مع إدوارد سعيد وصور المثقف 3 – القضاء على هيمنة الأمم والتقاليد
السبت ، 30 مايو ، 2009- التحدث عن المثقفين اليوم يعني أيضاً التحدث على وجه التخصيص عما بينهم من فوارق قومية ودينية وكلاً من هذه العوامل يتطلب اعتباراً منفصلاً.
- يتحتم على أي مؤرخ يحاول جدياً تفهم المثقفين في التقاليد الأخرى أن يمضي أعواماً في تعلم لغاتهم.
- المثقف ملزم باستعمال لغة قومية، ليس فقط لأنها ملائمة له ومألوفة لديه، وإنما من باب أمله أن يخلف في اللغة انطباعة عقلية معينة ولهجة مميزة وفي النهاية منظوراً يختص به.
- يتحدث المثقفون الأكاديميون الغربيون بأسلوب اختزالي متسم بأللا مسؤولية عن شيء يُدعى “الإسلام”. ويبدو من استعمالهم لهذه الكلمة المنفردة أنهم يعتبرون الإسلام موضوعاً بسيطاً يمكن أن تطلق عليه تعميمات فضفاضة تغطي ألفاً وخمس مئة عام من التاريخ الإسلامي، وأن تصدر بشأنه بدون خجل أحكام تتعلق بقابلية الإنسجام بين الإسلام والديمواقراطية وبين الإسلام وحقوق الإنسان وبين الإسلام والتطور.
- تكرار الصيغ الجماعية مثل “نحن” و”(نا) الفاعلين” هو تكاسل شديد ليس إلا ، لأن مجرد استعمال أي لغة قومية يفضي إلى إلزامك بالجاهز أكثر من غيره مما هو في المتناول، ويسوقك إلى تلك العبارات المبتذلة والاستعارات الشائعة المتعلقة بنا “نحن” وبهم “هم” والتي تبقيها رائجة وسائل عديدة جداً بما فيها الصحافة والاحتراف الأكاديمي وذريعة توضيح الأمور لعامة الشعب. وهذا كله جزء من الحفاظ على هوية قومية.
- التضامن والولاء لا يعلو أبداً على النقد. فللمثقف دائماً أن يختار إما مناصرة الأضعف والأسوأ تمثيلاً والمنسيين أو المتجاهلين، وإما الانحياز إلى الأكثر قوة.
- ليست من مهام المثقف المعارضة في سبيل المعارضة، ولكنه يعني طرح أسئلة وإحداث فروق وإعادة التذكير بكل تلك المسائل التي يوجد ميل إلى إهمالها وتجاوزها، في خضم الاندفاع نحو الأحكام الجماعية والعمل الجماعي.
- مشكلة الولاء محدقة دائماً بالمثقف وتتحداه بدون رحمة. وكلنا بلا استثماء منتمون إلى جماعة قومية أو دينية أو عرقية ما، فما من أحد ، مهما كان مقدار الإصرار على عكس ذلك ، يعلو فوق الروابط العضوية التي تشد المرء إلى العائلة والجماعة وبالتأكيد إلى الجنسية.
- الولاء للمجموعة في صراعها من أجل البقاء لا يجوز أن يجر المثقف إلى درجة تخدير الحس النقدي، أو تقليص ضروراته الأساسية التي تقتضي دوماً تجاوز مسألة البقاء إلى قضايا التحرر السياسي ، وإلى توجيه الانتقادات إلى القيادة، وإلى تقديم بدائل تهمش أو تطرح جانباً في أحوال كثيرة جداً بدعوى أن لا علاقة لها بالمعركة الرئيسية القائمة. وحتى بين المضطهدين تجد أيضاً منتصرين ومنهزمين، ومن الواجب ألا يكون ولاء المثقف مقتصراً فقط على الانضمام إلى المسيرة الجماعية.
- مهمة المثقف تتمثل في جعل الأزمة شمولية وإعطاء معاناة عرق معين أو أمة معينة حيزاً إنسانياً أرحب ، وربط تلك التجربة بآلام الآخرين.
- مجرد أنك تمثل الآلام التي عاناها شعبك ، وقد تكون أنت أيضاً قاسيتها ، فهذا لا يعفيك من واجب الكشف عن أن بني قومك ربما يرتبكون الآن جرائم بحق ضحاياهم هم.
- في عدد كبير من بلدان العالم الثالث ثمة عداء صاخب بين قوى الوضع الراهن للدولة القومية والشعوب المحرومة المنحبسة في الداخل، التي تكبتها الدولة أو لا تمثلها، الأمر الذي يوفر للمثقف فرصة حقيقية لمقاومة المسيرة المتطرفة للمنتصرين.
**
نستكمل وإياكم ما بدأناه سابقاً من اقتباسات مركزة من كتاب “صور المثقف” للمفكر الفلسطيني المولد أمريكي الجنسية: إدوارد سعيد ، حيث قد عرضنا ضمن أجزاء السلسلة جزء تمهيدي تعريفي بإدوارد سعيد ، ثم بدأنا باقتباسات من مقدمة الكتاب وأتبعناها بالفصل الأول تحت عنوان “صور المثقف”. وهانحن اليوم مع الفصل الثاني من الكتاب والذي يعالج قضية حساسة أخرى في حول “القضاء على هيمنة الأمم والتقاليد” ، ونجده هنا يتعمق أكثر في شخصية المثقف ودوره في المجتمع ومواجهة التقاليد والهويات السائدة.
قراءة ممتعة، وسنسعد كثيراً بمشاركاتكم وآرائكم.
**
الفصل الثاني
القضاء على هيمنة الأمم والتقاليد
يعطي الكتاب الشهير (خيانة المثقفين) لجوليان بندا الانطباع بأن المثقفين يعيشون فيما يشبه الحيز الكوني غير مقيدين بحدود قومية ولا بهوية عرقية ، وبدا لبندا عام ١٩٢٧ أن الاهتمام بالمثقفين معناه أن تكون معنياً فقط بالأوروبيين.
لقد تغيرت الأمور كثيراً من ذلك الحين فأوروبا والغرب ، في المقام الأول ، لم يعودا مقرري المقاييس للعالم دون منازع ، إذ أن تفكك الامبراطوريات الاستعمارية الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية أضعف القدرة على إنارة مايسمى بالأماكن المظلمة في الأرض فكرياً وسياسياً، ومع حلول الحرب الباردة وبزوغ العالم الثالث و وجود الأمم المتحدة الذي انطوى بداهة على التحرير الشامل ، ولو لم يحققه، أصبحت الأمم والتقاليد غير الأوروبية تبدو في الوقت الحاضر جديرة بالاهتمام الجدّي.
**
في المقام الثاني خلق التسريع المذهل للسفر والاتصالات على السواء عبئاً جديداً لما يدعى “الاختلاف” و “الآخرية” ويعني هذا ببساطة أنك إذا بدأت تتكلم عن مثقفين فلن تتمكن من التحدث بمثل التعميم الذي كان متبعاً في السابق، لأن المثقفين الفرنسيين مثلاً ينظر إليهم على أنهم مختلفون كلياً عن نظرائهم الصينيين أسلوباً وتاريخاً. وبعبارة أخرى فإن التحدث عن المثقفين اليوم يعني أيضاً التحدث على وجه التخصيص عما بينهم من فوارق قومية ودينية وحتى قارية ويبدو أن كلاً منها يتطلب اعتباراً منفصلاً.
**
وهذا التضييق في التركيز، والتركيز على الطابع المحلي في كيفية نظرتنا إلى المثقفين ناجمان أيضاً ، إلى حد ما، عن التكاثر الخيالي للدراسات المتخصصة، التي لها ما يبررها في تعقب دور المثقفين المتزايد الاتساع في الحياة العصرية.
ففي معظم المكتبات الراقية في الغرب، التابعة للجامعات أو المخصصة للأبحاث ، يستطيع المرء اكتشاف آلاف العناوين عن مثقفين في بلدان مختلفة يستدعي فهم كل مجموعة منها فهماً كاملاً سنوات عديدة. وللمثقفين بالتأكيد لغات عدة مختلفة يفرض بعضها -مثل العربية والصينية- علاقة خاصة جداً بين البحث الفكري الحديث والتقاليد القديمة والتي في العادة غنية جداً. وهنا أيضاً يتحتم على أي مؤرخ غربي يحاول جدياً تفهم المثقفين في هذه التقاليد الأخرى المختلفة أن يمضي أعواماً في تعلم لغاتهم.
مع ذلك بالرغم من هذا “الاختلاف” أو “الآخرية” وبرغم التآكل المتعذر اجتنابه في المفهوم العمومي لما يعني أن يكون المرء مثقفاً ، فإن ثمة أفكاراً عامة عن المثقف الفرد – وهذا هو موضع اهتمامي هنا- تبدو ممكنة التطبيق خارج النطاق المحلي الصرف.
**
أولى هذه الأفكار هي الجنسية ، وتلك النبتة المنبثقة منها بفعل حرارة شديدة مصطنعة، أي القومية.
أقول ما من مثقف عصري يكتب ب “الأسيرانتو”، أي بلغة مصممة لكي تكون لكل بلدان العالم وأعرافه أو لا تكون لأحد منها ، فكل فرد يتربى على لغة ما ويمضي في الغالب بقية حياته في كنف تلك اللغة التي هي الأداة الأصلية للنشاط الفكري. وبالتأكيد فإن اللغات هي دائماً قومية مع أن إحدى النقاط الرئيسية التي أعتبرها هنا أساسية هي أن المثقف ملزم باستعمال لغة قومية ليس فقط لأنها ملائمة له ومألوفة لديه، وإنما من باب أمله أن يخلف في اللغة انطباعة عقلية معينة ولهجة مميزة وفي النهاية منظوراً يختص به.
**
لكن المشكلة المحددة للمثقف هي أن ثمة جماعة لغوية موجودة أصلاً في كل مجتمع تتحكم فيه عادات التعبير ، وأن إحدى وظائفها الرئيسية هي حماية الوضع الراهن والتأكد من أن الأمور تجري بسلاسة ، لا تبديل فيها ولا اعتراض عليها. وقد تحدث جورج أورويل George Orwell عن ذلك على نحو مقنع جداً في مقالته “السياسة واللغة الانجليزية” فيقول إن الصيغ المبتذلة والاستعارات المنهكة والكتابة المترهلة شواهد على “انحطاط اللغة” . والنتيجة هي أن العقل يتخدر ويبقى هامداً ، بينما اللغة ، التي لها مفعول الموسيقى الخلفية في متجر، تغسل الوعي بأمواجها، وتغريه بأن يقبل مذعناً أفكاراً وميولاً انفعالية لم تمتحن. وكان همّ أورويل، في تلك المقالة المكتوبة عام ١٩٤٦م تعدي الديماغوجيين السياسيين التدريجي على عقول الانجليز، يقول “إن اللغة السياسية -ويصح ذلك على كل الأحزاب السياسية من المحافظين إلى الفوضويين على الفوارق- مصممة لجعل الأكاذيب تبدو صادقة والإجرام يبدو جديراً بالاحترام ، ولكي تضفي مظهر الحصافة على الهراء البحت”
ولكن المشكلة أكبر من ذلك وعادية أكثر من ذلك – على السواء- ، ويمكن إعطاء أمثلة لتوضيحها من خلال تفحص مقتضب للكيفية التي تنزع فيها اللغة اليوم إلى اتخاذ أشكال أكثر عمومية وأكثر جماعية واتحاداً.
خذ الصحافة كمثال يثبت ذلك ، ففي الولايات المتحدة كلما اتسع نطاق الصحيفة وازدادت قوتها أصبح صوتها أكثر جدارة بالاعتماد والقبول ، وصارت تعتبر أوثق ارتباطاً بجماعة أكبر من مجرد مجموعة من الكتاب والقراء المحترفين. والفرق بين صحيفة تابلويد تعتمد الإثارة وبين صحيفة نيويورك تايمز هو أن التايمز تطمح إلى أن تكون (وتعتبر على نحو عام) الجريدة القومية وألا تعكس افتتاحياتها آراء قلة من الرجال والنساء فحسب، بل أن تعكس أيضاً للأمة بأسرها ما يُفترض أنها الحقيقة المدركة حسياً في تلك الأمة. وعلى نقيض ذلك فإن صحافة التابلويد مصممة لجذب الانتباه الفوري عبر مقالات مثيرة وأسلوب في الطباعة لافت جداً للنظر.
أما في النيويورك تايمز فكل مقال يحمل في طياته مرجعية رزينة توحي ببحث مطول، وتفكير ملي دقيق، وحكم مدروس، ويشير استعمال الضميرين “نحن” و “نا” الفاعلين في الافتتاحيات مباشرة إلى المحررين أنفسهم بالطبع، لكنه يوحي في الوقت ذاته بهوية قومية متحدة.
**
إن ما تفعله الصحافة فقط هو الإيضاح والتثبت لما هو عادة مدلول عليه ضمناً في الوجود الفعلي للغة قومية مثل الانجليزية أي في جماعة قومية أو هوية قومية أو الذات. وذهب ماثيو آرنولد في كتابه (الثقافة والفوضى) عام ١٨٦٩ إلى حد القول أن الدولة هي الذات الفضلى للأمة ، وإن الثقافة القومية هي التعبير عما هو فعلاً الأمثل بين كل ما قيل أو جرى التفكير فيه. وهذه الذوات الفضلى والأفكار المثلى البعيدة كل البعد عن كونها بينة بذاتها هي التي قال آرنولد إن من المفترض بـ (أهل الثقافة) أن يفصحوا عنها ويمثلوها. ويبدو أنه كان يعني من أسميهم بالمثقفين أي أولئك الأفراد الذين تؤهلهم قدرتهم على التفكير والحكم على الأمور لتمثيل الفكر الأمثل – وهو الثقافة نفسها- وجعله السمة الأهم.
وكان آرنولد صريحاً جداً في قوله إن من المفترض بكل هذه الأمور أن تحدث لمصلحة المجتمع بأسره وليس لطبقات معينة أو مجموعات صغيرة من الناس. وهنا أيضاً كما هي الحال مع الصحافة العصرية يفترض بدون المثقفين أن يكون العمل على مساعدة جماعة قومية لزيادة إحساسها بشعور الهوية المشتركة وهو على النحو المشار إليه شعور سام جداً.
**
وتقوم حجة آرنولد على أساس الخوف من أن المجتمع عندما يصبح أكثر ديموقراطية ويزداد فيه عدد المطالبين بحق الاقتراع وحق القيام بما يطيب لهم، يمسي أكثر شكاسة وتزداد صعوبة حكمه. ومن هنا الإيحاء بضرورة أن يعمل المثقفون على تهدئة الناس ويبينوا لهم أن أفضل الأفكار وأجود الأعمال الأدبية هي أحد سبل الانتماء إلى جماعة قومية ، وهذا بدوره يعوق ما دعاه آرنولد (تصرف المرء على هواه). كان هذا في الستينات من القرن الماضي.
**
في العشرينات من هذا القرن كان المثقفون في رأي بندا معرضون لخطر تطبيق إرشادات آرنولد بحذافيرها. فعندما كان المثقفون يظهرون للفرنسيين مدى عظمة الآثار العلمية والأدبية الفرنسية، كانوا أيضاً يعلمون المواطنين أن الانتماء إلى جماعة قومية هو غاية في حد ذاته وبخاصة إذا كانت تلك الجماعة أمة عظيمة مثل فرنسا. في المقابل اقترح بندا أن على المثقفين التوقف عن التفكير من زاوية العواطف الجماعية والتركيز بدل ذلك على القيم المتسامية ، تلك القابلة للتطبيق على كل الأمم والشعوب. وكما قلت قبل لحظة ، فإن بندا سلم جدلاً بأن هذه القيم أوروبية وليست هندية أو صينية ، وبالنسبة إلى نوع المثقفين الذين استصوبهم فإنهم هم أيضاً كانوا حالاً أوروبيين.
**
و يبدو أنه ما من سبيل للتهرب من الحدود والأسوار التي بنتها حولنا إما أمم وإما أجناس أخرى من المجتمعات التي لها لغة مشتركة وتتشارك في مجموعة برمتها من المميزات والتحيزات والعادات الفكرية المترسخة المفهومة ضمناً والمشتركة. ولا شيء أكثر شيوعاً في الحديث العام من عبارات مثل (الانكليز) أو (العرب) أو ( الأمريكيين) أو (الأفارقة) والتي تلمح كل منها لا إلى ثقافة بأسرها فحسب، بل إلى ذهنية معينة راسخة
**
وما أشبه اليوم بالبارحة . ففي التعاطي الحالي مع العالم الإسلامي -بكل أبنائه البالغ عددهم ألف مليون، ومجتمعاتهم المختلفة التي تعد بالعشرات ولغاتهم الرئيسية الست (بما فيها العربية والتركية والإيرانية) المنتشرين في نحو ثلث الكرة الأرضية -يتحدث المثقفون الأكاديميون الأميركيون أو البريطانيون بأسلوب اختزالي ، وفي رأيي أنه أيضاً متسم بأللا مسؤولية عن شيء يدعى “الإسلام”. ويبدو من استعمالهم لهذه الكلمة المنفردة أنهم يعتبرون الإسلام موضوعاً بسيطاً يمكن أن تطلق عليه تعميمات فضفاضة تغطي ألفاً وخمس مئة عام من التاريخ الإسلامي، وأن تصدر بشأنه بدون خجل أحكام تتعلق بقابلية الإنسجام بين الإسلام والديمواقراطية وبين الإسلام وحقوق الإنسان وبين الإسلام والتطور .
**
لو كانت هذه المناقشات مجرد انتقادات لاذعة متعالمة صادرة عن علماء أفراد يبحثون مثل السيد كاسوبون في إحدى روايات جورج أليوت، عن دليل يفسر لنا كل الأساطير لكان بإمكان المرء صرف النظر عنها، على أساس أنها عصبية باطنية. لكنها جرت في ظروف ما بعد الحرب الباردة وتحكم الولايات المتحدة في الحلف الغربي بعد نهاية هذه الحرب، حيث نشأ إجماع على أن الانبعاث الإسلامي أو الإسلام الأصولي هو التهديد الجديد الذي حل محل الشيوعية. وهنا لم يحول التفكير المتحد المثقفين إلى أولئك الواعين المستقلين، المعترضين والمشككين الذين أتحدث عنهم، أي إلى أفذاذ لا يمثلون الإجماع بل الشكوك حوله على أسس عقلانية وأخلاقية وسياسية، فضلاً عن الأسس المنهجية، لكنه حولهم بدل ذلك إلى جوقة تردد الرأي السياسي السائد كالصدى معجلة دفعه معها إلى مزيد من التفكير المتحد ، وإلى ذلك الشعور اللاعقلي المتنامي تدريجياً بأننا “نحن” مهددون من جانبهم “هم” . والنتيجة تعصب وخوف بدل المشاركة والمعرفة.
لكن تكرار الصيغ الجماعية هو تكاسل شديد ليس إلا ، بما أن مجرد استعمال أي لغة قومية على الإطلاق (ولامناص من ذلك) يفضي إلى إلزامك بالجاهز أكثر من غيره مما هو في المتناول، ويسوقك إلى تلك العبارات المبتذلة والاستعارات الشائعة، المتعلقة بنا “نحن” وبهم “هم”، التي تبقيها رائجة وسائل عديدة جداً بما فيها الصحافة والاحتراف الأكاديمي وذريعة توضيح الأمور لعامة الشعب. وهذا كله جزء من الحفاظ على هوية قومية. فأن تشعر مثلاً أن الروس آتون، أو أن الغزو الاقتصادي الياباني دهمنا ، أو أن الإسلام الجهادي زاحف نحونا، لا يعني فقط بقاء الذعر الجماعي مستعراً، وإنما يعني أيضاً تعزيز هويتنا (نحن) وكأنها محاصرة ومعرضة للخطر.
**
وثمة مسألة رئيسية اليوم النسبة إلى المثقفين، هي كيفية التعامل مع هذا الأمر. فهل يلزم واقع القومية المثقف الفرد ، الذي هو محور الاهتمام في كل ما أرمي إليه هنا، بالمزاج العام، بدواعي التضامن أو الولاء الأزلي أو الوطنية القومية ؟ أم هل من الممكن الخروج بحجة أكثر إقناعاً دفاعاً عن المثقف كمنشق على الطاقم المتحد ؟
الجواب المختصر هو أن التضامن لا يعلو أبداً على النقد. فللمثقف دائماً أن يختار إما مناصرة الأضعف والأسوأ تمثيلاً والمنسيين أو المتجاهلين، وإما الانحياز إلى الأكثر قوة. ومن المستحسن هنا التذكير بأن اللغات القومية نفسها ليست موجودة فقط كي تكون جاهزة للاستعمال بل يتحتم تخصيصها للاستعمال ، فالمعلق الأمريكي الذي كتب في حرب فيتنام على سبيل المثال مستعملاً كلمة “نحن” وحرفي “..نا” استولى على مثل هذن الضميرين المحايدين ودمجمهما عمداً إما بذلك الاجتياح المجرم لبلد بعيد في جنوب شرق آسيا، وإما ببدائل أصعب بكثير هو تلك الأصوات المنشقة المتوحدة التي اعتبرت الحرب الأمريكية حمقاء وجائرة على السواء. وهذا لا يعني المعارضة في سبيل المعارضة لكنه يعني طرح أسئلة وإحداث فروق وإعادة التذكير بكل تلك المسائل التي يوجد ميل إلى إهمالها وتجاوزها في خضم الاندفاع نحو الأحكام الجماعية والعمل الجماعي. وبالنسبة إلى الإجماع على هوية المجموعة أو الهوية القومية ، فإن مهمة المثقف أن يبين لماذا أن المجموعة ليست كياناً فطرياً أو كينونة من الله ، وإنما هي شيء مبني ومنتج وحتى مختلق في بعض الحالات، له تاريخ من الصراعات والفتوحات التي ينبغي تمثيلها أيضاً.
**
وتجري إحدى صيغ التعريف المعتمدة للمثقف العصري كما حددها عالم الاجتماع ادوارد شلز Edward Shils على النحو التالي : ( في كل مجتمع.. ثمة أشخاص ما ممن عندهم حساسية غير معتادة تجاه المقدسات وتبصر غير مألوف في طبعة عالمهم وفي القواعد التي تسوس مجتمعم. وفي كل مجتمع ثمة أقلية من الأشخاص الذين يفوقون العامة من إخوتهم في البشرية من حيث استعلامهم عن ورغبتهم في إقامة صلة حميمة معتادة مع رموز أعم من الأوضاع المادية الفورية للحياة اليومية وذات إشارات بعيدة في الزمان والمجال كليهما. وفي هذه الأقلية ثمة حاجة إلى تجسيد هذا السعي في خطاب شفوي ومدون، وفي تعبير شاعري أو تشكيلي، وفي استذكار للتاريخ أو كتابته، وفي أداء شعائري وأعمال عبادة، وهذه الحاجة الباطنة إلى التغلغل في ما وراء ستار التجربة المادية المباشرة هي التي تميز وجود المثقفين في كل مجتمع)
يمثل هذ التعريف في أحد جوانبه صياغة جديدة لما قاله بندا- من أن المثقفين هم نوع من الأقلية الاكليريكية- كما أنه في جانب آخر وصف اجتماعي عام، ويضيف شلز لاحقاً أن المفكرين يقفون على طرفي نقيض: فإما أنهم ضد المعايير السائدة ، وإما أنهم، بطريقة ما توفيقية في أساسها، موجودون لتوفير (النظام والاستمرارية في الحياة العامة) .
وفي رأيي أن أول هذين الاحتمالين هو حقاً دور المثقف العصري (القاضي بمنازعة المعايير السائدة) ، وبالتحديد لأن المعايير الغالبة مرتبطة اليوم على نحو حميم جداً بالأمة (لأن الأمة تأمرها بذلك من فوق) ، وهذه دائماً سعيدة بإلحاق الهزائم بالآخرين ، ودائماً في مركز له سلطته ، ودائما تنتزع الولاء والخنوع بدل أن تتطلب ذاك الأسلوب الفكري في استقصاء الأسباب وإعادة التفحص.
أضف إلى ذلك ما يفعله مثقفو العديد من الثقافات اليوم ، في الدرجة الأولى ، هو استجواب الرموز العامة التي تحدث عنها شلز ، عوض التواصل المباشر معها. وعليه ، حديث تحول من الإجماع والإذعان الوطنيين إلى الارتياب والتفنيد .
**
فالتقاليد والقيم التي كانت تعتبر فيما مضى وكأنها مقدسة ، تبدو الآن منافقة وعنصرية المنطلق على السواء. وفي العديد من الجامعات في أمريكا يكشف النقاش الدائر حول النصوص المعتمدة والمسلمات – رغم كل ما فيها أحياناً من صخب واعتداد أبله- موقفاً فكرياً متشككاً بكثير تجاه الرموز القومية والتقاليد المبجلة والأفكار النبيلة المنيعة. وبالنسبة إلى ثقافات عريقة مثل الإسلامية والصينية ، ذات الاستمرارية الخارقة والرموز الأساسية الراسخة على نحو مذهل ، ففيها أيضاً مثقفون مثل علي شريعتي و أدونيس و كمال أبو ديب ، ومثقفو حركة الرابع من آيار (مايو) ممن يعكرون استفزازياً سكون التقاليد الآمنة في علياء حرماتها.
وأعتقد أن هذا الأمر يصح قطعاً على نحو مماثل في بلدان مثل الولايات المتحدة ، وبريطانيا ، وفرنسا، وألمانيا ، حيث إن فكرة الهوية القومية ذاتها تعرضت للطعن علناً بسبب نقائصها ، وأن هذا الطعن لم يأت من المثقفين فحسب وإنما نتيجة واقع ديموغرافي ملح.
**
وحتى في عدد كبير من بلدان العالم الثالث ثمة عداء صاخب بين قوى الوضع الراهن للدولة القومية والشعوب المحرومة المنحبسة في الداخل، التي تكبتها الدولة أو لا تمثلها، الأمر الذي يوفر للمثقف فرصة حقيقية لمقاومة المسيرة المتطرفة للمنتصرين. ويسود وضع أكثر تعقيداً حتى من هذا في العالم العربي- الإسلامي. فبلدان مثل مصر وتونس ، تعاقب على حكمها منذ الاستقلال ، بشكل أو بآخر ، أحزاب قومية علمانية ، تشهد الآن تفسح هذه الأحزاب إلى زُمر وطُغم ، وصعود مجموعات إسلامية تقول ، وبكثير من الحق ، إنها اكتسبت تفويضها من المقهورين ، وفقراء المدن ، والمعدمين في الريف ، وكل الذين ليس عندهم إلا أمل إحياء ماض إسلامي أو بنائه من جديد. وهم كثيرون ، حتى المستعدون للموت في سبيل هذه الأفكار.
لكن الإسلام، مع ذلك، هو دين الأغلبية. وفي اعتقادي أن دور المثقف ليس للقول ببساطة إن (الإسلام هو السبيل) والعمل على إزالة معظم دواعي الشقاق والخلاف ، ناهيك من التفسيرات المتباينة جداً للإسلام. فالإسلام في نهاية الأمر ، دين وثقافة، كلاهما مُركب وبعيد كل البعد عن السياق الأحادي. وعلى الرغم من ذلك فبقدر ما أن الإسلام هو الإيمان والهوية للأغلبية الكبرى من الناس، فمن غير الإلزامي على المثقف إطلاقاً الاشتراك في الجوقات التي تمتدح الفهم الأحادي للإسلام ، وإنما يتحتم عليه أن يقدم ، في الدرجة الأولى، تفسيراً للإسلام يشدد على طبيعته التركيبية وغير التقليدية – وهل هو إسلام الحكّام ، كما يسأل أدونيس، الشاعر والمثقف السوري، أم إسلام الشعراء المنشقين والفرق الخارجة عليه؟. وعلى المثقف، في المقام الثاني، أن يطالب السلطات الإسلامية بمواجهة تحديات التعامل مع الأقليات غير الإسلامية ، وحقوق النساء والعصرية نفسها ، بحرص إنساني وإعادة تقييم صادقة ، لا بترانيم دوغماتية أو شعبوية. وجوهر هذا الأمر للمثقف في الإسلام هو إحياء الاجتهاد ، أو التفسير الشخصي ، وليس التنازل كالنعاج لمصلحة العلماء ، ذوي الطموحات السياسية ، أو الدهماويين الساحرين للجماهير.
**
ومشكلة الولاء محدقة دائماً بالمثقف وتتحداه بدون رحمة. وكلنا بلا استثماء منتمون إلى جماعة قومية أو دينية أو عرقية ما : فما من أحد ، مهما كان مقدار الإصرار على عكس ذلك ، يعلو فوق الروابط العضوية التي تشد المرء إلى العائلة والجماعة وبالتأكيد إلى الجنسية.
**
من غير الممكن، وفقاً لفانون، أن تقتصر غاية المثقف من أبناء البلد على إبدال شرطي أبيض بنظير له محلي، بل أن تكون ما دعاه ،مقتبساً من “آيميه سيزار” ، خلق أنفس جديدة. بكلام آخر ، ومع أن ثمة قيمة لا تقدر لما يفعله المثقف كي يضمن بقاء الجماعة في فترات الطوارئ القومية القصوى، إلا أن الولاء للمجموعة في صراعها من أجل البقاء لا يجوز أن يجر المثقف إلى درجة تخدير الحس النقدي، أو تقليص ضروراته الأساسية ، التي تقتضي دوماً تجاوز مسألة البقاء إلى قضايا التحرر السياسي ، وإلى توجيه الانتقادات إلى القيادة، وإلى تقديم بدائل تهمش أو تطرح جانباً في أحوال كثيرة جداً بدعوى أن لا علاقة لها بالمعركة الرئيسية القائمة. وحتى بين المضطهدين تجد أيضاً منتصرين ومنهزمين، ومن الواجب ألا يكون ولاء المثقف مقتصراً فقط على الانضمام إلى المسيرة الجماعية.
**
في الأزمنة المظلمة ، يستنجد أفراد جنسية ما ، مرات عديدة جداً ، بمواطنهم المثقف ، كي يصور معاناة تلك الجنسية ويجهر بالقول في سبيلها ، ويكون شاهداً عليها. والمثقفون البارزون ، إذا استعملنا وصف “أوسكار وايلد” لنفسه ، هم دائماً على علاقة رمزية مع زمنهم، إذ يمثلون ، وفقاً للشعور العام ، الإنجاز والشهرة والسمعة الحسنة التي من الممكن تعبئتها من أجل نظام مستديم أو جماعة تواجه الكثير من المصاعب. وعكسياً ، يحمل المثقفون البارزون في أحوال كثيرة جداً وطأة عار جماعتهم، إما عندما تربط أحزاب من داخلها المثقف بالجانب الطالح ( … ) ، وإما عندما تعبئ مجموعات أخرى أنفسها لشن هجوم.
وإلى هذه المهمة البالغة الأهمية لتمثيل العذاب الجماعي لشعبك أنت ، والشهادة على آلامه ، والإصرار مجدداً على حقه في الوجود الثابت ، وتعزيز ذاكرته ، لابد من إضافة أمر آخر أعتقد أن على المثقف فقط واجب إنجازه. فبالرغم من كل شيء جسد العديد من الروائيين والرسامين والشعراء (…
التجربة التاريخية لشعوبهم عبر آثار أدبية أو فنية أو جمالية ، نالت بدورها التقدير كتحف رائعة. وفي اعتقادي أن مهمة المثقف تتمثل ، على نحو جلي ، في جعل الأزمة شمولية ، وإعطاء معاناة عرق معين أو أمة معينة حيزاً إنسانياً أرحب ، وربط تلك التجربة بآلام الآخرين.
**
ولا يفي بالغرض الاكتفاء بالتأكيد على أن شعباً ما طرد ، واضطهد أو ذبح وحرم من حقوقه و وجوده السياسي، دون القيام بمثل ما فعله فانون في أثناء الحرب الجزائرية ، من ربط لتلك الأهوال بالبلايا المماثلة لشعوب أخرى . ولايعني هذا الربط إطلاقاً خسارة في التخصيص التاريخي ، وإنما يحاذر بدل ذلك من إمكانية أن العبرة المأخوذة من الظلم في مكان ما سوف تنسى أو تنتهك في مكان ثان أو زمان آخر . ولمجرد أنك تمثل الآلام التي عاناها شعبك ، وقد تكون أنت أيضاً قاسيتها ، فهذا لا يعفيك من واجب الكشف عن أن بني قومك ربما يرتبكون الآن جرائم بحق ضحاياهم هم.
**
نراكم في الجزء الرابع من الاقتباسات مع الفصل الثالث تحت عنوان “المنفى الفكري : مغتربون وهامشيون”
.
تحديث ١ :
الكتاب هو من ترجمة الأستاذ غسان غصن من إصدار دار النهار، لبنان، 1996 م ، وهي الترجمة الأولى والقانونية لهذا الكتاب.
الخنساء علٌق:
يونيو 3 rd, 2009 على الساعة 9:41 م
في هذا الفصل أشار إدوارد سعيد في بدايته إلى انه لا يوجد تعريف محدد للمثقف
تأكديه على ان اختلاف الجماعة القومية ولغتها هذا يعني طريقة تفكير محددة هو تأكيد على ان مايصلح في أمة من الامم لا يصلح في غيرها
وكثير من الامم ابتليت بالمثقفين المقلدين والذين لا يدركون هذا الاختلاف ويحاولون قسرا نقل تجارب مختلفة ويربطوا فشل التجربة بعقلية المجتمع او الامة!
اغطبك لأنك قرأت الكتاب بترجمة جيدة
مع إدوارد سعيد وصور المثقف 4 – المنفى الفكري: مغتربون وهامشيون | سَمْ وَن علٌق:
نوفمبر 20 th, 2009 على الساعة 3:26 ص
[...] الأول تحت عنوان “صور المثقف” ثم الفصل الثاني عن “القضاء على هيمنة الأمم والتقاليد” وها نحن اليوم مع أمتع فصول الكتاب -على الأقل بالنسبة [...]