مع إدوارد سعيد وصور المثقف 4 – المنفى الفكري: مغتربون وهامشيون

الجمعة ، 19 يونيو ، 2009
الكاتب : فهد الحازمي | تحت تصنيف: ثقافة ومجتمع، كتب واقتباسات

- المنفي يعيش في حالة وسيطة، لا ينسجم تماماً مع المحيط الجديد ولا يتخلص كلياً من عبء البيئة الماضية، تضايقه أنصاف التدخلات وأنصاف الانفصالات.

- المثقف المنفي الذي يعتبر نفسه جزءً من وضع أكثر عمومية، مؤثر على الجماعة القومية المشردة، سوف يكون على الأرجح مصدراً لا للتثاقف والتوافق، بل للتقلب وأللااستقرار.

- حتى المثقفون المنتسبون مدى الحياة إلى مجتمع ما، يمكن تقسيمهم إلى مندمجين وغير مندمجين : أولئك الذين ينتمون كلياً إلى المجتمع كماهو ويزدهرون فيه دون أي شعور غامر بالتنافر أو الانشقاق، أولئك الذين من الممكن تسميتهم ب”الإمعيين” من جهة. ومن الجهة الأخرى: القائلين لا ، هؤلاء الأفراد الذين على نزاع مع مجتمعهم ولذا فهم غير منتمين ومنفيون فيما يختص بالامتيازات ، والسلطة ، ومظاهر الحفاوة ، والتكريم.

- وخير ما يمثل النمط الذي يحدد المسار للمثقف كغير منتم هو وضع المنفى ، تلك الحالة من أللاتكيف أبداً على نحو تام، والشعور دائماً أنك خارج العالم المألوف المهذار الذي يقطنه سكان أصليون ، إذا صح التعبير، والميل إلى أن تتجنب زين التأقلم والرفاهية القومية أو حتى أن تكون كارهاً لها.

- والمنفى للمثقف هو التململ ، والتحرك، ويقوم معناه على الدوام قلقاً ومقلقاً للآخرين. فأنت لا تستطيع العودة إلى وضع ما سابق وربما أكثر استقراراً كنت تشعر فيه وكأنك في بيتك؛ ولا يمكنك أبداً أن تنجح تماماً، وتنسجم مع مقرك أو وضعك الجديد.

- يميل المثقف كمنفي إلى الاستسعاد بفكرة البؤس، بحيث أن الاستياء الذي يكاد يكون نقمة وهو ذاك النوع من سوء الطبع على نحو فظ ، يمكن أن يتحول، لا إلى أسلوب تفكير فحسب، بل وأيضاً إلى سكنى جديدة.

- ونستخلص من ذلك أن عيش حياة ما وفقاً لمعايير مختلفة يتسبب للمثقف في ألا تكون عنده سيرة تستحق الذكر ، ولا يكون له إلا ما يشبه مفعول الإخلال بالتوازن ، يحدث صدمات زلزالية ، ويرج الناس رجاً ، لكن من غير الممكن فهمه اعتماداً على خلفيته أو أصدقائه مهما كانت الحجج.

- وبينما يصح القول إن المنفى هو الوضع الذي يميز المثقف كإنسان يقف كرمز هامشي بعيداً عن متع الامتيازات والقوة والشعور بالبيتوتية، فإن من الأهمية بمكان التشديد على أن ذلك الوضع نفسه يحمل في طياته مكافآت معينة ، بل حتى امتيازات. ففي حين أنك لا تكسب جوائز ولا يرحب بك في كل تلك المجالس الرفعية المقام،  المهنئة نفسها بتباه، التي تستثني روتينياً مثيري المتاعب المحرجين ، غير الممتثلين ، فإنك تستمد في الوقت ذاته بعض الأمور الإيجابية من المنفى والهامشية. أحد هذه الأمور، بالطبع ، هي بهجة الإصابة بالدهشة ومتعة عدم التسليم جدلاً بأي شيء ولذة التعلم أن تفلح في تدبير أمرك في ظروف أللا استقرار المتزعزع التي من شأنها إرباك معظم الناس وتخويفهم.

- عندما تترك موطنك لن تتمكن ببساطة أينما حللت من أن تستأنف حياتك وتصبح مجرد مواطن آخر في المنفى الجديد . وإذا أصبحت هكذا فإن الجهد المبذول يشتمل على قدر كبير من الإحراج الذي نادراً ما يستحقه هذا العناء.

- المنفى معناه أن تظل على الدوام هامشياً ، وأن ما تفعله كمفكر يجب أن يُخلق ، لأنك لا تستطيع سلوك سبيل قُضي به. وإذا تمكنت من اختبار ذاك المصير ، لا كحرمان ولا كأمر يُتفجّع عليه، بل كضرب من ضروب التحرر ، وعملية استكشاف تنفذ فيها الأمور وفقا لنمطك الخاص بك ، فيما تستحوذ على انتباهك اهتمامات مختلفة ، وحسبما يقتضي الهدف المعين الذي حددته بنفسك : فتلك ، لعمري ، متعة فريدة

- فالمنفى هو النموذج الذي ينبغي للمثقف أن يضعه نصب عينيه عندما تغويه ، بل وتغدَق عليه وتغمره،  مكافآت التكيف ، والإمعية والركون. وحتى إن لم يكن المرء من المهاجرين أو المغتربين الفعليين، يبقى في إمكانه أن يفكر كما يفكر الواحد منهم ، وأن يتخيل برغم الحواجز ، وأن يبتعد دوماً عن السلطات المركزة قاصداً الهوامش ، حيث ترى أموراً لا تقدرها حق قدرها عادة عقول لم تسافر أبداً إلى أبعد من المتعارف والمريح.

نستكمل وإياكم الاقتباسات الممتعة التي نأخذها من كتاب “صور المثقف” للمفكر إدوارد سعيد ، حيث قد عرضنا ضمن أجزاء السلسلة جزء تمهيدي تعريفي بإدوارد سعيد ، ثم بدأنا باقتباسات من مقدمة الكتاب وأتبعناها بالفصل الأول تحت عنوان “صور المثقف” ثم الفصل الثاني عن “القضاء على هيمنة الأمم والتقاليد” وها نحن اليوم مع أمتع فصول الكتاب -على الأقل بالنسبة لي- وهو بعنوان “المنفى الفكري: مغتربون وهامشيون” حيث يشرح في هذا الفصل دلالة المنفى بالنسبة للمثقف ، وكيف يستغل المثقف المنفى لكي يجعل منه نقطة إنطلاقة وتحرر. وكذلك يتعرض لمفهوم النفي المجازي (التهميش) ويرى أنه مركز قوة بالنسبة للمثقف ، ويتحدث عن “مسرات المنفى” التي تجعل من المثقف الحقيقي هامشيا وبعيداً عن التكريم والحفاوة والحفلات لأنه مصدر قلق وإزعاج ، لكنه يشرح الجوانب الرائعة التي يوفرها هذا المناخ. أتمنى أن تقضوا وقتاً ممتعاً مع هذا الفصل.

قراءة طيبة.

الفصل الثالث

المنفى الفكري: مغتربون وهامشيون

المنفى هو أحد أكثر الأقدار مدعاة للكآبة. وفي أزمنة ما قبل العصر الحديث كان الإبعاد عقاباً مرعباً بصفة خاصة ، لأنه لم يكن يعني أعواماً يعيشها الإنسان تائهاً بدون هدف، بعيداً عن الأسرة وعن الأماكن المألوفة ، بل يعني أيضاً أن يكون أشبه بمنبوذ دائم ، لا يشعر أبداً كأنه بين أهله وخلانه، لا يتفق البتة مع محيطه ، لا يتعزى عن الماضي ، لا يذيقه الحاضر والمستقبل إلا طعم المرارة.

**

وفي خلال القرن العشرين ، تحول النفي من عقاب حاد ، وأحياناً حصري ، لأفراد ذوي صفة خاصة – … – إلى عقاب شرس لمجموعات وشعوب بأسرها ، كثيراً ما يكون لنتيجة غير متعمدة لعوامل غير ذاتية مثل الحرب ، والمجاعة ، والمرض.

**

ثمة افتراض رائج ، لكنه مخطئ كلياً ، وهو أنك كونك منفياً معناه أن تكون معزولاً تماماً عن موطنك الأصلي ، منقطع الاتصال به ، مفرقاً بينك وبينه على نحو ميئوس منه. ألا ليت هذا الانفصال الكامل القاطع صحيح ، لأنك ستجد عندئذ العزاء في معرفة أن ما تركته وراءك هو ، إلى حد ما ، شأن لا مجال للتفكير فيه وغير قابل بتاتاً للتغيير. وحقيقة الأمر أن الصعوبة بالنسبة إلى معظم المنفيين تكمن لا في مجرد الاضطرار إلى العيش بعيداً عن الأوطان ، إنما ، إذا أخذ عالم اليوم بالاعتبار ، في تحمل العيش مع الأمور العديدة التي تذكرك بأنك في المنفى، وبأن موطنك بالفعل ليس بعيداً جداً، وبأن الحركة العادية للحياة اليومية العصرية تبقيك على اتصال متواصل بالمواطن السابق، لكنه معذب لصعوبة بلوغه ولا يُنجز. وبالتالي، فإن المنفي يعيش في حالة وسيطة، لا ينسجم تماماً مع المحيط الجديد ولا يتخلص كلياً من عبء البيئة الماضية، تضايقه أنصاف التدخلات وأنصاف الانفصالات، وهو نوستلجي عاطفي من ناحية ، ومقلد حاذق أو منبوذ لا يعلم به أحد، من ناحية أخرى. وتصبح مهارة البقاء الإلزام الرئيسي ، ومعها يشكل خطر التنعم كثيراً بالرخاء والطمأنينة تهديداً يتوجب الاحتراس منه على الدوام.

**

ويتعلق الجانب الأكبر من اهتمامي هنا بالمنفيين أللا مستوعبين في معظمهم، مثل الفلسطينيين أو المهاجرين المسلمين الجدد في القارة الأوروبية ، أو السود من جزر الهند الغربية وأفريقيا المقيمين في انجلترا، الذين يعقد وجودهم التجانس التكويني المفترض للمجتمعات الجديدة حيث يعيشون . وبناء على ذلك فالمثقف الذي يعتبر نفسه جزءً من وضع أكثر عمومية ، مؤثر على الجماعة القومية المشردة، سوف يكون على الأرجح مصدراً لا للتثاقف والتوافق، بل للتقلب وأللااستقرار .

**

ولا يعني هذا القول إطلاقاً أن المنفي لا يخلق المعجزات في حالات التكيف. فالولايات المتحدة اليوم هي في وضع غير مألوف من حيث أن عندها مسؤوليْن رفيعيْن سابقين في عهود رئاسية حديثة العهد هنري كيسنجر و زبغنيو بريجنسكي – كانا (أو ما زالا ، حسب نظرة المراقب) مفكرين في المنفى ، كيسنجر من ألمانيا النازية، وبريجينسكي من بولندا الشيوعية. أضف إلى ذلك أن كيسنجر يهودي مما يمنحه ذلك الوضع الشاذ فوق العادة الذي يؤهله أيضاً للهجرة الممكنة إلى إسرائيل بموجب قانون العودة الأساسي المعتمد فيها، ومع ذلك فإن كلا “المسؤوليْن” يبدوان، ظاهرياً على الاقل، أنهما تبرعا بمواهبهما كلياً للبلد الذي اختاراه وطناً لهما، محقيين بذلك نتائج في الرفعة والمكافآت المادية والنفوذ القومي إن لم نقل العالمي النطاق، تخطت بأدهر تلك الظلمة الهامشية التي يقبع فيها مفكرو المنفى من العالم الثالث ، المقيمون في أوروبا أو الولايات المتحدة. واليوم بعد أن خدم هذان المثقفان البارزان بضعة عقود في الحكومة، أصبحا مستشارين لمؤسسات كبرى وحكومات أخرى.

**

أما هنا، فأود التركيز على المثقف الذي بسبب المنفى لا يستطيع -أو بتحديد أكثر- لا يريد التأقلم ، مفضلاً عليه البقاء خارج الاتجاه السائد، لا متكيفاً ، ولا مستسلماً لكني في البدء لابد من إبداء بعض الملاحظات التمهيدية :

إحداها أن المنفى الذي هو حالة فعلية ، هو أيضاً بالنسبة إليّ حالة مجازية. وبهذا أعني أن تشخيصي حالة المثقف في المنفى مستمد من التاريخ الاجتماعي والسياسي للزيوح والنزوح، لكنه لا يقتصر عليه. فحتى المثقفون المنتسبون مدى الحياة إلى مجتمع ما، يمكن تقسيمهم ، إذا أمكن القول ، إلى مندمجين وغير مندمجين : أولئك الذين ينتمون كلياً إلى المجتمع كماهو ويزدهرون فيه دون أي شعور غامر بالتنافر أو الانشقاق، أولئك من الممكن تسميتهم ب”الإمعيين” من جهة. ومن الجهة الأخرى ، القائلين لا ، هؤلاء الأفراد الذين على نزاع مع مجتمعهم ولذا فهم غير منتمين ومنفيون فيما يختص بالامتيازات ، والسلطة ، ومظاهر الحفاوة ، والتكريم. وخير ما يمثل النمط الذي يحدد المسار للمثقف كغير منتم هو وضع المنفى ، تلك الحالة من أللاتكيف أبداً على نحو تام، والشعور دائماً أنك خارج العالم المألوف المهذار الذي يقطنه سكان أصليون ، إذا صح التعبير، والميل إلى أن تتجنب زين التأقلم والرفاهية القومية أو حتى أن تكون كارهاً لها. والمنفى للمثقف بهذا المعنى الميتافيريقي ، هو التململ ، والتحرك، وكونه على الدوام قلقاً ومقلقاً للآخرين. فأنت لا تستطيع العودة إلى وضع ما سابق وربما أكثر استقراراً كنت تشعر فيه وكأنك في بيتك؛ ولا يمكنك أبداً ، ويا للأسف، أن تنجح تماماً ، وتنسجم مع مقرك أو وضعك الجديد.

ثانياً، وأجدني مندهشاً إلى حد ما من هذه الملاحظة وأنا أدلي بها، يميل المثقف ،كمنفي، إلى الاستسعاد بفكرة البؤس، بحيث أن الاستياء الذي يكاد يكون نقمة وهو ذاك النوع من سوء الطبع على نحو فظ ، يمكن أن يتحول، لا إلى أسلوب تفكير فحسب، بل وأيضاً إلى سكنى جديدة ، ولو أنها مؤقتة، وأن يحول المثقف ، ربما ، إلى عياب جعجاع مثل ثرسيتس.

**

ونستخلص من ذلك أن عيش حياة ما وفقاً لمعايير مختلفة يتسبب للمثقف في ألا تكون عنده سيرة تستحق الذكر ، ولا يكون له إلا ما يشبه مفعول الإخلال بالتوازن ، يحدث صدمات زلزالية ، ويرج الناس رجاً ، لكن من غير الممكن فهمه اعتماداً على خلفيته أو أصدقائه مهما كانت الحجج.

**

.. ويصور الجزء الثامن من (الحد الأدنى للأخلاق) مغزى المنفى تصويراً متقناً جداً. يقول أدورنو إن (السكنى ، بالمعنى الصحيح ، هي الآن مستحيلة ، وأماكن الإقامة التي نشأنا فيها أصبحت لا تطاق: كل أثر راحة فيها مدفوع ثمنه بخيانة ما للمعرفة، وكل بقية ملاذ ضئيلة ثمنها الميثاق العفن للمصالح العائلية) . هذا في ما يتعلق بحياة ما قبل الحرب للناس الذين شبوا قبل النازية، وليست الاشتراكية والنزعة الاستهلاكية الأمريكية بأفضل من ذلك: فهناك ( الناس يعيشون ،إن لم يكن في أحياء الفقراء، ففي بانغلُوات لربما تصبح غداً أكواخاً من أوراق الشجر ، أو عربات مقطورة ، أو سيارات، أو مخيمات، أو العراء). وهكذا، يعلقن أدورنو أن (المنزل هو الماضي [ أي انتهى]… وأفضل أسلوب للتصرف حيال كل هذا ، ما زال على ما يبدو تصرفاً غير ملترم، ومعلقاً، وإن لمن الأخلاقية ألا يشعر المرء بأنه في بيته وهو فيه) .

**

ومع ذلك ، ما إن يصل أدورنو إلى استنتاج واضح حتى يعكسه قائلاً : ( لكن أطروحة هذا التناقض الظاهري تؤدي إلى الهدم ، وإلى تغاض عن الأشياء يفتقد المحبة ، لا مفر من أن يتحول إلى تجاهل للناس أيضاً. أما ألأطروحة النقيضة ، فتصبح فور التفوه بها ذريعة أيديولوجية لذوي الضمائر الميتة الراغبين في الإبقاء على ما عندهم .ومن غير الممكن للعيشة غير القويمة أن تعاش على نحو قويم).

بكلام آخر ، لا منجاة فعلية ، حتى بالنسبة إلى المنفي الذي يحاول البقاء معلقاً ، لأن بإمكان تلك الحالة من البين بين أن تتحول هي ذاتها إلى موقف ايديولوجي متصلب، أشبه بمسكن نغطي زيفه بطبقات من الطلاء ، ومن الممكن بسهولة أن يصبح المرء معتاداً عليه. لكن أدورنو يلح في القول ( إن السير التشكيكي صحي دائماً ) وبخاصة عندما يتعلق الأمر بكتابات المثقف ، إذ (تصبح الكتابة ، لمن لم يعد عنده وطن ، مكاناً للعيش) . وحتى إذا كان الأمر هكذا، فلا يجوز التراخي في صرامة التحليل الذاتي :

( إن المطالبة بأن يقسّي المرء على نفسه في مواجهة الرثاء للذات تقتضي ضمناً تلك الحاجة التقنية إلى مجابهة أي تراخ في الانفعالية الفكرية بأقصى درجات اليقظة ، وإلى إزالة أي شيء بدأ يكسو العمل [ أو الكتابة ] بالقشور أو ينساق متكاسلاً ، وهو لربما كان ينفع في مرحلة سابقة ، مثل الإشاعات ، خلق جو حماسي يستجلب النمو ، لكنه الآن مهمل كاسد ، بال . وفي نهاية الأمر ليس من المسموح للكاتب أن يعيش في كتابته )

إن في هذا القول كآبة وصلابة على ماهو معهود. فأدورنو ، المثقف في المنفى ، ينهال بالتهكم على الفكرة القائلة إن بإمكان أعمال الإنسان نفسه توفير بعض الرضى ونمط بديل للحياة ربما يكون استراحة طفيفة من عناء الحصر النفسي والهامشية، الناجم عن عدم وجود “مسكن” على الإطلاق.

**

ما لا يتكلم عنه أدورنو هو بالفعل مسرات المنفى ، تلك التكيفات المختلفة للعيش وما يتيحه أحياناً من جوانب مدهشة ، مما يفعم وظيفة المثقف بالحيوية ، دونما أن يسكن نهائياً على الأرجح كل قلق أو كل شعور بالعزلة المريرة.

**

وبينما يصح القول إن المنفى هو الوضع الذي يميز المثقف كإنسان يقف كرمز هامشي بعيداً عن متع الامتيازات والقوة والشعور بالبيتوتية ، فإن من الأهمية بمكان التشديد على أن ذلك الوضع نفسه يحمل في طياته مكافآت معينة ، بل حتى امتيازات. وهكذأ ، ففي حين أنك لا تكسب جوائز ولا يرحب بك في كل تلك المجالس الرفعية المقام، المهنئة نفسها بتباه، التي تستثني روتينياً مثيري المتاعب المحرجين ، غير الممتثلين ، فإنك تستمد في الوقت ذاته بعض الأمور الإيجابية من المنفى والهامشية.

أحد هذه الأمور، بالطبع ، هي بهجة الإصابة بالدهشة ومتعة عدم التسليم جدلاً بأي شيء ولذة التعلم أن تفلح في تدبير أمرك في ظروف أللا استقرار المتزعزع التي من شأنها إرباك معظم الناس وتخويفهم.

**

ولأن المنفي يرى الأمور من حيث علاقتها بما خلّفه وراءه ، وبما هو أمامه الآن فعلاً على السواء، فإن ثمة منظوراً مزدوجاً لا يقدر مطلقاً على رؤية الأشياء بمعزل عن بعضها. فكل مشهد أو وضع في المواطن الجديد يستحضر بالضرورة نظيره في الموطن القديم. وهذا يعني ، فكرياً، أن أي فكرة أو تجربة توازن دائماً بأخرى، ، مما يجعلهما تبدوان في صورة تكون أحياناً جديدة ولا يمكن التكهن بها : ومن التجاوز الناشيء عن وضع هذه بجانب تلك ، تتكون لدى المرء فكرة أفضل ، وربما حتى أكثر شمولية ، عن كيفية التفكير ، مثلاً ، بقضية من قضايا حقوق الإنسان ، في حالة ما بالمقارنة مع ما تكون عليه في حالة أخرى. ولقد شعرت أن معظم المناقشات التهويلية والمعيوبة جداً، الدائرة في الغرب حول الأصولية الإسلامية ، مثيرة للعداء فكرياً ، لأنها ، تحديداً لم تجر مقارنة مع الأصولية اليهودية أو الأصولية المسيحية ، وهاتان وحدهما على السواء سائدتان وتستحقان الشجب وفقاً لما أعرفه عن الشخص الأوسط بالاختبار. وما يعتبر عادة كمسألة حكم بسيطة على عدو مُتّفق عليه ، يفرض على مثقف غربي أن يرى ، في المنظور المزدوج أو في منظور المنفى ، صورة أوسع بكثير ، مع مايستلزم ذلك الآن من اتخاذ موقف “؟؟؟” (أو غير علماني) من كل النزعات الثيوقراطية، وليس فقط من المصنفة هكذاً عرفاً.

(؟؟؟: كلمة غير مفهومة بسبب رداءة التصوير الضوئي للكتاب)

**

ثمة أفضلية ثانية يوفرها في ذلك الموقع الاستشرافي للمثقف في المنفى، وهي أنك تنزع إلى رؤية الأمور ليس فقط كما هي عليه ، وإنما كيف تطورت لتصبح على تلك الحالة ؛ وتميل إلى تفحص الأوضاع وكأنها ممكنة الحدوث لا محتومة، واعتبارها النتيجة الناجمة عن سلسلة من الخيارات التاريخية التي حددها رجال ونساء ، و وقائع مجتمع حددها بشر ، لا كأوضاع فطرية أو من نعم الله ، بالتالي هي ثابتة لا تتغير.

**

و أخيراً وكما يؤكد أي منفي حقيقي ، فإنك عندما تترك موطنك لن تتمكن ببساطة أينما حللت من أن تستأنف حياتك وتصبح مجرد مواطن آخر في المنفى الجديد . وإذا أصبحت هكذا فإن الجهد المبذول يشتمل على قدر كبير من الإحراج الذي نادراً ما يستحقه هذا العناء.

**

ويعني التشريد الإبعادي للمثقف تحررا من المهنة الدائمة المعتادة التي يشكل “التنعم بالثراء” واقتفاء الآثار العريقة معلميها الرئيسيين. فالمنفى معناه أن تظل على الدوام هامشياً ، وأن ما تفعله كمفكر يجب أن يُخلق ، لأنك لا تستطيع سلوك سبيل قُضي به. وإذا تمكنت من اختبار ذاك المصير ، لا كحرمان ولا كأمر يُتفجّع عليه، بل كضرب من ضروب التحرر ، وعملية استكشاف تنفذ فيها الأمور وفقا لنمطك الخاص بك ، فيما تستحوذ على انتباهك اهتمامات مختلفة ، وحسبما يقتضي الهدف المعين الذي حددته بنفسك : فتلك ، لعمري ، متعة فريدة.

**

فالمنفى هو النموذج الذي ينبغي للمثقف أن يضعه نصب عينيه عندما تغويه ، بل وتغدَق عليه وتغمره، مكافآت التكيف ، والإمعية والركون. وحتى إن لم يكن المرء من المهاجرين أو المغتربين الفعليين، يبقى في إمكانه أن يفكر كما يفكر الواحد منهم ، وأن يتخيل برغم الحواجز ، وأن يبتعد دوماً عن السلطات المركزة قاصداً الهوامش ، حيث ترى أموراً لا تقدرها حق قدرها عادة عقول لم تسافر أبداً إلى أبعد من المتعارف والمريح.

**

إن وضع الهامشية ، الذي ربما يبدو معدوم المسؤولية أو مفتقراً إلى الحدّية ، يحررك من وجوب التحرك دوماً بحذر ، خائفاً من أن تفسد على أحد تدابيره، حريصا على ألا تزعج زملاءك في عضوية المؤسسة ذاتها. ومع ذلك ما من أحد إطلاقاً يخلو تماماً من الروابط والعواطف ، ولا أعني هنا من الوصف بالمثقف الذي يتنقل من موقع لآخر ، ذاك الذي تكون مقدرته التقنية مؤجرة ويرسم البيع لأيّ كان، لكنني أقول إن صيروية المثقف هامشياً وغير مدجن مثل من هو في منفى فعلي ، تتطلب منه أن يستجيب على نحو غير اعتيادي للمسافر لا للحاكم ، للموقّت والمحفوف بالمخاطر لا للمألوف ، للابتكار والاختبار لا للوضع الراهن المكرس سلطوياً . فالمثقف الذي تتقمصه حالة المنفى لا يستجبي لمنطق التمسك بالأعراف ، بل لجراءة المغامرة ، ولتمثيل الغير ، وللمضي قدماً لا للركود والجمود.

**

تحديث ١ :

الكتاب هو من ترجمة الأستاذ غسان غصن من إصدار دار النهار، لبنان، 1996 م ، وهي الترجمة الأولى والقانونية لهذا الكتاب.

مواضيع ذات علاقة:

عدد التعليقات : 5 في “مع إدوارد سعيد وصور المثقف 4 – المنفى الفكري: مغتربون وهامشيون”

  1. هادي فقيهي علٌق:

    يونيو 19 th, 2009 على الساعة 2:33 م

    جزء رائع جدا من سلسلة الاقتباسات هذه.

    أستمتعت بها كثيرا.. شكرا فهد

  2. الخنساء علٌق:

    يونيو 19 th, 2009 على الساعة 9:17 م

    “المنفي يعيش في حالة وسيطة، لا ينسجم تماماً مع المحيط الجديد ولا يتخلص كلياً من عبء البيئة الماضية”
    “تصبح الكتابة ، لمن لم يعد عنده وطن ، مكاناً للعيش”
    “من غير الممكن للعيشة غير القويمة أن تعاش على نحو قويم”

    اقتبست هذه أثناء قرائتي للكتاب

    بالنسبة للجملة التي لم تكن واضحة لديك مع الأخذ باختلاف الترجمة لدي هي: “مع ما يستلزم ذلك الآن لأخذ موقف كعلماني أولاً من كل الميول الثيوقراطية, وليس فقط ضد تلك المصنفة بالعرف”

    ما فهمته في هذا الباب ان ادوارد سعيد لم يقصد النفي عن الأوطان بشكل حرفي انما المنفى الروحي او العقلي للمثقف
    يقصد اختلاف المثقف عن مجتمعه يستوجب عليه ان يشعر كمنفي من حيث الصفات و الاحساس والثورة وفهمه للأحداث
    ما أكد لي فهمي هذا هو إصراره على أن المنفي يستطيع ان يتابع وطنه ويشعر به ويهتم لأجله ويشارك في دعم قضاياه و لا يكون البعد حجة خصوصا في هذا العصر

    فكرة إدوارد سعيد هنا تؤكد على نخبوية المثقف Grin
    مستمتعة وسأتابع حتى النهاية طبعا

  3. حسن الحازمي علٌق:

    يونيو 22 nd, 2009 على الساعة 5:11 م

    بارك الله فيك ونفعك ونفع بك اخي الكريم

    اتحفتنا بهذا العرض الشيق

    ننتظر جديدك دوما

  4. مع إدوارد سعيد وصور المثقف 6 - قول الحق في وجه السلطة | سَمْ وَن علٌق:

    سبتمبر 2 nd, 2009 على الساعة 12:18 ص

    [...] هيمنة الأمم والتقاليد، والفصل الثالث كان بعنوان “المنفى الفكري: مغتربون وهامشيون” وتلاه الفصل الرابع بعنوان “محترفون وهواة” [...]

  5. بين السجن والمنفى : من سلمان العودة إلى إدوارد سعيد | سَمْ وَن علٌق:

    نوفمبر 25 th, 2009 على الساعة 1:41 م

    [...] الشيخ سلمان كان يتحدث بطريقة ما عن “المنفى” الذي أشار له إدوارد سعيد في كتابه صور المثقف ، حيث هناك أوجه تشابه جوهرية بين “المنفى الفكري” [...]

وأنت... ما رأيك ؟

Click to Insert Smiley

SmileBig SmileGrinLaughLOLFrownBig FrownWinkKissRazzAngelAngryReally AngryConfusedNeutralThinkingChicCoolNerdSillyDrunken RazzMad RazzEvil GrinMeanPissed OffReally PissedCurseShoutGrit TeethCryWeepSide FrownWiltSmugDisdainRoll EyesSarcasmLoserTalk to the HandShyBeat UpPainShameBeautyBlushCuteLashesKissingKiss BlowKissedHeh!SmirkSnickerGiggleIn LoveDroolEek!ShockSickSuspenseTrembleDazedHypnotizedFoot in MouthMoney MouthQuietShut MouthDOH!IDKQuestionLyingStruggleSweatStopByeGo AwayWavingTime OutCall MeOn the PhoneMeetingSecretHandshakeHigh FiveHug LeftHug RightClapDanceJumpFingers CrossedVictoryYawnSleepyPrayWorshipWaitingAlienClownCowboyCyclopsDevilDoctorFemale FighterMale FighterMohawkMusicPartyPirateSkywalkerSnowmanSoldierGhostSkeletonEatStarvingVampireZombie KillerBunnyCatCat 2ChickChickenChicken 2CowCow 2DogDog 2DuckGoatHippoKoalaLionMonkeyMonkey 2MousePandaPigPig 2SheepSheep 2ReindeerSnailTigerTurtleFemaleMaleHeartBroken HeartRoseDead RosePeaceYin YangUS FlagMoonStarSunCloudyRainThunderUmbrellaRainbowMusic NoteYesNoAirplaneCarIslandAnnouncebrbBeerDrinkLiquorCakeCoffeePizzaWatermelonBowlPlateCanMailCellPhoneCameraFilmTVClockLampSearchCoinsComputerConsolePresentSoccerCloverPumpkinBombHammerKnifeHandcuffsPillPoopCigarette