صناعة الفساد
الإثنين ، 28 يوليو ، 2008
** حينما نتحدث عن صناعة الفساد فالحديث يكاد يكون معقداً ، فللفساد أوجه مختلفة كلها تساهم سوياً في صناعته، وله علاقات جدلية مع بعضها تسير في دائرة مفرغة، وللأسف الشديد ففي إعلامنا وفي مدارسنا وفي أكثر الخطابات المُوجهة إلينا نجد تسطيحاً عجيباً حيث سنخلص إلى أن سوء التربية أو الجهل مثلاً رأس الفساد!
** سأضرب مثلاً لمدى تعقد ظاهرة كالفساد. فالأب الفقير مثلاً لا يملك المال الكافي الذي سيوفر له حظاً كافياً من التعليم والمعرفة لكي يربي أبناءه تربية حسنة و واعية، فهو مشغول بتحصيل لقمة عيش له ولأولاده، وبالتالي سيكون أبناءه عرضة لفساد المجتمع أو صقوراً لإفساده! الطبقات الغنية في المقابل عادة ماينتشر فيها الترف المالي قلّ أو كثر، فالمال موجود والوازع الديني ضعيف، فله أن يستخدم المال في غير محله وينتج لنا الفساد، المدينة المزدحمة بالناس -حيث تسوء أخلاق المرء كثيراً بسبب الضجر- تجد أنها أكثر عرضة للفساد من المدينة الغير مزدحمة، وهكذا ندخل في دوامة كبيرة من العوامل والظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والتي تؤدي في النهاية لنقطة واحدة هي الفساد.
** تدور دائرة الفساد حول تراجع الأخلاق والقيم التي تجمع عليها البشرية وأكدتها الشريعة الإسلامية، ولا شك بأن الصغار يعرفون هذا قبل الكبار ، ولكن حينما يكبر المرء ويرتبط بالعلاقات الواسعة والمصالح المتعددة يدخل في صراع أزلي بين مصالحه ومبادئه، ومن هنا يبدأ الاختبار الحقيقي لقيمه التي يؤمن بها ، النزاهة والصدق والأمانة والتواضع وغيرها من الأخلاق.
وبهذا تتشكل العقيدة الاجتماعية وهي جماع صراع المبادئ والمصالح في المجتمع، ففي عصور الحضارة والتقدم تكون العقيدة الاجتماعية قوية ومتينة، وتكون المبادئ “على نسبيتها” هي المقياس الاول الذي يقيس به الإنسان أموره قبل مصالحه، وفي عصور الانحطاط والتخلف تكون العقيدة الاجتماعية من أسوأ ما يكون، حيث تجد صاحب المبادئ مُجبراً على وضع مبادئه جانباً والعيش في نطاق المصالح والمكاسب. ومن هنا يُصنع الفساد.
** تكاليف العيش الكريم تزداد يوماً بعد يوم، وموارد الكثير من الدول في تراجع مطرد، في نفس الوقت الذي تنتشر فيه البطالة، وكل هذا قد رفع خط الفقر لدى الكثير من المجتمعات ، وجعل أعداداً كبيرة منهم تنضم إلى نادي البؤساء ، ومدن (الصفيح) صارت تعج في بلدان عديدة بالمئات والآلاف من الناس ، حيث الزحام والحرمان من الماء النقي والكهرباء والصرف الصحي والدواء، في تلك المدن.. تتوفر البيئة المثالية للتحلل الأخلاقي والفساد السلوكي والإدمان، وهنا مصنع للفساد.
** هل بإمكان الناس أن يكونوا أحراراً وهم يتضورون جوعاً؟ هناك من يدعي ذلك متجاهلاً ان الكرامة والحرية ليست شعارات ترفع في المظاهرات وفي الصحف وفي الأشعار ، الكرامة والحرية نواتج للخروج من عالم القهر والحاجة إلى عالم الخيارات!
إن المشكلات الأخلاقية تنبع من بيئة اقتصادية متردية ، تدفع الناس إلى الرذيلة والشح، وتجعل همومهم في الكفاح من أجل البقاء على قيد الحياة، وكم نحن بحاجة إلى صدمة ولو كانت قاسية حتى ندرك جيداً هذه الأمور .
** إن هذه الظروف الصعبة حين تتحول إلى أوضاع دائمة تحدث تغيراً كبيراً في السلوك، وتصبح الضحية المباشرة هي الأجيال الجديدة التي نشأت في ظل هذه الأوضاع ، كتلك الأجيال التي تعيش في مجتمعات استمرأ الناس فيها أكل الرشوة والمال الحرام، فإن الرسالة الأخلاقية التي تبعث بها الأمهات إلى الأجيال تكون مغشوشة ومشوهة، أو تلك المجتمعات التي استحكم فيها الاستبداد الفكري والسياسي وظلم الناس، وتكون الوصية التي لا يُمل تكرارها هي في التوعية من خطورة الكلام أو رفع الرأس ، أو السير في اتجاه غير اتجاه قطيع الأنعام.
** بل وقد يتطور الأمر إلى الأسوأ من ذلك ، فتتخذ الأجيال الجديدة أطراً مرجعية وإحالات جديدة بناء على هذه الأوضاع ، يرون أنفسهم ويقيمون سلوكهم من خلالها كما يرون العالم أيضاً !! وهنا تالله مصنع الفساد الأزلي.
مهما تحدثنا عن الفساد وصناعته فالحديث لن يرسو بنا على شاطئ ، وللحديث شجون..
هدى العتيبي علٌق:
يوليو 29 th, 2008 على الساعة 10:21 ص
والادهى من ذلك .. اننا قد نكون بشكل او بآخر لبنة من لبنات الفساد
بالسكوت حيال مايحدث من حولنا وقد يضطر احدنا لتمرير العديد من المفاهيم الفاسدة من اجل ان تستمر غجلة الحياة بالنسبة له وهو لايعلم يقيناانها تدور بالاتجاه السلبي!
أ. فهد مدونة ثرية .. ودعائي لك بالتوفيق
مشاري علٌق:
يوليو 29 th, 2008 على الساعة 10:45 ص
عزيزي . .
أولا : سلمت يمينك
ثانياً :
أعتقد أن أول ما ينبغي أن تبدأ به برامج الإصلاح هو الجانب الاقتصادي
صحيح أن برامج الإصلاح عبارة عن خطوط متوازية
لكن تبقى أهمية الجانب الاقتصادي لأنك لا تستطيع أن تحدث الفقير عن الأمة و هو لا يجد قوت يومه !
للجانب الاقتصادي مفردات منها تحديد من هو الفقير ، المطلوب تجاهه ، القضاء على الجانب الأكبر من البطالة ، و غيرها ..
و هذه فيها تفصيلات !
فهد الحازمي علٌق:
يوليو 30 th, 2008 على الساعة 10:24 م
الأخت الكريمة هدى
حياك الله في المدونة
وفي الحقيقة سعدنا بزيارتك الميمونة
شكراً لك
الأخ الكريم مشاري
أوافقك فيما قلت ، إلا أني أؤكد أن إصلاح الرؤوس يجب أن يكون أول الأمر،
أقصد الرؤوس التي تملك القرار
وشكراً لك ولإضافتك الجميلة
ماجد هادي علٌق:
يوليو 31 st, 2008 على الساعة 2:12 م
أثقل شيءٍ على الضمير الحيّ أن يتحمله؛ عندما يستشري الفساد في جهة ما أو في مجتمع ما لدرجة ان يصبح معتادا وشائعا، وتجد النفوس تتقبله بكل بلادة ولا تستنكره ، ويكون (الشرفاء) في هذه المنظومة النتنة من النشاز الذي لا محل له من الإعراب، لدرجة ان يصبحوا محل التندر والفكاهة!
اما فيم يتعلق الموضوع بالخدمات والصالح العام؛ فلا يوجد شيء في هذا الموضوع نسميه (سرا)..وقد فاحت روائح شممنا الفساد فيها، ورأينا سحب من دخان (الإختلاس). حتى أصبح الحديث فيها متنفسا للعامة وللأجانب بالأسماء والتفاصيل! ومادةً لنقاشات المجالس، وأحاديث يسير بها الركبان.
ومتى ما جعلنا (النظافة) تعاملنا و(النزاهة) ديدننا و(الشرف) شعارنا و(القرآن) منهجنا،عندها سنرتقي الى العلياء ويرفع الله عنا بلوانا.
ولي تدوينة بيّنت فيها بعض (الظهور) أو الاظهرة التي تحمي (الفساد).. فلكل فساد (ظهرٌ) يحميه..
http://eng-majed.maktoobblog.com/497358/%D9%84%D9%80_%28%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF%29_%D8%B8%D9%87%D8%B1%D9%8C_%D9%8A%D8%AD%D9%85%D9%8A%D9%87/
واختم تعليقي بـهذا الدعاء:
اللهم كما انه يوجد لـ( الفساد ) أرباب، ولـ(الاختلاس) ظهور تحميها، وتوفر لها ما يصوغها ويبررها، ولـ(المال الحرام) بطونٌ تكتنزها..
فكن انت يالله لـلفقراء والمظلومين والمساكين، تحميهم من مكايد شياطين الجنّ والانس..