مع جاسم سلطان ومشروع النهضة : السياسة ليست جمعية خيرية – الجزء الثاني
الإثنين ، 1 مارس ، 2010
الخريطة الجاسمية للعالم كما بدت في الدورة - (تصوير : يوسف الحمودي)
نستكمل وإياكم ما بدأناه من تلخيص لأهم محتويات الحزمة الثانية من أدوات القادة لمشروع النهضة والتي يقدمها الدكتور جاسم سلطان، وقد تحدث في هذا الجزء من الدورة عن الجغرافيا السياسية (أو جغرافية التدافع) والتي تعني بالخريطة العالمية وأبرز النظريات الغربية في التحكم فيها، كما اختتم الدورة بالحديث عن الاقتصاد الحديث مبتدئاً بالحديث عن الاقتصاد الإقطاعي القديم ثم مرحلة انتقاله إلى الاقتصاد الرأسمالي الحديث، كما تعرف بشيء من الايجاز للدورة الاقتصادية الحياتية.
لفهم هذا الجزء يجب أن تكون قد اطلعت على الجزء الأول من هذه الدورة، وإن أردت أن تعرف المزيد عن مشروع النهضة فهنا تغطية قديمة للحزمة الأولى من أدوات القادمة لمشروع النهضة.
أترككم مع التكملة..
***
ثالثاً: جغرافية التدافع
* حينما ينظر السياسي إلى خارطة العالم ، فإنه يبحث عن ما يسمى بالأمن القومي.
* هدف وجود الحكومة هو الحفاظ على الأمن القومي. وعملياً هذا يعني حفظ الأمن العسكري وحفظ الاقتصاد بحيث تستمر عملية نموه. وحفظ المنظومة القيمية بحيث لا يتم أي اختراق لها فهو لحماية الناس مما يمكن أن يخافوا منه.
* الأمن القومي: حماية الأرض والمنظومة الثقافية والاقتصادية من أي تهديد.
* حينما ينظر السياسي لخريطة العالم فإنه يرى فيه : مصادر التهديد، ومصالح لحماية الأمن والاقتصاد.
مصادر التهديد قد تكون تهديدات للأسواق، وتهديدات للطاقة، وتهديدات عسكرة، وتهديدات معرفية، وتهديدات غذائية، أو تهديدات مادية أخرى ، أو ممرات حيوية، أو موانئ ، أو أي عناصر حيوية أخرى.
وبالتالي يقرر حزمة إجراءات تجاه مصادر التهديد..
* الجغرافيا السياسية (أو الجيوبوليتك) : هو الإجابة عن سؤال كيف تتحول الجغرافيا إلى معنى سياسي..
* الآن لنتحدث عن أبرز منظري هذا العلم ولنظرياتهم تأثير كبير على السياسات العالمية.. وهم اثنان، البريطاني ماكيندر والأمريكي سبيكمان.
١- البريطاني ماكيندر :
قام ماكيندر بتسمية القارات الثلاث القديمة بالجزيرة العالمية، وكذلك سمى أواسط آسيا (منطقة التتار والمغول) بقلب العالم، وقال كذلك بأن الذي يقوم باحتلال شرق أوروبا سيحتل قلب العالم، والذي يحتل قلب العالم سيحتل الجزيرة العالمية ومن ثم يحتل العالم..
لكن يبدو أن هذه النظرية انهارت بعد ظهور الصواريخ العابرة للقارات، حيث لم تعد تفيد الجبال ولا التحصينات التي تحيط بقلب العالم (منطقة التتار والمغول)..
لكن من قبيل إنقاذ النظرية، فقد قالوا بأن قلب العالم متغير وليس ثابت، وهو عندما تجتمع مجموعة من الدول العالم على الصراع في منطقة واحدة، مثل صراع قناة السويس، وحرب الخليج، وهكذا.
٢- الأمريكي سبيكمان:
بعد الحرب العالمية الثانية جاء سبيكمان وقال، بأنه حان الأوان لأمريكا أن تعيد ترتيب العالم لمصلحتها، واقترح نظريته لهذا الأمر قائلاً:
تاريخ العالم هو صراع بين قوى البحر (أمريكا وبريطانيا ) وقوى البر (باقي الدول في القارات القديمة آسيا وإفريقيا وأوروبا) على منطقة الإرتطام crash zone ، ومنطقة الارتطام هذه، عرّفها بأنها المنطقة التي تحيط بروسيا كاملة من جميع الجهات.
وعلى ضوء هذه النظرية فقد قررت قوى البحر (أمريكا وبريطانيا) على أنه لابد من حصار روسيا (قوى البر) حتى لا تتمدد في منطقة الارتطام.
* ما أهمية منطقة الإرتطام هذه؟
كل مصادر التهديدات السابقة من تهديدات للأسواق، وتهديدات للطاقة، وتهديدات عسكرة، وتهديدات معرفية، وتهديدات غذائية، أو تهديدات مادية أخرى ، أو ممرات حيوية، أو موانئ، كلها موجودة في منطقة الإرتطام تقريباً. وبالتالي فهي منطقة حيوية.
السياسيين في أمريكا بحثوا، وماذا نحتاج لكي نعمل هذا؟ فتوصلوا إلى أنه لابد من عمل حزمة من الأشياء، أسطول بحري، قواعد برية، أحلاف دولية، تسهيلات.. وبعدها لم يلبثوا أن بدؤوا بالتنفيذ.
* أولاً قاموا باحتلال بنما وفتحوا قناة بنما (المنطقة الفاصلة بين أمريكا الشمالية والجنوبية) ونشروا ١٣ أسطول بحري حول العالم.
- ثم تم إنشاء حلف الناتو (يربط بين أمريكا وأوروبا لكسب أوروبا كحليف ضد روسيا)
- وأقاموا ما سموه بالأفرو كامب (Afro Camp) ، والسنت كامب (Central Camp)، لتكون مسؤولة عن كل من إفريقيا والشرق الأوسط.
- وأقاموا حلف جنوب شرق آسيا (نسيت اسمه)..
وكل هذا الذي أعلاه، يعني وجود 700 – 800 قاعدة عسكرية برية أمريكية حول العالم، لتكون أكبر دولة تملك أراض في دول العالم الأخرى.
* ثم قام بريجنسكي بإنشاء نظرية للعالم في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفيتي، فنص على أن أي دولة تريد أن تلعب دور إقليمي او دولي تحتاج إلى دول ارتكاز. وبناء على هذه النظرية ونظرية محاصرة قوى البر السابقة تم تجريد روسيا (الاتحاد السوفيتي) من دول الارتكاز التي كان يقوم عليها.
ومن هنا تم توسيع حلف الناتو (أمريكا وأوروبا) ليشمل دول الارتكاز التي ارتكزت عليها روسيا.
بالإضافة إلى إنشاء درع صاروخي حول روسيا لأن روسيا تملك أسلحة عابرة للقارات، وهذا الإجراء أيضاً يدخل في حصارها. لكن قبل هذه اللحظة قامت روسيا باحتلال جورجيا معلنة للدول بأنها عادت وليست نائمة. فقامت الدول الغربية بتهدئة اللعب السياسي قليلاً على أمل أن تمضي الأزمة المالية العالمية.
* هنا، طلب منا الدكتور وفي ضوء هذه النظريات، أن نحلل حرب أفغانستان في مطلع التسعينات الميلادية. وقد وقعت في الحقيقة في موقف صعب نوعاً ما، إذ تحليل الحرب بشكل موضوعي سيقضي على كم كبير من المشاعر الحماسية وتراث كبير من الأناشيد الإسلامية التي ما زلت أفضلها حتى اليوم.. وكنت أسأل متهكماً، هل انتصر المسلمين في حرب الأفغان أم انتصرت أمريكا؟
أنا لن أجيب لكم، ولكن اليوم لا أشك أن أحداً يحمل عقلاً في رأسه لا يعرف تماماً من الذي انتصر.
هنا طلب الدكتور أيضاً أن نكتب في تمرين ، من هو اللاعب الداخلي في أفغانستان؟ ومن هو اللاعب الإقليمي؟ ومن هو اللاعب الدولي. حتى ندرك تعقد الصراع حول هذه المنطقة بشكل أفضل..
* بعد ذلك تحدث الدكتور عن عناصر هامة من أشكال الصراعات العالمية :
حرب الطاقة: بسبب الحرب على الطاقة يتحول العالم إلى ثكنات عسكرية.
حرب المعرفة: وبسبب الصراع على المعرفة تنشأ الحروب بين الدول مثلاً لدينا إيران والنووي لديها والمفاوضة على تسليم كل النتائج، وكوريا الشمالية كذلك والهند والصين.
حرب الغذاء: الماء الحبوب القمح، وهو مرتبط باقتصاديات الدول الكبرى ومدمر لاقتصاديات الدول الصغرى.
* نحن الآن في عالم مرتبط بدومينو واحد، فمن يدعو مثلاً “اللهم أهلك اقتصاد أمريكا” فهو في حقيقة الأمر يدعو على نفسه، لأن الاقتصاد الحديث ليس اقتصاداً قروياً معزولاً كما في السابق، بل كله مرتبط ببعضه البعض، وأي أزمة قد تؤثر على العالم كله.
* الآن ،ماهو مفهوم دول الارتكاز الذي تحدثنا عنه في النظرية السابقة ؟
هي الدول التي لايمكن أن يُتخذ فيها قرار عالمي إلا وتستشار فيها القطر الأم.. مثلاً لدينا دولة لبنان وسوريا وأفغانستان والعراق، جميعها دول ارتكاز لدولة إيران! ولا يمكن أن يحصل فيها قرار دولي أو ما شابه إن رفضت إيران ذلك..
* وظيفة أي لاعب دولي يريد لعب دور إقليمي أو دولي، هو زيادة عدد دول الارتكاز بين يديه.
الهند والصين حالياً لا تملك دول ارتكاز لأنها تشعر بأنها في المرحلة الحالية يجب أن تنعزل عن الصراعات الدولية وتركز في التنمية الاقتصادية الداخلية أكثر، لكن سيأتي اليوم الذي يتخذون فيه دول ارتكاز عديدة.
* اللاعب السياسي، لايمكن أن يضحي بورقة إلا ويأخذ مقابلها ورقة أخرى، فالسياسة ليست جمعية خيرية.
* وماذا عنا كعالم عربي إسلامي؟
نحن في منطقة الارتطام ، ولذلك لا نملك نظرية معينة للحركة كما تملك أمريكا والدول الغربية، لذلك نكتفي برد الفعل والمشاهدة.
***
رابعاً: الاقتصاد الكبير
* حتى نفهم اقتصاد اليوم، يجب ان نعود للوراء ونفهم الاقتصاد في عصر الإقطاع (ماقبل الرأسمالي)..
* معنى الإقطاع هو أن يكون البلد مقسم إلى مجموعة من قطع الأراضي موزعة على النبلاء، وزعت عليهم الأرض ومن عليها وكل من عليها من الفلاحين ليس لهم أي حق في الأرض سوى أن النبيل يعطيهم من الطعام ما يبقيهم أحياء. فالنبيل يأخذ غلة الأراضي، والكنسية تأخذ الضرائب من الفلاحين، فالناس سموهم هنا، عبيد الأرض.
* إذن للنظام الإقطاعي ثلاث خصائص:
اليد العاملة قيمتها صفر، والأرض والثروة كلها بالإرث فقط.
* فماذا حدث إذن ليصبح بداية التحول ؟
مع نشاط الموانئ الذي صاحب حركة الكشوف الجغرافية انتقل الفلاحون للموانئ ليعملوا فيها بأجور (العامل له سعر). ومع الزمن، كوّنوا ثروات كبيرة (رأس المال بالكسب) وحدا الأمر ببعضهم إلى شراء قطع الأراضي من الإقطاعيين (الأرض بالكسب) وتحولت الأرض إلى سلعة تباع وتشترى. ومن هنا نشأت طبقة جديدة اسمها “البرجوازية” (المتوسطة) وبدأت من هنا تظهر بذور الرأسمالية الحديثة.
* هذه الفئة الجديدة لايوجد لها سياق قانوني أو مجتمعي يضمها ويكفل لها مصالحها حيث ما زال نظام الإقطاعيين سارياً، فأصبحت لهم مطالبات “No Taxation Without Representation” أي لا ضرائب دون تمثيل برلماني ومن هنا كانت نشأة مجلس العموم البريطاني، بالإضافة إلى سلسلة عديدة من النتائج المتمحورة حول حرية الممارسات الاقتصادية. ومن هنا أيضاً كانت نشأة الليبرالية تاريخياً، حيث تعني الحرية الاقتصادية.
* الآن عرفنا أنه في النظام الرأسمالي أصبحت الثروة ناتج الكسب، وليست كإرث، وكذلك تحولت الأرض إلى سلعة، واليد العاملة أصبح لها قيمة.
* الآن لنأتي إلى أبرز مفكري الرأسمالية ونستعرض أطروحاتهم بشيء من الإيجاز :
- آدم سميث (صوت الرأسمالية المتفائلة) : كتب “ثروة الأمم” وطرح في ذلك الكتاب : أن الدولة لا تتدخل في الشأن الاقتصادي، لأن السوق يعدل نفسه بنفسه.
وكان يقصد أنه مثلاً إذا قام أحد التجار بزيادة سعر أي سلعة ما بشكل مبالغ فيه، فسيغري هذا التجار الآخرين لكي يقوموا بزيادة الربح ولكن بأقل عن التاجر الأول ليزيد عليه الإقبال ويخفض التاجر الأول القيمة، وهكذا يأتي تجار آخرين بسعر أقل وتستمر العملية حتى يتعدل السعر من تلقاء نفسه..
طبعاً، حينما تركت الدولة الاقتصاد، سيطر الجشع على التجار والمستثمرين بشكل عنيف، فقلت أجور العمال، وصار الهم الأكبر هو حصد أكبر قدر ممكن من الأرباح بأقل قدر من التكاليف (حيث يعمل العمال لوقت أطول وأجر أقل وظروف عمل أسوأ).
- حتى جاء ماركس (صوت المحرومين) ، حيث نص على أن هذا النظام يجب أن يزول لأنه مدمر للإنسان، وصنع نظريته لإسقاط هذا النظام. ومن هذه اللحظة بدأت التشريعات الغربية التي تهدف لإصلاح أوضاع الإنسان عموماً..
- حتى عام 1930 حصلت النكسة الاقتصادية الكبيرة للنظام الرأسمالي (الانهيار الأمريكي) وخسر العمال وظائفهم، فجاء في هذه اللحظة كينز (صوت الرأسمالية المأزومة) لينص على نظرية معتدلة حيث يجب أن تتدخل الدولة في الاقتصاد إذا أصيب بوعكة.
* الآن لنتحدث عن جريان العملية الاقتصادية بين الشعب، والمستثمرين والحكومات، وعلاقة كل ذلك بالبنوك المحلية، وبالبنك المركزي الدولي:
- ما نحتاج لمعرفته أولاً هو أن إجمالي الناتج القومي (GNP) يتمثل بالعلاقة بين مجموع الإنتاج في البلد مع نسبة التضخم وحصة الفرد وتوزيع الثروة.

شكل يمثل أطراف العملية الاقتصادية والتفاعلات بينهم
- وأطراف العملية الاقتصادية الحديثة هم: تيار البيوت – المستثمرون – الحكومة – التجار الأجانب.
- فالأسر (الأفراد) في البداية تدخر جزء من دخلها الشهري في البنوك، وبهذا يتوفر للبنوك سيولة نقدية هائلة من المواطنين، لتقوم بدورها بدعم المستثمرين من هذه السيولة. في نفس الوقت الذي تقوم فيه الحكومة ( في الدول الصدجية
) بأخذ الضرائب من مدخرات الأسر أيضاً.
- الآن نشاهد بوضوح أن كلا من المستثمرين والحكومة يضعون أيديهم في جيب الأفراد المواطنين لتستفيد من أموالهم وذلك لأن أموال الأفراد تكون في البنوك (كسيولة نقدية) والبنك بدوره يضع أمواله في البنك المركزي الدولي.
- يقوم البنك المركزي الدولي بالتحكم بالسوق العالمي عن طريق فرض فائدة سنوية على كل البنوك المتعاملة معه (والبنوك بدورها تفرض فائدة أكبر على الأفراد والأسر لكي لا تخسر) ، يزيدها وينقصها حسب حركة السوق، فمثلاً لو كان السوق ساخناً من ناحية الاستثمارات والبيع والشراء، يقوم البنك برفع الفائدة حتى يخفض النشاط قليلاً، وفيما لو كان السوق خامداً يقوم بخفض سعر الفائدة حتى يرفع النشاط كذلك. مع الإشارة إلى أن البنك الدولي أيضاً يتحكم بالسوق عن طريق امور أخرى ليس هنا محل ذكرها..
- ما إن تحدث فجوة في الادخار (الناس تسحب فلوسها بسبب إشاعة إقتصادية مثلاً) او فجوة في الاستثمار (المستثمرين يسحبون رؤوس أموالهم بسبب حرب مثلاً أو أي ظروف أخرى) فإن الاقتصاد يتعرض لأزمة ركود (الركود : تباطؤ الاقتصاد عن النمو في إجمالي الناتج المحلي). وفي هذه الحالة تتدخل الحكومة لردم الفجوة بطرح مشاريع للسوق، فيحدث التضخم (التضخم : زيادة الأسعار وقصور الأجور (الرواتب)) .. وهكذا تتوازن العملية الاقتصادية.
***
إلى هنا تنتهي مذكرتي وملاحظاتي..
شكراً لكم جميعاً.

مركبنا علٌق:
مارس 2 nd, 2010 على الساعة 12:09 ص
شكرا اخي على مشاطرتك ايانا العلم
جزاك الله عنا كل خير
مفيده ورائعه
mahmoud nasa علٌق:
مارس 2 nd, 2010 على الساعة 12:14 ص
شكرا لك على هذه المقالة الرائعة
حسن الحازمي علٌق:
مارس 3 rd, 2010 على الساعة 3:43 م
اشكرك اخي فهد وانتظر تدوينة عن معرض الكتاب الحالي
اسامة خضري علٌق:
مارس 7 th, 2010 على الساعة 4:21 م
استمتعت و انا اقرأ هذا الموضوع الشيق .. و اطلب منك طلب و لا عليك امر ..
اذا فيه محاضرة لجاسم سلطان لاحقاً اخبرني
و جزاك الله خير