ابن بية : الفتاوى في عصرنا تشبه (ماكدونالدز) !

الخميس ، 26 نوفمبر ، 2009
الكاتب : فهد الحازمي | تحت تصنيف: متابعات

eid-mobarak

شاهدت للتو حلقة جيدة من برنامج الشريعة والحياة مع الشيخ عبد الله بن بية عن “صناعة الفتوى .. وأصولها“. وقد كتبت ملاحظات بسيطة تعتبر شبه ملخص لما ورد في الحلقة من مفاهيم بدون إيراد التطبيقات والأمثلة.

وفي الواقع أن الشيخ عبد الله بن بية حفظه الله مفكر قبل أن يكون فقيهاً وعالماً شرعياً، وهو من النوادر الذين تجد في تناولهم الشرعي عمقاً فكرياً يجبرك على احترامه والإعجاب بتناوله ، بغض النظر عن موقفك الشخصي من نتائجه. والحضور الفكري في حديثه تجده واضحاً جداً من خلال إدراكه لكثير من المستجدات الغربية المعاصرة، وكذلك فهمه لمقولات الحداثة الغربية والرأسمالية الحديثة، أضف إلى ذلك خلفيته الشرعية القوية التي تنتج لك مزيجاً فكرياً منسجماً متناغماً.

أفضل ما أعجبني في الحلقة هو حديثه عن تعقد هيكلة الفتوى من اعتبارات تتعلق بالنصوص واعتبارات تتعلق بالمقاصد واعتبارات تتعلق بتحقيق المناط، وكل من هذه الاعتبارات يتقاطع مع اعتبارات مكانية واعتبارات زمانية واعتبارات إنسانية، مما يصور لك الأمر على أن لديك أجزاء كثيرة جداً على طاولة المفتي وعلى المفتي هو تركيبها بما يتوافق مع القوالب الموجودة سلفاً (القرآن والسنة) بمفهومها الشمولي. وهذا المفهوم يجعل من صنعة الفتيا صنعة نادرة يجب ألا يقوم بها إلا من يتقنها.

وكذلك تحدث عن أن التردي ليس في وضع الفتاوى فقط بل هو خط عام للأمة في كافة المجالات ، فلا يجب أن نحمل طرفاً ولا ننظر بشكل شمولي، وكذلك أعجبني حديثه عن تأثر الفتوى بالوسائل الحديثة من إعلام وتلفاز وانترنت، حيث أشار إلى أن الفتوى في الأصل يجب ألا تتأثر لأن هذه وسائل وليست غايات، لكنه يرى أن هذه الوسائل قد أخذت حكم الغايات وبالتالي أثرت في عملية تكوين الفتوى بشكل كبير. وفي لفتة جميلة شبه الفتوى ب (ماكدونالدز) حيث تطبخ سريعاً، يعني كأنه يشير إلى أن هذا العصر له طابع الاستهلاكية التي جاوزت اعتبارات قيمية كثيرة، فأهم شيء هو الإنجاز الوقتي اللحظي. وارم بالقيمة / الأصالة في عرض الجدار.

أعتقد أن الحلقة كانت مجرد مقدمة، ولم تأخذ حقها من الوقت لكي يشرح الشيخ مفهوم صناعة الفتوى بشكل أدق وأوسع، بحيث يتضح لنا هذا الأمر كنظرية مستقلة، ولعل هذا من أحد المحفزات لكي أقتني كتابه عن صناعة الفتوى لاحقاً.

الشيخ عبد الله بن بية من الذين لن تندم أبداً على إطلاعك على انتاجهم أياً كان شكله. نسأل الله أن يبارك فيه ويكثر من أمثاله.

أترككم الآن مع التلخيص ..

- لقد سبقني ابن عتاب من علماء الأندلس حين قال : الفتيا صنعة ، وكلام ابن رشد الحفيد وغيره يحوم حول صناعة الفقه. لأنه معتبر كل مركب ، ليس بسيطاً ولا ساذج. فهو ذو أجزاء متعددة تحتاج إلى تركيب ، ثم يمكن أيضاً تفكيكها عند الإقتضاء.
- الصناعة أدق من العمل وأرسخ

كيف تقوّمون صناعة الفتوى ؟

- يحتاج إلى شيء من العناصر وشيء من الإنصاف.
- الفتوى في هذا الزمان كالزمان نفسه، فهو زمان منفلت في كل المجالات وكل الميادين. وهي ليست بريئة من هذا الانفلات في كل الميادين الحياتية..
- يمكن أن نصنف الفتوى لثلاثة أنواع :
فتوى من نوع الملابس الجاهزة ، من جاء يجدها معلقة ، كما قال ابن رشد حين سماها بالرجل الذي يبيع الأخفاف ولكنه ليس خفافاً. فتوى غاثية وجامدة، وكما قال الغرافي : الجمود على النصوص أبداً ظلال وإظلال.
فتوى منزلقة ومنفلتة وهي من نوع تحت الطلب، وتقدم الفتوى بحسب المطلوب، وهذا يقع عادة في مجالات المصارف والبنوك.
فتوى تجمع بين الثبات وبين التغير ، وهذا هو الوسطية ، لأن الفتوى لابد أن تبنى على ثلاثة عناصر : عنصر النصوص وعنصر المقاصد (المصالح والمفاسد) وعنصر الزمان (أي ملابسات وأحوال الزمان ، وأحوال الزمان هي : البعد الزماني والبعد المكاني والبعد الإنساني)
فإذا لم تأخذ الفتوى بكل هذه الأبعاد فهي عرجاء وناقصة.

أين الخلل في صناعة الفتوى ؟

- الخلل في صناعة الفتوى اليوم هو في عدم احترام المعايير، عدم احترام الدليل ، وعدم احترام التنزيل.
بحيث إذا لم نحترم الجزئيات مقابل الكليات بحيث يكون بينها تفاوض وتقابل وتكامل، فهذا خلل في صناعة الفتوى. وكذلك إذا لم نحترم تنزيل النصوص على القضايا سواء بالجهل بأحد من النصوص أو عدم معرفة تطبيقها بشكل صحيح هذا يؤدي إلى خلل في صناعة الفتوى.

أمام المد المعلوماتي الجارف، هل يمكن الحديث عن ضوابط لصناعة الفتوى ؟

من الصعب جداً ضبطها إلا إذا ضبطنا المنهجية.
وهذه المنهجية تبدأ من أصول الفتوى (الكتاب والسنة وما يستنبط منهما حسب عبارة الشافعي)
لكن ماهي جوانب وآفاق الاستنباط ؟ الغزالي يجيب : صيغتهما منظومهما فحواهما مفهمومها معناهما معقولهما
ويجيب على هذا بدقة الإمام الشاطبي، حيث يقول : الإجتهاد إذا كان في دلالات الألفاظ فإنه يحتاج إلى علوم اللغة العربية، وإذا كان في المصالح والمفاسد فإنه يُرجع إلى المقاصد ، أما تنزيلها على الواقع فإن هذا من باب تحقيق المناط وهو يحتاج إلى اجتهاد ثان.
الاجتهاد قد يقوم به الطبيب ، وقد يقوم به الصانع، أو أي إنسان يحقق المناط.

فبدون هذ المركب لا يمكن ان تكون الفتوى سليمة من كل وجه ، خصوصا إن كانت قضايا معقدة.

هل يعي مفتي اليوم تشعبات الحياة ، ويستطيع الإجابة عن إشكالاتها ؟

بعض المفتين قد لا يعي تماماً الوضع الحالي للعالم، الذي أصبح قرية صغيرة، وأصبحت كل المنتجات التي يصدرها الآخر إليك، ليست سلع فحسب، بل مع نظمها ومع قوانينها التي تحكمها.

وبالتالي قد يكون العالم أو الفقيه عاجز عن استيعاب هذا فيجيب بما سنح له. والحق أن عندنا في مجالات متعددة ظهر بعض الفقهاء وبخاصة في المجال المصرفي، هؤلاء أحسنوا صنعاً بإنشاء الكثير من المعاملات التي قدموها، ولكنهم أساؤوا صنعاً باختراع معاملات تخرج النظام الإسلامي عن خصائصه، فهناك شطط وعلينا أن نقف في الوسط.

ماذا يفعل المسلم العادي أمام سيولة الفتوى ؟

المسلم عليه أن يقلد العالم الذي يرى أنه أهل للتقليد. لأن الفتوى هي تبيين حكم شرعي عن دليل لمسألة ما. فإن كان المسلم لا يثق بالمفتي فعليه أن يسأل عن الدليل.
فلو تعلم الناس وكان لهم ثقافة لتعرفوا على العالم الذي يمكن أن يسألوه ولتجنبوا الدجاجلة إن كان هناك كذلك.
علينا إبراز شخصيات من أهلم العلم نطلب من الناس أن يرجعوا إليها ويستفتوها كما كان في الزمن الأول ، حيث الفقهاء الأربعة أبرزهم الناس ، وليس من الحكومات، حيث شهد لهم الناس بالعلم.

هل أثرت الوسائل الجديدة من إعلام وفضائيات وإنترنت في صناعة الفتوى ؟

المفروض ألاتؤثر لأنها وسائل، لكنها في الحقيقة أثرت. فالوسائل أصبحت كأنها أهداف. فالناس يريدون طبخا سريعا (ماكدونالدز) عن طريق هذه الفتاوى. والتي تكون أحيانا من أجل معارضة شخص ما ، بحيث يفتي احدهم في الانترنت ثم يعتبر ان الكذبة ان انتشرت وكبرت اصبحت اقرب للحق..
لكن الحل هو في تعليم الناس وتثقيفهم..

- بعض الفتاوى كانت تاريخاً، أي أنها كانت مواقف أثرت في التاريخ كما حصل مع الإمام أحمد وفتنة خلق القرآن. وهناك فتاوى كانت تعكس تاريخاً، أي أنها كانت مرآة للتاريخ،

- الجرأة في الفتيا، نوع من عدم الورع ، لذلك أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار. والإمام مالك كان شديد الحرج في هذا، وأبو حنيفة كانت يناقش تلاميذه وكانوا في النهاية ينتهون إلى نتيجة مشتركة. فهي شأن خطير

.

* كتاب الكتروني للشيخ عبد الله بن بية بعنوان “صناعة الفتوى وفقه الأقليات” مأخوذ من موقعه.

* قناة الشيخ ابن بية على اليوتيوب

* مصدر الصورة

مواضيع ذات علاقة:

عدد التعليقات : 3 في “ابن بية : الفتاوى في عصرنا تشبه (ماكدونالدز) !”

  1. نوفه علٌق:

    نوفمبر 26 th, 2009 على الساعة 5:50 ص

    من يعي أن جرأته على الفتيا إنما هو طريق للنار كل شخص تجد فتواه في جيبه و ما أكثر هؤلاء العامة

    أعجبني كثيراً ما قاله عن أصناف الفتوى مؤلم حقيقة أن ينسى بعض المفتين ان لم يكن غالبهم

    أن الدين يسر و ليس بعسر

    شكراً جزيلاً لك

  2. فهد الحازمي علٌق:

    نوفمبر 26 th, 2009 على الساعة 6:00 ص

    @ نوفة : فعلاً، الملهيات في هذا الزمن كثيرة ولا يسلم منها أحد بما فيهم المفتين .
    لكن نسأل الله السلامة والعافية والفهم وحسن العمل…

  3. يحيى ..! علٌق:

    نوفمبر 29 th, 2009 على الساعة 3:54 ص

    وكما أشرتَ في مقالك .. حتى وإن كنت لا تتفق أحياناً مع نتاجه لتعارضٍ ربما مع ما تؤمن به ، فإنك لا تجد بداً من أن تواصل الاستماع إلى كلامه كامل الدسم !

    سلمتَ

وأنت... ما رأيك ؟

Click to Insert Smiley

SmileBig SmileGrinLaughFrownBig FrownCryNeutralWinkKissRazzChicCoolAngryReally AngryConfusedQuestionThinkingPainShockYesNoLOLSillyBeautyLashesCuteShyBlushKissedIn LoveDroolGiggleSnickerHeh!SmirkWiltWeepIDKStruggleSide FrownDazedHypnotizedSweatEek!Roll EyesSarcasmDisdainSmugMoney MouthFoot in MouthShut MouthQuietShameBeat UpMeanEvil GrinGrit TeethShoutPissed OffReally PissedMad RazzDrunken RazzSickYawnSleepyDanceClapJumpHandshakeHigh FiveHug LeftHug RightKiss BlowKissingByeGo AwayCall MeOn the PhoneSecretMeetingWavingStopTime OutTalk to the HandLoserLyingDOH!Fingers CrossedWaitingSuspenseTremblePrayWorshipStarvingEatVictoryCurseAlienAngelClownCowboyCyclopsDevilDoctorFemale FighterMale FighterMohawkMusicNerdPartyPirateSkywalkerSnowmanSoldierVampireZombie KillerGhostSkeletonBunnyCatCat 2ChickChickenChicken 2CowCow 2DogDog 2DuckGoatHippoKoalaLionMonkeyMonkey 2MousePandaPigPig 2SheepSheep 2ReindeerSnailTigerTurtleBeerDrinkLiquorCoffeeCakePizzaWatermelonBowlPlateCanFemaleMaleHeartBroken HeartRoseDead RosePeaceYin YangUS FlagMoonStarSunCloudyRainThunderUmbrellaRainbowMusic NoteAirplaneCarIslandAnnouncebrbMailCellPhoneCameraFilmTVClockLampSearchCoinsComputerConsolePresentSoccerCloverPumpkinBombHammerKnifeHandcuffsPillPoopCigarette