فانكوفر 5 – الصــــــــــــــــــــــدمة

السبت ، 18 يوليو ، 2009
الكاتب : فهد الحازمي | تحت تصنيف: سفر ورحلات،عام

ليس معنى استقرار أموري في فانكوفر مالياً وجسدياً في بداية تواجدي استقراراً داخلياً معنوياً، بل على العكس فقد واجهت نوعاً من الصدمة (بل هي أنواع من الصدمات) بما فيها فكرية وبصرية ونفسية وعاطفية وغيرها.

وأعتقد أن هذا يجب أن يكون طبيعياً ، وفي الجهة الأخرى فصدمة الأجيال الحالية ليست بحدة صدمة الأجيال القديمة (أقصد البعثات القديمة في السبعينات والثمانينات) ، فأنا قبل وصولي إلى فانكوفر لم أخرج من كوخ في وسط الغابة، بل خرجت من بيئة فيها انترنت و وسائط حديثة تجعلني على اطلاع بما يحصل في هذه البلاد الغربية، ومنها فقد وصلت وأنا شبه متهيئ لما أراه أو على الأقل أملك صورة مسبقة، أما صدمة البعثات القديمة فقد كانت بحق صدمة لا تقدر بثمن، حيث يخرج أحدهم من أشبه بالكوخ الصغير في وسط الغابة لا تواصل ولا اتصال إلى وسط مدينة غربية، ويعيش فترات طويلة بدون اتصال بأهله ولا حديث معهم ليل نهار عبر الماسنجر والجوال ، فهو يحصل على ثمن الاتصال الشهري بالكاد.

ولهذا نجد أن مخرجات البعثات القديمة في مجملها هي ربما أفضل من مخرجات البعثات الجديدة، فالمبتعثون القدماء كانوا يشعرون بهم المسؤولية والتحدي الذي على عاتقهم، فهم سيعودون للوطن وبانتظارهم عوائلهم وأصدقائهم ومجتمعهم بكامله، ولذلك نجد أن مثل محمد الرشيد -وزير التربية والتعليم السابق- يصرح في أكثر من مرة بأنه قد حمل برميل الماء وعمل منظف سيارات في فترة بعثته. وغيره عملوا في المطاعم. لكي يوفروا المال.

أما اليوم فقد كانت من أبرز ملامح صدمتي هو حال الطلاب السعوديين المبتعثين (من غير أن أعمم فهناك بعض النماذج الرائعة بدون شك) ، لكن دعوني أرجئ الحديث عنهم إلى وقت لاحق.

صدمتي الأولى داخل فانكوفر كانت أشبه بالفكرية ، حيث شعرت فجأة بأني أملك قراري كاملاً بدون تدخل ولا وصاية، ولم أعد أخاف من الرقيب الذي يتخفى خلف الجدار لكي يخبر الناس بما أفعل، لم أعد أخاف من أصدقائي الذين ستتغير نظرتهم لي إن عملت كذا، لم أعد أخشى من أقربائي الذي سوف ينهالون عليّ لوماً وتقريعاً إن عملت كذا، لم أعد أضع في حساباتي قبل القدوم على أي عمل أي بند سوى الله سبحانه وتعالى الذي يعلم النيات. وهذا في الحقيقة شعور رائع جداً، حيث يمنحك مجالاً واسعاً للانطلاق والتجربة بثقة نفس وبدون خوف، كم من القادة والنشطاء الاجتماعيين عندنا يخشون من طرح فكرة معينة “مجرد طرح” لأنها سوف تعرضهم للتشكيك! وكم من المبادرات الإيجابية والناجحة التي قتلت في مهدها بسبب هؤلاء “الناس” وموقف “الناس” وكلام “الناس” وردة فعل “الناس” وخرابيط “الناس” ، وكأن “الناس” هو الذي يقود المفكرين وقواد الرأي ويقيّد حركاتهم. وليس العكس. وقد سبق وأن تحدثت في المدونة عن سلطة النسق وسلطان الجماهير في أثناء تحليلي للصراع الثقافي في فترة البعثة النبوية الشريفة.

حينما يحين موعد الصلاة، فلا أجد ضاغطاً من خلفي يدفعني للوضوء ثم طرح السجادة والصلاة ، كل ذلك يتم بكامل إرادتي وكامل تفكيري وكامل قوتي، لست بحاجة لمن ينادي في المايكروفون أو يؤذن في المسجد أو يصيح في وجهي اذهب للصلاة. لا يوجد رقيب ولا حسيب من حولي، وهذه -ورب الكعبة- نعمة لا يدركها إلا من ذاقها.

أما الصدمة العاطفية فهي أني اكتشفت أني إنسان جامد عاطفياً لحد لم أتوقعه أبداً، فالمناظر (البشرية) الجميلة لا تحركني بالقدر الكافي مع الاعتبار بأني آت من منطقة لا يرى فيها الإنسان من النساء إلا محارمه وباعتباري إنسان شبه مقبل على أولى خطوات الزواج. وهذا جعلني أراجع نفسي وأتأمل في هذه العقلانية المتطرفة التي لا تتيح لي الاستمتاع بالمناظر كما ينبغي فكل منظر أشاهده أفكر فيه بشكل منطقي . لكني أبشركم بأنني لم أفقد الأمل، ففي بعض الأحيان أُشده لجمالٍ لم يُمنح لكائن بشري في الأرض، مع الموازنة بين مبدأ غض البصر وفسحة النظرة الأولى.

ولعل هذه العقلانية في التعامل مع العاطفة من آثار الجفاف العاطفي الذي أعيشه فأنا لست أديباً يحيي مشاعره بالكلام والتأمل، بل كاتب يأكل عواطفه بالتفكير اليومي ، وقد بدأت معي مرحلة الجفاف العاطفي في بداية الفترة الجامعية، حاولت استدراك بعض ما تبقى بفتح مدونة خاصة قبل أشهر أكتب فيها بعض الخواطر العاطفية التي أمر بها وقراءة بعض الروايات العاطفية وكذلك مشاهدة بعض الأفلام العاطفية، لعل الأدب يعيد إليّ ما تآكل بفعل الفكر. ولعلي أسهب الحديث حول فضل الأدباء على المفكرين في تدوينة لاحقة.

الصدمة العاطفية لم تكن بتلك الحدة في مجملها ، فقد واجهتني صدمة هي أعتى الصدمات في شخصيتي وفي تفكيري وفي ممارسة حياتي اليومية، وهي صدمة “المدنية”.

حيث نكمل الحديث عن صدمة المدنية (النظام والمساواة بين جميع طوائف المجتمع ووو..) في الحلقة القادمة، لكن قبل أن أختم كنت قد وعدت في الحلقة السابقة بتزويدكم بالصور ، وها أنا قد انتهيت من رفع الصور على موقعي في بيكاسا متمنياً لكم مشاهدة ممتعة.

أراكم لاحقاً.

مواضيع ذات علاقة:

إقرأ المزيد عن: ,

عدد التعليقات : 11 في “فانكوفر 5 – الصــــــــــــــــــــــدمة”

  1. Ahmad Alharthi علٌق:

    يوليو 18 th, 2009 على الساعة 10:05 ص

    بالفعل، كأنك تصف ما مررت به، صدمتي لم تكن حضارية كما يقال، بل صُدمت في من يحملون مثل هويتي، و أنا استنكر عليهم تصرفاتهم التي كنت أراها، فما بالك بمن هم من مجتمعات أخرى مسلمة !

    تجربة أتمنى أن أكررها مرة أخرى، بإذن الله بعد إنتهائي من الجامعة = )

    اتمنى لك وافر الحظ و الإستمتاع في كل ثانية، ترجع لنا بالسلامة إن شاء الله، و الله يقدم لك مافيه الخير

  2. مشاري علٌق:

    يوليو 18 th, 2009 على الساعة 10:06 ص

    زمان و أنا أقول لك عن الصدمة العاطفية يا فهد Smile

  3. عونيــ علٌق:

    يوليو 18 th, 2009 على الساعة 12:59 م

    متابع و سعيد بما أقرأ ..

  4. رغد علٌق:

    يوليو 18 th, 2009 على الساعة 1:23 م

    الحمدلله ، معنى هذا إن فيك رجاء يا أخي : ) ، ولما تدرب نفسك على تأمل ليس فقط مشاهدة المناظر “البشرية” الجميلة ، ستجد نفسك يوماً ما شاعر من الدرجة الأولى ، وقد تأتي العاطفة مرة واحدة ناضجة ومتزنة
    بالتوفيق في حلك وترحالك

  5. خالد الحازمي علٌق:

    يوليو 18 th, 2009 على الساعة 5:07 م

    أسمع كثيراً عن حال أكثر الطلاب المبتعثين بأنه حال يرثى له ، حيث سهرات وإستراحات ، لا جد ولا إجتهاد ..

    ليرجع الطالب لوطنه وقد أضاع عمره في ما لا يرضي الله ,, لكن يظل منهم كوكبة حريصة ومجتهدة ,,

  6. عابد الحازمي علٌق:

    يوليو 18 th, 2009 على الساعة 9:58 م

    أخي م.فهد

    هنيئا لك انبعاث الذات مجددا واستيقاظ الضمير للمراقبة الالهية ا
    ل

    تي قطعا لاتنقطع
    قد لا أتفق معك بخصوص المبتعثين في الزمن الغابر لأننا لمسنا جهلهم حين أقبلنا عليهم طلابا بالجامعات “من غير تعميم”, فليتهم أقبلوا على الحياة ليرجعوا ولو بتجاربها أو كما سميتها بصدماتها ولكن ثمة جهل أطبق عليهم الدنيا والآخرة كانت “الأكواخ” على حد قولك وأضيف عليها الأكواخ الفكرية والدينية والإجتماعية سببا عميقا فيما وصولوا إليه من جهل حال ذهابهم وإيابهم

    أمنياتي لك بانفراج عاطفي يملؤه يقين بضرورة مخالطة الذكر للأنثى في أي مجتمع يفترض به أن يكون سويا للوصول للتوازن الإجتماعي والعاطفي ليس لديك فحسب بل لدى كافة أفراد مجتمعنا الذين قتلتهم نظرة العمد تحت مصوغات مختلفة تبدأ بالفجاءة لدى المتزمتين”المحافظين” وتنتهي بالنظر لمعالم الجمال تحت لواء المنشلخين “المنفتحين” ليبدواء حياة سلم مع الذات معنونة بالإختيار المبني على تجارب مع الأنثى في أطر مقبولة شرعيا واجتماعيا ومختومة بمعاني حب يجهلها مثلي للوصف والإيضاح

  7. فهد الحازمي علٌق:

    يوليو 19 th, 2009 على الساعة 10:50 م

    @ أحمد الحارثي : أهلاً بك ، وأنا أؤكد على عدم التعميم حتى يفهم الكلام من قبل البعض بشكل قاصر. وأشكرك على مرورك الرائع.
    بس مادري… هل كنت تقصد أنك أتيت فانكوفر أم ذهبت مكان آخر ؟

    @ مشاري : خلي الكلام هذا لما أقابلك، والله التحشيش قدام الناس حيطلع الفضايح.

    @ عونيـ : وأنا أسعد بذلك وأقدر ذلك كثيراً. شكراً لك

    @ رغد : أيه اكيد، لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. وبالنسبة للتأمل في الطبيعة البشرية فهي يا أختي سلاح ذو حدود كثيرة Smile واللبيب بالإشارة…
    شكراً لك كثيراً

    @ خالد الحازمي : أكيد فيهم فئة طيبة حريصة ومشرفة ونحن لا نعمم، لكن هالزمان صارت البعثات سهلة لكل من هب ودب حتى ولو كان مستواه أقل من البعثة. نسأل الله أن يصلح الأحوال

    @ عابد الحازمي : أهلاً بك شاعرنا الكريم وأشكرك على هذه التحفة العظيمة.
    في الحقيقة أنا لست على اطلاع كافي بمخرجات الدفعتين، حديثي كان نظرياً مبني على أسباب نظرية، لذلك قد يكون كلامك هو الصواب بناء على مخالطتك لعينات من البعثات القديمة. لكني أدعوك لأن تخالط عينة من البعثات الجديدة حتى تكتمل النظرة.
    وبالنسبة لحديثك عن العلاقة بين الذكر والأنثى فأنا أوافقك فيه بدون شك. ولكن يجب علينا أن ندرك بداية طريق العلاج.
    كتبت عن مفهوم الحب في تدوينة سابقة، وسأكتب عن مواضيع مرتبطة في ذات الفلك في قادم الأيام إن شاء الله سعياً لتصحيح مفاهيم علاقة الذكر بالأنثى.
    تحياتي الحارة لك.

  8. حسن الحازمي علٌق:

    يوليو 20 th, 2009 على الساعة 2:41 ص

    ننتظر اطلالاتك القادمة

  9. نوفه علٌق:

    يوليو 20 th, 2009 على الساعة 10:41 م

    لاحظت عليك خلوك من العواطف كونك تميل للتفكير دائماً و أراك حقاً مفكر

    و لكن جميل أنك تختبر القليل من العاطفه فأغلب المفكرين بسبب قراءاتهم و غلبة الأسلوب التفكيري

    عليهم تختفي العاطفة لديهم و هذا شيء ليس بصالحهم بالطبع

    قليلة الصور نطمع بالمزيد ؛)

  10. فهد الحازمي علٌق:

    يوليو 22 nd, 2009 على الساعة 5:41 ص

    @ حسن الحازمي : شكراً لك على المتابعة

    @ نوفه : والله يا أختي العواطف مكتومة على وشك الانفجار. وحينها أدعي لنفسك بألا تصابي بالصمم!
    Smile

  11. الاحمدي علٌق:

    يونيو 7 th, 2010 على الساعة 10:06 م

    جداً رائع واتمنا لك التوفيق

وأنت... ما رأيك ؟

Click to Insert Smiley

SmileBig SmileGrinLaughFrownBig FrownCryNeutralWinkKissRazzChicCoolAngryReally AngryConfusedQuestionThinkingPainShockYesNoLOLSillyBeautyLashesCuteShyBlushKissedIn LoveDroolGiggleSnickerHeh!SmirkWiltWeepIDKStruggleSide FrownDazedHypnotizedSweatEek!Roll EyesSarcasmDisdainSmugMoney MouthFoot in MouthShut MouthQuietShameBeat UpMeanEvil GrinGrit TeethShoutPissed OffReally PissedMad RazzDrunken RazzSickYawnSleepyDanceClapJumpHandshakeHigh FiveHug LeftHug RightKiss BlowKissingByeGo AwayCall MeOn the PhoneSecretMeetingWavingStopTime OutTalk to the HandLoserLyingDOH!Fingers CrossedWaitingSuspenseTremblePrayWorshipStarvingEatVictoryCurseAlienAngelClownCowboyCyclopsDevilDoctorFemale FighterMale FighterMohawkMusicNerdPartyPirateSkywalkerSnowmanSoldierVampireZombie KillerGhostSkeletonBunnyCatCat 2ChickChickenChicken 2CowCow 2DogDog 2DuckGoatHippoKoalaLionMonkeyMonkey 2MousePandaPigPig 2SheepSheep 2ReindeerSnailTigerTurtleBeerDrinkLiquorCoffeeCakePizzaWatermelonBowlPlateCanFemaleMaleHeartBroken HeartRoseDead RosePeaceYin YangUS FlagMoonStarSunCloudyRainThunderUmbrellaRainbowMusic NoteAirplaneCarIslandAnnouncebrbMailCellPhoneCameraFilmTVClockLampSearchCoinsComputerConsolePresentSoccerCloverPumpkinBombHammerKnifeHandcuffsPillPoopCigarette