النقرة الالكترونية : سقوط النخبة وبروز الشعبي
الخميس ، 25 مارس ، 2010
هل ما زال من الممكن أن نعامل العالم الافتراضي (الانترنت) كعالم منعكس عن العالم الواقعي فحسب !؟ وهل ما زال من الممكن أن نعتبر الشاب الذي يقضي ساعات طويلة على الانترنت والفيس بوك مجرد “مدمن” أو “طائش” فحسب !؟ ألا يمكن أن يكون من نخبة المجتمع ورموزه مستقبلاً ؟
يشير الدكتور الغذامي في كتابه “الثقافة التلفزيونية : سقوط النخبة وبروز الشعبي” (لتحميل الكتاب) إلى أن دور النخبة قد انحسر بفعل تأثير الصورة التلفزيونية حيث صار المتلقي أو العامي يستطيع التفاعل مع الصورة مباشرة ويقرأ دلالاتها من غير أن يكون له أي وسطاء نخبويين يملون عليه ما يجب أن يعتقده، وهو ما كان جديداً في تاريخ البشرية، وهذه الحالة الجديدة قد فرضت شبكة من المفاهيم والقيم الحديثة والتي ما زالت بعيدة عن الرصد والملاحظة.
وإذا نظرنا إلى واقع العالم اليوم، لوجدنا أن العالم الافتراضي يمكن أن يحل محل الصورة التلفزيونية التي يتحدث عنها الغذامي بصورة أبلغ، خصوصاً مع بدايات الألفية الثالثة حين شهدنا بدايات مواقع الويب الجديدة (web 2.0) التي ترتكز على مفاهيم كالتفاعلية الآنية، والمشاركة، مما لم يكن موجوداً من قبل، وكذلك قيام امبراطوريات الكترونية عملاقة كالفيس بوك واليوتيوب وتويتر وديج التي يرتادها مئات الملايين يومياً بالإضافة إلى غيرها من آلاف المواقع الغير مشهورة، مما يمهد لعملية تأثير كبيرة وصناعة قرارات مصيرية تنطلق من هذه التقنية ، والتي حتماً سيكون لها أثر كبير في مستقبل العالم أجمع، وليس بعيداً عنا دور الانترنت في الانتخابات الأمريكية الأخيرة ، بالإضافة إلى أحداث إيران بعد فوز أحمدي نجاد، وغيرها من الاحداث السياسية العالمية التي لعب الانترنت فيها دوراً محورياً.
بالنظر إلى الحالة العربية، فأعتقد أن تأثير الانترنت في المجمل يختلف من دولة إلى أخرى حسب عوامل متعددة، لكن ما نشاهده في الدول الخليجية – السعودية خصوصاً – من تأثير للعالم الافتراضي على العالم الواقعي يبدو جلياً إلى الدرجة التي تظن فيها أن العالم الافتراضي يخفي ثلثي هذا المجتمع، وما ترى أمامك سوى الثلث المتبقي!
قد لا يبدو تأثير العالم الافتراضي في السعودية مماثلاُ لتأثيره في الدول العربية الأخرى -مصر والكويت مثلاً- لأسباب كثيرة تتعلق بصناعة القرار السعودي وبالأدوات الافتراضية نفسها حيث تأثير بعض المنتديات الالكترونية أو المجموعات البريدية لفترة ماضية، قد يكون أبلغ بكثير من تأثير الأدوات الأخرى كالمدونات أو الفيس بوك. لكن في المجمل، إذا استحضرنا مجموعة من الأحداث والصراعات التي دارت في المجتمع، لوجدنا أن التمثيل الافتراضي للمجتمع يكاد يكون أبلغ وأصدق، والأمثلة أكثر من أن تعد، آخرها كان تصريح “الأحمد” الشهير، وقبله كان كارثة جدة و جدل كاوست، وغيرها مما لا يتسع به المقام.
صناعة الرموز
لكن ما يجب أن نقر به، هو أن العالم الافتراضي -باختلاف أشكاله ومشاربه- قد فرض حالة جديدة ومقلقة لم تأخذ حقها من الدراسة والنظر ، وذلك حين يقوم العالم الافتراضي بإسقاط صوت الرموز النخبوية، وصناعة الرموز الشعبية ورفع صوتها.
لو نظرنا للحظة إلى الوراء وتتبعنا هذا التمثيل الافتراضي للمجتمع، لتذكرنا الساحات العربية كمنتدى له أثره الكبير على توجيه الرأي العام في فترة حساسة جداً من تاريخ المجتمع السعودي، ولأدركنا فعلاً أن الكثير من رموز اليوم التي تظهر كأيقونات تمثيلية لبعض التوجهات والتيارات – والتي يملك بعضها امبراطوريات الكترونية أو برامج تلفزيونية أو حضور كبير وتأثير قوي على فكر المجتمع- ، ليست سوى معرفات افتراضية بالأمس! حتى أن كثيراً منها لا يملك أي بضاعة معرفية تؤهله لهذه الرمزية حيث كان هذا الأمر شرطاً أخلاقياً للرمز/القدوة في الماضي، ولكن هذه هي القوانين الجديدة للعبة صناعة الرموز.
ولا يمكن أن يُحصر التأثير الافتراضي على الساحات العربية بالخصوص فقد كان هنالك إلى جانبها منتديات حوارية حاضرة في المشهد وبقوة، لكنه حضور لا ينافس حضور الساحات العربية.
قد تكون هنالك بعض الرموز التي كانت معروفة سابقاً، ومن ثم لجأت للانترنت لكي تزيد من جمهورها وتوسع من تأثيرها وبالتالي قد يقول البعض بأن صوتهم أساساً حاضر ولا يمكن اعتبارهم رموزاً الكترونية، لكن في الحقيقة نجد أن صوت النخب الجديدة القادمة من الكيبورد، ربما أعلى من صوت النخب التقليدية الموجودة في الواقع. بالتالي فهذه الرموز التقليدية التي لجأت للانترنت لتوسيع جمهورها، في الحقيقة قادمة من خارج الملعب الافتراضي، ولا تفهم قوانين اللعب جيداً.
لست في هذا الصدد مهتما بالبحث في الأسباب والجذور، فقد يكون لهذا مقام آخر، لكن ما يمكن أن نستنتجه من كل هذا، هو أننا في عهد من عهود بروز الصوت الشعبي -بأي صورة كانت- وسقوط النخبة المحتكِرة للأفكار والأصوات، وإن كان حصول هذه الظاهرة مؤرخاً بتاريخ ظهور الصورة التلفزيونية إلا أن الظاهرة تجلت بشكل أوضح اليوم حينما نتحدث عن إعلام الكتروني جديد يجعل من الفرد العادي أداة مهمة في تقرير مصير مجتمعه والمشاركة في صناعة القرار الاجتماعي، فيجد في نفسه القدرة على الكتابة، والتفاعل المباشر بإبداء الرأي مع الأحداث من غير وسطاء يشكّلون له ما يجب أن يراه ويعتقده (كما كان في عهد ما قبل الصورة التلفزيونية) أو وسطاء يختارون له ما يتفاعل معه (كما هو في عهد الصورة التلفزيونية). نحن في عهد النقرة الالكترونية التي تصنع الرموز وتوجه المجتمع.
**
من كل هذا، نستنتج أن النقرة الالكترونية في الحقيقة تعني الكثير على الصعيد الاجتماعي، وأن الفرد الالكتروني له دور أكبر بكثير مما يتخيله البعض وأصبح أكثر تأثيراً وأقوى حضوراً في صناعة مصيره وتوجيه دفة مجتمعه بعيدا عن احتكاره من قبل فئة دون أخرى. ونشهد اليوم كذلك، إزاحة الرموز الشعبية التقليدية، ليحل محلها رموز افتراضية عملاقة لم يُعرف لها تاريخ سوى فهمها لقوانين اللعبة الافتراضية وإجادة لعبها. إضافة إلى أن الدعاية الجمْعية الالكترونية لأي نشاط ثقافي لها دور جوهري في تسويق هذا النشاط سلباً أو إيجاباً. بالتالي، فدور الفرد صار أكبر وأكثر تركيباً من السابق.
ختاماً، أستطيع أن أقول أني أرى تماماً رموز المجتمع الشعبية في المستقبل والتي ستوجه الرأي العام وتصنع التأثير، وأستطيع أن أحصر أسماءهم هنا بكل ثقة، وليس ذلك إلا من نظرة خاطفة إلى موقع الفيس بوك!
كان بودي أن أتحدث عن موقع كل من التدوين، الفيس بوك، المجموعات البريدية بتفصيل أكثر ، إلا أن المساحة ستطول وتطول، ولكن قد يكون هذا حديثاً شيقاً لتدوينات قادمة.
.
* عنوان التدوينة عبارة عن تحوير بسيط لعنوان كتاب الدكتور عبد الله الغذامي “الثقافة التلفزيونية : سقوط النخبة وبروز الشعبي”.

نوفه علٌق:
مارس 26 th, 2010 على الساعة 1:07 ص
أحسنت أوافقك الرأي هذا أفضل ما في النقرة الإلكترونية كل شخص يستطيع
أن يقرر ماذا يريد و ماذا يكتب و كيف يكون حر نفسه دون وسيط و لا أن يكون تابع
كما قلت لأحد النخب حتى يشكل له رأيه و توجهاته
ربما من مساوئ هذه النقرة أن كل فرد يستطيع أن يكون نجم بالحشود التي يلفها حوله
و قد يكون بعضهم مدفوع الأجر
شكرًا جزيلًا لك
حسن الحازمي علٌق:
مارس 26 th, 2010 على الساعة 1:20 ص
دعني اضيف هنا ان هذا الفضاء الواسع يشكل فرصة لتاكتشاف المواهب والتدريب العملي على صياغة الافكار وتنقيحها بعيدا عن تعقيدات البحث عن ناشر لما تود قوله
اعتقد ان هذا الفضاء يقوم بردم الفجوة الثقافية بين النخبوي والشعبي
ننتظر جديدك
آلاء علٌق:
مارس 26 th, 2010 على الساعة 2:18 ص
جميل هناك آراء إعلامية جديدة تقول بنهاية الجمهور أو بانحسـار المسافة مابين القائم بالإتصال والجمهور وبالتالي توحدهما معاً في عملية (الاتصال معاً والارسال معاً والاستقبال معاً)
شخصياً كنت ومازلت أعتقد أننا كشعب سعودي خصيصاً نعم خضنا غمار الوسائل الإتصالية الحديثة لكننا مازلنا بعيداً عن التأثير من خلالها
بسبب بساطة الحالة الثقافية البارزة من خلال هذه الوسائل
غالباً هذه الوسائل تستغل كوسائل إتصال اجتماعية لا تهدف لأي هدف آخر ..
نقطة أخرى الوسط الافتراضي يخلق له رموزه المختلفين عن رموز الأرض، فلربما تجد الشخص المشهور في العالم الواقعي لايلتفت له أحد هاهنا بخلاف رموز الإنترنت لتباين الجمهورين
جمهور الإنترنت بالأغلب شاب صغير السن وهؤلاء جيل أتاح له الإنترنت تشكيل قناعاته الخاصة وتكوين رموزه
على كل حال ..ما أتمناه حقيقة أن لانسقط (قيمة) الرمز في ثقافة الشباب أو أن لانسهم من خلال الإنترنت في إسقاطها بخلاف الحث على تطوير الرمز و تقدم معنى التبعية الناضجة وما إلى ذلك .
فهد الحازمي علٌق:
مارس 29 th, 2010 على الساعة 1:27 ص
@ نوفة : أهلاً بك. نعم ما ذكرتيه خطر وجيه، وهي مشكلة لها سياق إعلامي أكبر ، يعني الإعلام نفسه يستطيع أن يكون الحشود حول أمور تافهة، وقد تكون في مصلحته. لكن النقطة هنا أن الكل يملك الخيار، وهذا أقل حق من حقوق الناس، وأما الممارسة فستنضج مع الوقت.
.
.
@ حسن الحازمي : أهلاً بك. حقيقة هذا الفضاء فعلاً فرصة لاكتشاف المواهب الحقيقية، ولعل هذه تندرج تحت حسناته
.
@ آلاء : نقاطك جداً رائعة وجميلة، وأشكرك عليها حقاً.
تجربة ستكون ممتعة للتدوين من خلال الآي باد | علٌق:
أبريل 2 nd, 2010 على الساعة 9:46 م
[...] [...]
من الوجود الافتراضي إلى الوجود الواقعي : تأملات | سَمْ وَن علٌق:
أبريل 5 th, 2010 على الساعة 5:39 م
[...] افتراضياً لهذا الحد ؟! وحيث يجيء هذا السؤال بعد طرح التدوينة السابقة عن “النقرة الالكترونية” وصناعة …، فقد أعدت التفكير من زوايا أخرى ، فخرجت بما هو جدير [...]
فكرة علٌق:
مايو 18 th, 2010 على الساعة 3:27 ص
“لكن ما يجب أن نقر به، هو أن العالم الافتراضي -باختلاف أشكاله ومشاربه- قد فرض حالة جديدة ومقلقة لم تأخذ حقها من الدراسة والنظر ، وذلك حين يقوم العالم الافتراضي بإسقاط صوت الرموز النخبوية، وصناعة الرموز الشعبية ورفع صوتها.
” الكثير من رموز اليوم التي تظهر كأيقونات تمثيلية لبعض التوجهات والتيارات – والتي يملك بعضها امبراطوريات الكترونية أو برامج تلفزيونية أو حضور كبير وتأثير قوي على فكر المجتمع- ، ليست سوى معرفات افتراضية بالأمس! حتى أن كثيراً منها لا يملك أي بضاعة معرفية تؤهله لهذه الرمزية حيث كان هذا الأمر شرطاً أخلاقياً للرمز/القدوة في الماضي، ولكن هذه هي القوانين الجديدة للعبة صناعة الرموز.”
هنا نقطة عميقة وخطيرة , فهناك خطر على الشعب , لأن من يقودهم هو من الشعب نفسه , وليس متقدم عليهم سوى في الوسيلة التسويقية , أي أن الأفكار انتقلت إلى مستوى سطحي وتافه وغير جوهري , حتى أصبحت تدار بعقلية عددية تسويقية سوقية . وبهذا سقط الرمز والخاصة , ومن الخطأ الفادح ترميز أحد , بل نقده نقدا ثقافيا والتساوي معه , و الاستقلال عنه , لأن عقلية السوق أنانية في أحسن أحوالها , وتصل لحد الاستغلال لغير المستقل , وكما قال تعالى : ” اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ” وما دام الخاصة مهمشن فإن الفتن وإغراءات الشهرة والحظوة هي ما تقود رموز الشعب , وليس الفكر والإصلاح والتأهل والتعب ومقاييس الخاصة , وهذه فتنة على خاصة الناس وعامتهم !