض الرياض للكتاب والذي أقيم مطلع الشهر الحالي (مارس) والذي دائماً ما ينجح نجاحاً كبيراً على مستويات متعددة قد تجعل منه في مطلع معارض الكتاب العربية، وهذا يحصل لعوامل كثيرة لكن يأتي في مقدمتها التفاعل الالكتروني حيث الطقس الالكتروني المعتاد الذي يصاحب المعرض هو أن يكتب الناس عن المعرض في المنتديات والمواقع الالكترونية ويسجلوا انطباعاتهم عنه ويشاركوا الآخرين بما اقتنوه من المعرض. إضافة إلى مسائل أخرى قد لا تكون محل اهتمامنا هنا.
وعلى ميدان البرامج الفضائية، سنأخذ برنامج من قناة دليل وبرنامج من قناة فور شباب، حيث البرنامج الأول يحظى بسند افتراضي هائل يجعله في مقدمة برامج قناة دليل مشاهدة. وأما الآخر فلولا بعض الجهود الفردية لما سمع به أحد أبداً مع امتلاكه لكامل عناصر الجاذبية!. في الحالة الأولى نجد برنامج “البيان التالي” والذي يقدمه الصحفي الشهير “عبد العزيز قاسم” وبقليل من التأمل نجد أن نجاح البرنامج ما كان ليُحرز لولا شيء واحد بارز كان له دور كبير في نجاح وشهرة الصحفي عبد العزيز قاسم كمقدم للبرنامج، ألا وهو “مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية” والتي يديرها من سنوات ماضية، وتحوي في طياتها كم كبير من نخب المجتمع ورموزه من شتى الاتجاهات، كما تحظى مقالات/حوارات المجموعة بنسبة مقروئية عالية حينما تجدها في أماكن كثيرة من صحف الكترونية ومنتديات وفيس بوك.
وحيث كانت المجموعة مملوكة لمقدم البرنامج، فقد استغلها بشكل كبير للدعاية لبرنامجه ولضيوفه -المثيرين للجدل دائماً- ، لترى ذاك الكم الكبير من التفاعلات والتعقيبات على حلقات البرنامج من خلال المجموعة وخارجها، لكي تدرك تماماً مدى السند الافتراضي المتين الذي يحظى به هذا البرنامج والذي لولاه، لما عرفنا البرنامج، بل لما عرف الكثيرون شيئاً عن قناة “دليل” التي يعرض البرنامج على شاشتها.
وأما الحالة الأخرى من قناة فور شباب، فهي لبرنامج آخر يحمل من الجاذبية الذاتية والزمانية ما يؤهله ليكون من أشهر البرامج الدينية؛ لكنه لم يحصل على السند الافتراضي سوى بعض الجهود الفردية المشتتة. ألا وهو برنامج “مفاهيم” والذي كان يستضيف فضيلة العلامة محمد الحسن ولد الددو الشنقيطي، ويقدمه الدكتور عادل باناعمة، والذي عُرض في شهر رمضان المبارك يومياً، حيث طرح البرنامج مواضيع في غاية الحساسية والقوة وبمحتوى ربما غير مألوف أبداً على مستوى البيت السعودي البسيط! وربما مقاطع البرنامج المتنوعة من قناة “ددويات” قد تكفي لإعطاء فكرة عن محتوى البرنامج. الملاحظة التي أود تسجيلها أنه على الرغم من كل هذه الجاذبية الأصيلة، إلا أني شككت ذات ليلة أني أنا الوحيد الذي أشارك مخرج البرنامج ومعديه مشاهدة البرنامج، والفرق بيني وبينهم أني أقبع خلف الشاشة بعيداً عنهم! فالبرنامج لا يوجد له أي وجود افتراضي مُعد يسند البرنامج الواقعي، ولذلك كان لغياب أي أثر للبرنامج متوقعاً تماماً! لولا أن الله سلم وقام بعض الإخوة والأخوات من تسجيل الحلقات بجودات متواضعة، ولولاهم، فوالله لن يصدقك أحد أن البرنامج قد احتوى على كذا وكذا. (سبق وأن كتبت تغطية للبرنامج في تدوينة سابقة)
الحالة التي يمكن أن نختم بها هذه التدوينة، هي لعلم على رأسه نار، يملك امبراطورية إعلامية افتراضية تسجل حركاته وسكناته، وتخدم خطابه بأفضل ما يمكن حيث تقوم بحماية خطابه عن طريق تحشيد الجماهير حوله، ولولا وجود هذه الامبراطورية لما كان للشيخ سلمان العودة هذا الأثر الكبير ، فجاذبية خطابه الذاتية وظهوره في مختلف القنوات ليس كافياً لكي يكون مؤثراً، بل احتاج إلى أداة إعلامية افتراضية (مؤسسة الإسلام اليوم) إضافية تقوم بمهمة الحشد والحماية والرعاية. وإلا، فلدينا عشرات الأسماء التي تطرح خطاباً مستنيراً ، ولكنها للأسف ضعيفة الحيلة سهلة الافتراس ولهذا تسقط سريعاً !
ولولا خشية السرد الطويل، لوضعت أمثلة أكثر، لأدلل من خلالها على الأثر الكبير الذي يتركه العالم الافتراضي على الواقع. مما يجعل مهمة الكاتب أو المصلح -أياً كان توجهه- في هذا الزمن أكثر تركيباً لتتعدى موضوع الأفكار ذاته (أياً كانت) إلى استغلال الأدوات الحديثة – بما فيها العالم الافتراضي- لنشر الأفكار وتحشييد الجماهير حولها، وكذلك لردم الهوم بين المصلح وبين الآخرين. ولهذا كله، أقولها لكل مصلح يرى نفسه كذلك ويسعى للتأثير ”كما أن إتقان القراءة متطلب أساسي لفهم الكتب، فامتلاك وجود افتراضي متطلب أساسي لنجاح أي مشروع إصلاحي”
أتمنى بكل صدق أن يفهم جميع المعنيين بقضايا الإصلاح والنهضة هذا الدرس!

نوران علٌق:
أبريل 5 th, 2010 على الساعة 9:16 م
وهذا ليس مقتصراً على السعودية فقط، وإن كان وضوحه في السعودية أشد. انظر مثلاً إلى حملة البرادعي أو حملة أوباما. لقد كان وجود هاتين الحملتين على الفيس بوك وتويتر ونقاش الأعضاء حولها الأثر الكبير في توعية الغير مهتمين بشؤؤون السياسة ورفع عدد المؤيدين حتى لو لم يكونوا كذلك حقاً! -أعني لو عرفوا كفاية غير ما يقرؤونه لما شجعوا هذا أو تلك- الجماهير الافتراضية لها أثر ضخم!
وهذا يسعدني حقيقة. فالانترنت يكسب صورة شرعية وواقعية في حياة العرب أفضل من صورته التنكرية قبل عدة سنوات.
وهذا يوصل “الاصلاح” كما أسميته- حتى بيوتنا. قد يعتبر البعض هذا خطراً.
أشكرك.
قلم الجاحظ علٌق:
أبريل 6 th, 2010 على الساعة 2:10 م
معك حق ..
العالم الافتراضي .. يمتلك قدرة هائلة جداً على التسويق و التفاعل
تخيل .. أنك نشرت هذه التدوينة في صحيفة ورقية فقط
فهد الحازمي علٌق:
أبريل 6 th, 2010 على الساعة 4:34 م
@ نوران : بدون شك ليس مختصاً بالسعودية وقد عرجت في بداية المقال على بعض الأرقام التي يمكن أن توضح هذه الظاهرة العالمية، لكن المشكلة أن بعض الأصدقاء هنا قد تعودوا على أن يتركوا الطريق حتى يسلكه قبلهم مليون مجرب ثم يتأكدون من سلامة الطريق وخلوه من المحاذير الشرعية! ليبدؤوا بعدها بالتفكير في سلوكه واستغلاله! ولذلك وددت ان أركز على أمثلة داخلية لتوجيه مفعول “الصفعة” في خدودهم بكل ما أوتيت من قوة.


وأنا أشيد حقيقة بنقطتك حول الانترنت وكسب الصورة الشرعية بصورة اكثر من ذي قبل. شكراً للويب تو ! وشكراً لمرورك الجميل ..
.
@ قلم الجاحظ : هههههههه، سبحان الله، لا أدري لماذا اليوم بالضبط وأنا أجهز رداً مقنعاً لأي سائل يسألني عن “لماذا لا تنشر تدويناتك في صحيفة ورقية؟” ، فكان أكثر الردود هدوءً وأقل اندفاعاً هو “أنا واثق تماماً بأن نشرها في مدونتي يعود عليّ بأضعاف المردود الذي يمكن أن يعود فيما لو نشرتها بصحيفة ورقية!”
أنا أنتظر من يسألني فقط لأنهال عليه شرحاً وتوضيحاً
شكراً لك عزيزي…
نوران علٌق:
أبريل 6 th, 2010 على الساعة 11:24 م
أنا أرغب بسماع توضيحك. رغم أني أوافقك الرأي
حسن الحازمي علٌق:
أبريل 8 th, 2010 على الساعة 2:21 ص
قلم مميز اخي فهد
واستشهادات دقيقة
انه عالمنا الافتراضي الذي يشكل حياتنا
“كليك يشكل عالمنا”
http://blog.hassanalhazmi.net/2009/06/blog-post_09.html
قد تكون ذات علاقة بجانب لما طرحت فقد نكون من يشكل ذلك العالم او على الاقل نساهم في ذلك
المداد الدمشقي علٌق:
أبريل 15 th, 2010 على الساعة 2:32 م
السلام عليكم
حلو التدوينة اخي العزيز لوجود فكرة جديدة تم طرحها.
و لكم تحياتي
المداد الدمشقي
http://www.midad.me/quran/
إرهاب الشوارع + مؤتمر TEDxKFUPM + مقال الحمدان | سَمْ وَن علٌق:
مايو 25 th, 2010 على الساعة 3:40 ص
[...] الفيس بوك ولكن “ وفيه أشار إلى ما ورد في تدوينتي “من الوجود الافتراضي إلى الوجود الواقعي : تأملات” ويأتي هذا المقال ضمن سلسلة تستعرض بعض الرؤى [...]