الغياب.. موتا !
الثلاثاء ، 2 مارس ، 2010
سبقته إلى حياة مقلقة. وسبقني إلى موت في سلام!
حسنا يا علي..
أعتقد بأن الوقت حان كي أخلع رداء حزني، كي أغسل وجهي من لونه الباهت.. كي أتمضمض من رائحة الكافور التي ما زالت عالقة بشفتي منذ قبلت جبينك الأسمر ونادى مؤذن الموت أن احملوه!
21 يوما من الحزن وجسد مدفون تحت التراب وروح معلقة بالسماء تنتظر أن يؤذن لها فتخلع حزنها وحدادها وبؤسها وتعود إلى الحياة. ثم ماذا.. حان الوقت كي أخونك ميتا، كما خنتك كل الحياة.
إني أكتب عن حزني كي أخلعه، الحزن نعلان والحياة مكان قذر غير أنه كتب على الطريق المؤدي “أن اخلع نعليك”.. وأولئك الذين يكتبون المراثي للتو علمت أنهم لا يكتبون من أجل من يفارقون. كلا، إنهم يكتبون لأن صدورهم لم تعد تتسع لمزيد من الحزن.. لأن ذكرى موتاهم تبقى مؤرقة حتى يبصقونها على شكل كلمات ويستريحون. وها أنا أقيم مأتما لحزني.. ليس لأجلك، إنه من أجلي أريد أن أخلع حزني فما زلت أشتهي مزيدا من الحياة! لا يوجد شيء في الحياة يليق بميت رفع سبابته قبل أن ترفع روحه وقال “لا إله إلا الله”.. يا ترى كيف تذكرت تلك الجملة ولم تفكر في رقبتك المكسورة أو قلبك الذي توقف على النبض، نحن ننساها وأجسادنا تنبض بالبقاء وأنت تذكرتها وكل خلية من جسدك تسابق الأخرى نحو الرحيل.. هل هذه هي ذاتها دعوة أمي رحمها الله وهي تعطى الأدوية المسكنة فتردد في صبر “حسن الخاتمة يا رب والثبات عند السؤال”.. بالمناسبة لقد غادرت الدنيا بعد بعشرة أيام تماما، لم نخبرها برحيلك ولكن ربما تكون فرص اللقاء تحت الأرض أكثرة وفرة مما فوقها.
هو مأتم لحزني.. وثمة أحزان أخرى ما زالت تنتظر دورها في التصفية. حزن لأن الموت يأخذ الذين نحبهم ثم يتركنا بحياة لم نعد بحاجة إليها.. وأسوأ من الموت.. حياة في انتظاره! كيف يمكن أن تطمئن لحياة كنت تنسج على هامشها وهما وحلما وأملا.. وفي لحظة لم يكن المرء فيها سوى بحاجة إلى أن يدير مقود سيارته بزاوية لا تتجاوز التسعين درجة ينتهي كل شيء. كل شيء إلا جزء من الأرض يرتفع بمقدار نصف متر ليخبر الناس أن ثمة ميت هنا فلا تشبعوه دوسا.. يكفي ما أخذه منكم في الحياة. وثياب تحمل ذكراك غسلتها أمك ذات مساء، وحين استفاقت صباحا رحل الصغار بثيابهم سوى ثوب واحد معلق يعلن أن صاحبه لم يعد بحاجة إليه.
21 يوما.. تطل فيها كل صباح، فأشعر في رغبة عارمة أن يكون آخر استيقاظ وحين أتذكر أني ما زلت أبحث عن خاتمة حسنة لم أجدها بعد أشتهي قليلا من الحياة، أستعد فيها لموت يليق بخلود هانئ. وتمتد شهوة الحياة إلى أشياء أخرى وأنسى الموت وحين أعود إلى سريري كل مساء أجدك تهمس “هل ما زلت تهم بالاستيقاظ”
إني أحسدك.. لن يفعل بك الموت أسوأ مما فعلت الحياة!
أنت تستحق شيئا أكبر من هذه الحياة.. أكبر من أحلام مقيدة على شفا قدر هو أقرب من حبل الوريد. تستحق أن تحلق بصوت تلاوتك وأنت تؤم المصلين إلى سماء أبعد من مكان يتذمر فيه المصلون من طول ترتيلك.. إنك تسرق منهم شهوة الحياة.
دعني أخونك ميتا وأختزل حزني وأبرر لضميري أنه حان وقت النسيان.. ثمة ورق يحمل شيئا من ذكراك يمكن أن يكون ذاكرة خامدة لا تتناثر فيها الأحزان. نحن نكتب لنستريح من ذاكرتنا النشطة التي تذكرنا بذاتنا المهترئة.. نودعها في مكان سحيق ثم نهرول عائدين ونحن نبرر أن قد فعلنا شيئا يشفع لنا في إخلاء طرفنا.
أتعلم.. حين كنت أكتب عن أحزان الآخرين لأثبت وجودي عبر مضغ حزنهم وشقائهم.. كنت أتخيل أني سأكتب أعظم ملحمة في التاريخ لو بكيت في ذات حزن. وفي عشرة أيام، رحلت يا رفيق الحلم البعيد، رحل أخي “علي” ولد خالي وابن عمتي.. ورحلت أمي.. ولم أجد شيئا غير دموع معلقة بين الأجفان والمحاجر ولسان باهت ووجه مصبوغ بلون غادرته الحياة. وكلماتي.. أين هي؟ لا أدري، غير أني أدرك أن الكلام ليس سوى الوسيلة الأرخص في التعبير يتاجر بها الذين يجدون في أحزانهم شيئا يعرضون ذاتهم من خلاله!
19 عاما.. هكذا دونت في التقرير الطبي، وبجانبها “وصل متوفيا”.. هل كانت كافية لأن تكون عمرا في هذه الحياة، بالنسبة لي لست أظن غير أني أدرك أنها كافية لك كي تكون مستعدا لأن تموت بسلام!
يحزنني أن كل أولئك الذين أصبحوا غيابا.. “اختاروا الوداع في صمت”.. كلهم يرحلون كما يختفي الظلام بين أستار الفجر. لا يقولون وداعا، يرحلون لا عناق ولا كلمات في الوداع. وأنت كنت كذلك.. رحلت بصمت، “انقطعت اتصالاتنا الهاتفية على غير عادة لثلاثة أسابيع” حتى كان الهاتف الأخير.. وجه أخي متجهم يحمل نبأ الوداع.. “ولد خالك علي صار عليه حادث.. وقبل أن أستوعب الجملة الأولى.. أردف قائلا “مات“
كان ذات الصوت على موعد مع الموت بعد أيام عشرة.. اتصل علي في منتصف الليل قائلا” حبينا نبلغك بأن أمك الله يرحمها”.. ولم يكن محتاجا لأن يذكر شيئا من صيغ الموت!
علي..
ربما حان الوقت لأن أجيب على رسالتها وهي تستحلفني بالله “هادي يقولون بأني علي قد مات.. بالله قل شيئا آخر”، حسنا سأقول شيئا آخر ” لقد مات.. وتركنا بحياة لا حاجة إليها”


فهد الحازمي علٌق:
مارس 3 rd, 2010 على الساعة 12:07 ص
تدوينة مؤثرة وعميقة للغاية..
أشعر بغصة الحزن في حلقي..
رحم الله أمواتنا رحمة واسعة، وألحقنا بهم هادين مهتدين لا ضالين ولا مضلين.
أنين علٌق:
مارس 3 rd, 2010 على الساعة 12:24 ص
نتذكر احزاننا حين نرى حزن الآخرين
.
تدوينه أثرت بي كثيراً وذكرتني بمن رحل
رحم الله موتانا جميعاً
واسكنهم فسيح جناته
نوفه علٌق:
مارس 3 rd, 2010 على الساعة 12:50 ص
كنت بحاجة إلى أن أبكي منذ ثلاثة أيام
و لم تفلح كل الطرق لإبكائي فقط حروفك فعلت
شكرًا من القلب لك
لا أجيد التعزية لذا جبر الله كسرك
حسن الحازمي علٌق:
مارس 3 rd, 2010 على الساعة 1:47 ص
اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم واكرم نزلهم
اللهم احسن لنا ختامنا واقبلنا في عبادك الصالحين
محمد الجابري علٌق:
مارس 3 rd, 2010 على الساعة 1:53 ص
رحم الله موتاكم ..
“وحين أتذكر أني ما زلت أبحث عن خاتمة حسنة لم أجدها بعد أشتهي قليلا من الحياة”
هذه العبارة مؤلمة جدا .. و تحكي احساسي بشكل مذهل !
خولة السيد علٌق:
مارس 3 rd, 2010 على الساعة 3:42 ص
نعم ، يرحلون بلا عناق ولا كلمات وداع ..
لكن اطمئن ..
لم يرحلوا ليلقوا أحدا غريباً
بل حلّوا ضيوفا على الجواد الذي ربّاهم بنعمه وأحاطهم في كنف عنايته منذ نعومة أظفرهم
ولهو أرحم بهم منا ..
والدنيا صبر ساعة .. ثم غدا نلقى الأحبة
تغمّدهم الله بواسع رحمته وأموات المسلمين
وأجزل لكم الأجر .
هنادي علٌق:
مارس 3 rd, 2010 على الساعة 7:12 ص
أثقلتني يا هادي.. وأثقلت صباحي..سامحك الله…
أعدت أحزاناً كنا نظن أنها دُفنت، فإذا حروفك أحيتها وكأنها البارح!
رحم الله موتانا وموتاكم .. وجمعنا بهم عند مستقر رحمته…
حسن سالم علٌق:
مارس 3 rd, 2010 على الساعة 7:15 ص
غفر الله لها ورحمها وأسكنها فسيح جناتها ،،،، ما رحلت من كانت هذه صفاتها
منال الزهراني علٌق:
مارس 3 rd, 2010 على الساعة 3:55 م
لا حول ولا قوة إلا بالله!
يا الله ما أمرّ الكلمات ، ما أمرّ حقيقة الكلمات ، ما أمرّ مجازها
ليت “الوداع” أيضاً …مجاز!
هذا الوداع ألقوه في غيابت الحزن ، يلتقطه بعض الأمل
بعضه فقط …يكفي!
هادي لا حُرمت أجر “حتى الشوكة يشاكها!”
وسعهم الله برحمته التي تسع كل شيء
حسام معافا علٌق:
مارس 4 th, 2010 على الساعة 7:29 م
انا لله وانا اليه راجعون .. كلمات مؤثره جداً ..
الله يرحمهم جميعاً يارب
سامي الزهراني علٌق:
مارس 5 th, 2010 على الساعة 1:02 ص
أسأل الله أن يرحمهم برحمتهم …
نحن حزينون لحزنك يا هادي ..
yara3 علٌق:
مارس 6 th, 2010 على الساعة 1:59 م
اعلم أني سأكون الأكثر خيانة هنا … عظم الله أجركم وجبر مصابكم
محمد الجبل علٌق:
مارس 19 th, 2010 على الساعة 10:38 م
صديقي..
لا يجدر القول أن الخاطرة رائعة.. لأن الحداد يمنع الألفاظ أن تندلق في مكان كانت تدلق عليه مرارا..
ولكني أشعر بك.. وبصمتك وحزنك.. رغم أني أبعد عنك أكثر من ألفي ميل..
one علٌق:
أبريل 27 th, 2010 على الساعة 7:45 ص
and yes ..you are right ! waiting for death is much more diffcult than the death itself !