مع إدوارد سعيد وصور المثقف 2 – صور المثقف

الخميس ، 7 مايو ، 2009
الكاتب : فهد الحازمي | تحت تصنيف: ثقافة ومجتمع، كتب واقتباسات

- وبدون المثقفين لم تشتعل أي ثورة رئيسية في التاريخ الحديث وفي المقابل لم تقم أي حركة مضادة للثورة بدون المثقفين.

- المثقف هو فرد له في المجتمع دور علني محدد لا يمكن تصغيره إلى مجرد مهني لا وجه له أو عضو كفء في طبقة ما لا يهتم إلا بأداء عمله.

- المثقف وهب ملكة عقلية لتوضيح رسالة أو وجهة نظر أو موقف أو فلسفة أو رأي أو تجسيد أي من هذه أو تبيانها بألفاظ واضحة ؛ لجمهور ما، وأيضاً نيابة عنه.

- ولا يمكن القيام بدور المثقف دون شعور المرء بأنه إنسان مهمته أن يطرح للمناقشة علناً أسئلة محرجة ويجابه المعتقد التقليدي والتصلب العقائدي.

- المثقف شخص ليس من السهل على الحكومات أو الشركات استيعابه، ومبرر وجود المثقف هو تمثيل كل تلك الفئات من الناس والقضايا التي تُنسى ويغفل أمرها على نحو روتيني.

- المثقفين أفراد عندهم الاستعداد الفطري لممارسة فن التعبير عما يمثلون، سواء كان ذلك قولاً أم كتابة أم تعليماً أن ظهوراً على التلفزيون. وذات الاستعداد هام إلى درجة أن من الممكن تمييزه على رؤوس الأشهاد، وينطوي هذا الاستعداد على الالتزام والمجازفة وعلى الجسارة وقابلية الخطأ على السواء.

- في الواقع أن الحكومات ما زالت تضطهد الشعوب على نحو واضح ، وسوء تطبيق العدالة ما زال يحدث، واستمالة القوة للمثقفين واحتواءهم ما زالا قادرين بفعالية على خفض أصواتهم ، وانحراف المثقفين عن مهمتهم لا يزال السمة السائدة في معظم الأحيان.

- ليس الغرض من تمثيلات المثقف، تقديم حصانة ذاتية لنفسه أو توفير مكانة مميزة له ، ولا يقصد بها في الدرجة الأولى توفير الخدمة في صفوف بيروقراطيات قوية ومع أرباب عمل كرماء . فالتمثيلات الفكرية هي النشاط بعينه ، وتعتمد على نوع من الوعي يكون مرتاباً وملتزماً ومكرساً على نحو مطرد لاستقصاء الأسباب منطقياً وإصدار الأحكام خلقياً ، الأمر الذي يؤدي إلى تدوين آراء المرء وتعريضه للخطر.

- السياسة هي المجال الذي يتحتم فيه ترميز التضامن والجهد الفكري. وإن لم يربط المفكر نفسه ذهنياً بقيمة الصدق في الكفاح السياسي، فلن يقدر على نحو مسؤول أن يكون على مستوى التجربة الحية بكاملها

- والمثقفون هم أبناء عصرهم تسوقهم السياسات الجماهيرية، ولا يقدرون على مقاومتها إلا بمنازعة صور السلطة ورواياتها الرسمية، وتبريراتها التي تروجها وسائل إعلام متزايدة الجبروت عبر توفيرهم عمليات كشف أقنعة أو روايات بديلة ، يحاول فيها المفكر قدر استطاعته أن يقول الحقيقة.

**

بدنا في الحلقة الماضية من اقتباسات صور المثقف -للمفكر العالمي إدوارد سعيد- بالتمهيد لمعنى المثقف ودوره بشكل عام جداً بدون طرح الإشكالات والمحكات ، وفي هذا الجزء من الاقتباسات سوف نبدأ أولى فصول الكتاب مع “صور المثقف” كما يراه أبرز الفلاسفة والمنظرين في الغرب. وقد اعتنيت بوضع الأسماء الانجليزية لكل من ترد أسماءهم بجانب الأحروف العربية بغرض إتاحة المجال لمن أحب أن يتوسع في البحث عنهم.

**

الفصل الأول

صــــور المثقــــــف

• هل المثقفون فئة كبيرة جداً من الناس؟ أم نخبة رفيعة المستوى ضئيلة العدد؟
ثمة تناقض بين اثنين من أشهر الأوصاف التي أطلقت على المثقفين خلال القرن العشرين.

[1-] فالماركسي الإيطالي انطونيو غرامشي Antonio Gramsci – المناضل الصحافي الفيلسوف السياسي الذي سجنه موسوليني بين 1926م-1937م  كتب في “دفاتر السجن” أن بإمكان المرء القول أن كل الناس مثقفون، لكن ليس لهم كلهم أن يؤدوا وظيفة المثقفين في المجتمع.

ويحاول غرامشي أن يظهر إمكانية تصنيف الذين يؤدون الوظيفة الفكرية في المجتمع إلى نوعين ، يضم أولهما المثقفين التقليديين، مثل المعلمين ورجال الدين والإداريين، ممن يواصلون أداء العمل نفسه من جيل إلى جيل. ويشمل ثانيهما المثقفين العُضْويّين، الذين اعتبرهم غرامشي مرتبطين على نحو مباشر بطبقات أو بمؤسسات تجارية تستخدم المثقفين لتنظيم المصالح واكتساب المزيد من القوة وزيادة السيطرة.

وفي عالم اليوم وفقاً لغرامشي يعتبر خبير الإعلام أو العلاقات العامة الذي يستنبط أساليب تضمن لمسحوق غسيل أو شركة طيران حصة أكبر من السوق، مثقفاً عضوياً. فهو إنسان يحاول، في مجتمع ديموقراطي، كسب موافقة الزبائن المحتملين، ونيل الاستحسان، وتوجيه رأي المستهلك أو الناخب. وكان غرامشي مؤمناً بأن المثقفين العضويين يشاركون في المجتمع بنشاط ما، أي أنهم يناضلون باستمرار لتغيير الآراء وتوسيع الأسواق، فالمثقفين العضويين هم دائمو التنقل دائمو التشكل على عكس المعلمين والكهنة الذين يبدون وكأنهم باقون في أماكنهم يؤدون نوع العمل ذاته عاماً بعد عام.

**

[2- ] وهنالك على الطرف النقيض ذلك التعريف الشهير من جوليان بندا للمثقفين بانهم عصبة صغيرة من الملوك- الفلاسفة، الذين يتحلون بالموهبة الاستثنائية وبالحس الأخلاقي الفذ ويشكلون ضمير البشرية.

ومع أنه لصحيح أن بحث بندا (خيانة المثقفين) عاش مع الأجيال اللاحقة بوصفه تهجماً لاذعاً على المثقفين الذين يتخلون عن رسالتهم ويعرضون مبادئهم للشبهة، أكثر منه تحليلاً منهجياً للحياة الفكرية، فإن بندا في الواقع يورد عدداً قليلاً من الأسماء وينوه بالمميزات الرئيسية لأولئك الذين اعتبرهم مثقفين حقيقيين. ويؤلف المثقفون الحقيقيون طبقة مثقفة ممن هم حقاً مخلوقات نادرة جداً، لأن ما يدعمونه ويدافعون عنه، وهي المعايير الأزلية للحق والعدل، ليست تحديداً من هذا العالم. ولهذا السبب اختار لهم بندا التعبير الديني “الاكليريكيين” تمييزاً في المنزلة والأداء، يطرح بندا هذا المفهوم دائماً ضد العوام ، أولئك الناس العاديين المهتمين بالفائدة المادية وبالتقدم الشخصي. وبإقامة علاقات وثيقة مع القوى العلمانية إذا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ويقول إن المثقفين الحقيقيين هم “الذين لا يهدف نشاطهم أساساً إلى تحقيق أغراض عملية، وكل الذين ينشدون السعادة في ممارسة فن ما أو علم ما، أو في تأملات ميتافيزيقية. أي، باختصار، في التحلي بمزايا غير مادية ومن هنا يقولون بطريقة ما (مملكتي ليست من هذا العالم) “.

غير أن أمثلة بندا تظهر بجلاء أنه لا يوافق على الفكرة القائلة بوجود مثقفين منفصلين كلياً عن العالم الواقعي ، منصرفين بكليتهم إلى الاهتمامات الخيالية مقيمين في أبراجهم عاجية، يعيشون في عزلة شديدة، ويكرسون حياتهم في الموضوعات المبهمة، وربما حتى للمسائل الباطنية. فالمثقفون الحقيقيون لا يكونون أبداً في أفضل حالاتهم النفسية إلا عندما تحركهم عاطفة ميتافيزيقة ومبادئ الحق والعدل النزيهة فيشجبون الفساد ويدافعون عن الضعيف ويتحدون السلطة المعيوبة القمعية.

وتكمن مشكلة مجموعة مثقفي هذه الأيام وفقاً لرأي بندا في أنهم تنازلوا عن سلطتهم الأخلاقية لمصلحة ما يسميه في تعبير تنبؤي “تنظيم العواطف الجماعية” مثل الروح الطائفية، والمشاعر الجماهيرية والعدوان القومي والمصالح الطبقية.

إذ يفترض بالمثقفين الحقيقيين، حسب تعريف بندا، تعريض أنفسهم لأخطار الحرق أو النبذ أو الصلب. فهم شخصيات بارزة رمزية، متميزة بابتعادها الراسخ عن الاهتمامات العملية. ولذلك، لا يمكن أن يكونوا كثيري العدد، كما أن من غير الممكن تنميتهم روتينياً. وعليهم أن يكونوا أفراداً مدققين، وذوي شخصيات جبارة. وأهم من ذلك كله ، يجب أن يكونوا في حالة معارضة شبه دائمة للوضع الراهن. ولهذه الأسباب مجتمعة يتحتم أن يكون مثقفي “بندا” حفنة ضئيلة، وبارزة على نحو جلي، من الرجال -وهو لا يشمل النساء أبداً- الذين يطلقون على الجنس البشري من عليائهم أصواتهم الجهيرة ولعناتهم الفضة. ولا يلمح بندا إطلاقاً إلى كيفية تمكن هؤلاء الرجال من معرفة الحقيقة أو إلى إمكانية ألا يكون إدراكهم المبهر للمبادئ الأزلية أكثر من مجرد تخيلات شخصية جامحة.

**

إن تحليل غرامشي الاجتماعي للمثقف ، كإنسان ينجز مجموعة معينة من الوظائف في المجتمع هو أقرب بكثير إلى الواقع من أي صفات يعطينا إياها بندا، وبخاصة في أواخر القرن العشرين، عندما ثبتت رؤية غرامشي ببروز مثل هذا العدد الكبير من المهن الجديدة – المذيعين ومحترفي العمل الأكاديمي و المحللين في مجال الكمبيوتر والمحامين المختصين بشون الرياضة و وسائل الإعلام والمستشارين الإداريين وخبراء السياسة ومستشاري الحكومة ومؤلفي التقارير التجارية المتخصصة والعاملين في مجال الصحافة الجماهيرية العصرية بكامله.
فكل من يعمل اليوم في أي حقل مرتبط بإنتاج المعرفة أو بنشرها هو مثقف ، حسب مفهوم غرامشي. وهاهي النسبة بين ما يسمى بصناعات المعرفة وتلك التي لها علاقة بالانتاج المادي الفعلي ترجح على نحو حاد في معظم المجتمعات الغربية الصناعية لمصلحة صناعات المعرفة.

وكان عالم الاجتماع الأمريكي ألفن غولدْنَر Alvin W Gouldner قال قبل بضع سنوات عن المثقفين إنهم الطبقة الجديدة، وإن المديرين المثقفين حلوا الآن تقريباً محل الطبقات القديمة ذات الأموال والممتلكات. لكنه قال أيضاً إن إحدى النتائج الجانبية لصعود المثقفين هي توقفهم عن كونهم أشخاصاً يخاطبون جمهوراً عريضاً ليصبحوا عوض ذلك أعضاء تلك التي دعاها ب” ثقافة الخطاب النقدي”. فكل مثقف كل محرر كتاب ومؤلف ومخطط عسكري ومحام يعمل على نطاق دولي يتكلم ويتعامل بلغة متخصصة ويستعلمها الأعضاء الآخرون في الميدان ذاته، أي أن الخبراء المتخصصين يخاطبون الخبراء المتخصصين الآخرين بلغة مشتركة لا يفهمها في معظمها الأشخاص غير المتخصصين.

وعلى نحو مماثل، قال الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو Michel Foucault إن من يسمى بالمثقف العالمي قد أخلى مكانه للمثقف الخصوصي، ذلك الذي يعمل في فرع معين من فروع المعرفة لكنه قادر على استخدام حذاقته بأي طريقة كانت.

**

واتسع نطاق انتشار المثقفين ليصل حتى إلى العدد الكثير جداً من الميادين التي أصبح فيها المثقفون موضوع دراسة – ربما تطبيقاً لطروحات غرامشي الرائدة في “دفاتر السجن” والتي رأت، لأول مرة تقريباً، أن المثقفين هم المحور لأعمال المجتمع العصري. وما عليك إلا أن تضع حرفاً مثل “عن” أو ” واو” قبل كلمة “المثقفون” أو بعدها، لتنتصب أمام عينيك على نحو شبه فوري مكتبة كاملة من الدراسات عن المثقفين مروعة جداً في مداها متناهية التركيز في تفاصيلها. فثمة آلاف من الدراسات التاريخية والاجتماعية المختلفة عن المثقفين ، إضافة إلى تفسيرات لا تنتهي عن المثقفين والقومية والسلطة والتقاليد والثورة وسيل لا ينقطع من الموضوعات الأخرى. وأنتجت كل منطقة في العالم مثقفيها ، وكل تشكيلة من تشكيلات المثقفين هذه تُناقش ويُجادل حولها بانفعال متّقد. وبدون المثقفين لم تشتعل أي ثورة رئيسية في التاريخ الحديث وفي المقابل لم تقم أي حركة مضادة للثورة بدون المثقفين. فهم آباء الحركات وأمهاتها وبالتأكيد أبناؤها وبناتها، وحتى أبناء الشقيقات وبناتهن.

**

المثقف هو فرد له في المجتمع دور علني محدد لا يمكن تصغيره إلى مجرد مهني لا وجه له أو عضو كفء في طبقة ما لا يهتم إلا بأداء عمله. فالحقيقة المركزية بالنسبة إليّ كما أعتقد أن المثقف وهب ملكة عقلية لتوضيح رسالة أو وجهة نظر أو موقف أو فلسفة أو رأي أو تجسيد أي من هذه أو تبيانها بألفاظ واضحة ؛ لجمهور ما وأيضاً نيابة عنه. ولهذا الدور محاذيره ولا يمكن القيام به دون شعور المرء بأنه إنسان مهمته أن يطرح علناً للمناقشة أسئلة محرجة ويجابه المعتقد التقليدي والتصلب العقائدي (بدل أن ينتجهما) ويكون شخصاً ليس من السهل على الحكومات أو الشركات استيعابه، وأن يكون مبرر وجوده تمثيل كل تلك الفئات من الناس والقضايا التي تُنسى ويغفل أمرها على نحو روتيني.

**

ولسوف أعبر عن هذا الأمر من منطلق شخصي فأقول : أنا كمثقف أعرض اهتماماتي أمام جمهور أو مجموعة من المؤيدين، إلا أن المسألة لا تقتصر فقط على كيفية تعبيري بوضوح عن هذه الاهتمامات، بل تتعداها أيضاً إلى ما أمثله أنا بنفسي كشخص يحاول تعزيز قضية الحرية والعدالة. فأنا أتحدث عن هذه الأفكار أو أكتبها لأنها -بعد طول تفكير- هي التي أؤمن بها، ولأنني أيضاً أريد إقناع الآخرين بوجهة النظر هذه. من هنا إذن هذا المزج المعقد بين العالم الخاص والآخر العام. فعندي تاريخي وقيمي وكتاباتي ومواقفي كما هي مستمدة من تجاربي من جهة، ومن الأخرى كيفية دخول هذه الخصوصيات كلها إلى العالم الاجتماعي حيث يتناقش الناس ويتخذون القرارات بشأن الحرب والحرية والعدالة. وعليه لا وجود البتة لمن يمكن وصفه بمثقف خاص. لأنك تدخل العالم العام منذ اللحظة التي تكتب كلماتك ثم تنشرها. كذلك لا يوجد مثقف عام فقط أي إنسان يعيش كمجرد رئيس صوري أو متحدث باسم أفراد أو هيئات أو رمزاً لقضية أو حركة أو موقف. فعلى الدوام ثم نبرة شخصية وحساسية خاصة، وهاتان السمتان هما اللتان تعطيان معنى لما يقال ويكتب. وأقل ما يجدر بالمثقف عمله أن يكون همه إرضاء جمهوره : فالعبرة الأساسية برمتها أن يكون محرِجاً ومناقِضاً بل حتى مكدراً للصفو العام.

**

والمثقف الذي يهمُّ في النهاية هو ذاك المتمتع بالصفة التمثيلية – إنسان يمثل بوضوح وجهة نظر ذات طبيعة ما، ويعبر بجلاء لجمهوره عن تلك الأفكار التي يمثلها ، برغم كل أنواع العوائق. وحجتي هي أن المثقفين أفراد عندهم الاستعداد الفطري لممارسة فن التعبير عما يمثلون، سواء كان ذلك قولاً أم كتابة أم تعليماً أن ظهوراً على التلفزيون. وذات الاستعداد هام إلى درجة أن من الممكن تمييزه على رؤوس الأشهاد، وأنه ينطوي على الالتزام والمجازفة وعلى الجسارة وقابلية الخطأ على السواء.

**

ويتضمن فيض الدراسات عن المثقفين أكثر بكثير مما ينبغي من التعريفات بالمثقف، لكن مخزونه غير كاف من حيث الصورة والبصمة والمداخلة الفاعلية والأداء، وهي التي تشكل القوام الفعلي لحياة كل مثقف حقيقي. إزايا برلين Isaiah Berlin يقول عن الكتاب الروس في القرن التاسع عشر، الذين كانوا متأثرين بالرومانتيكية الألمانية، إنهم جعلوا جماهيريهم تدارك أن المثقف يعتلي منبراً عاماً ويدلي بشهادته. وما زالت مسحة من تلك السجية أراها أنا للمثقف العصري.

ولهذا السبب فإننا حين نتذكر مثقفاً مثل سارتر ، نتذكر مباشرة تلك التصرفات الشخصية المميزة وذاك الاتجاه نحو المخاطرة الشخصية الهامة. كما تعود بنا الذاكرة إلى اللاتحفظ والصراحة في الجهد والمجازفة والميل إلى قول أشياء عن الاستعمار أو عن الالتزام أو عن الصراع الاجتماعي أغاظت خصومه وحفزت أصدقاءه على العمل، ولعلها أدت حتى إلى إحراجه شخصياً عندما أعاد النظر فيها لاحقاً. (…Wink وتعطي هذه التعقيدات ، التي لا تفقده إطلاقاً الأهلية ليكون مثققاً أو تحرمه هذا الامتياز ، صفة مميزة وتوازناً لما قاله ، وتكشف عنه كإنسان غير معصوم عن الخطأ ، لا كواعظ كئيب وأخلاقي.

**

إن الحياة العامة العصرية عندما ينظر إليها كرواية أو كمسرحية لا كتجارة أو مادة خام لدراسة اجتماعية هي التي تتيح لنا أن نرى ونفهم بأكبر قدر من اليسر كيف يكون المثقفون نموذجاً . ليس فقط لحركة سرية أو اجتماعية كبرى، وإنما لأسلوب حياة وأداء اجتماعي غريب الأطوار فعلاً ، بل خشن ، يتفردون به.

**

ومع ذلك لا نرى ستيفن حتى في رواة يوليسيس أكثر من شاب عنيد ومولع بالمعارضة. وأشد ما يدهش في عقيدته هو تأكيده الحرية الفكرية . وهذه مسألة رئيسية في أداء المثقف ، بما أن سرعة غضبه وإفراطه في حرمان الآخرين التمتع بالحياة نادراً ما يكونان كافيين كأهداف. فالغاية من نشاط المثقف هي إعلان شأن حرية الإنسان ومعرفته . وأعتقد أن هذا الأمر ما زال صحيحاً ، على رغم الزعم الذي كثيراً ما يتكرر بأن الروايات العظيمة عن التحرير والتنوير ، كما يصف الفيلسوف الفرنسي المعاصر ليوتار مثل هذه الطموحات البطولية المرتبطة بالعصر “الحديث” السابق، لم تعد رائجة في عصر ما بعد الحداثة . و وفقاً لوجهة النظر هذه ، استُعيض عن الروايات العظيمة بمواقف محلية ولعب لغوية ، بحيث أصبح اليوم مثقفوا ما بعد الحداثة يجلون الكفاءة لا القيم الإنسانية العامة مثل الحق أو الحرية. ولقد اعتقدت دوماً أن ليوتار وأتباعه يعترفون بما عندهم من أنواع العجز الكسول ، بل ربما أللا مبالاة ، بدلاً من أن يجروا تقييماً سليماً لمجموعة واسعة حقاً من الفرص المتاحة للمثقف، برغم ما تردده مدرسة ما بعد الحداثة. فالواقع أن الحكومات ما زالت تضطهد الشعوب على نحو واضح ، وسوء تطبيق العدالة ما زال يحدث، واستمالة القوة للمثقفين واحتواءهم ما زالا قادرين بفعالية على خفض أصواتهم ، وانحراف المثقفين عن مهمتهم لا يزال السمة السائدة في معظم الأحيان.

**

إن بازاروف وديدالوس ومورو متطرفون بالتأكيد لكنهم يخدمون وهذا ما تجيده إلى درجة فريدة روايات القرن التاسع عشر الواقعية البانورامية ، هدف إظهار المثقفين لنا كما يعملون ويتصرفون ، تحدق بهم مصاعب وإغراءات عدة ، فيحافظون على رسالتهم أو يخونونها، لا كمهمة ثابتة يمكن تعلمها نهائياً وعلى نحو حاسم من “علم نفسك بدون معلم” بل كتجربة ملموسة تتهددها باستمرار الحياة العصرية نفسها ، إذ ليس الغرض من تمثيلات المثقف، أي قدراته على التعبير بفصاحة عن قضية أو فكرة ما للمجتمع ، تقديم حصانة ذاتية لنفسه أو توفير مكانة مميزة له ، ولا يقصد بهافي الدرجة الأولى توفير الخدمة في صفوف بيروقراطيات قوية ومع أرباب عمل كرماء . فالتمثيلات الفكرية هي النشاط بعينه ، وتعتمد على نوع من الوعي يكون مرتاباً وملتزماً ومكرساً على نحو مطرد لاستقصاء الأسباب منطقياً وإصدار الأحكام خلقياً ، الأمر الذي يؤدي إلى تدوين آراء المرء وتعريضه للخطر. وثمة سمتان حيويتان للنشاط الفكري هنا معرفة كيفية استعمال اللغة جيداً ومعرفة زمان التدخل في اللغة.

**

• ماذا يمثل المثقف اليوم ؟

إن أحد أفضل الأجوبة عن هذا السؤال وأكثرها أمانة في إعتقادي صدر عن عالم الاجتماع الأمريكي سي رايت ميلز C Wright Mills وهو مفكر متطرف في استقلاليته ذو رؤية اجتماعية متقدة وقدرة عقلية لافتة للنظر على توصيل أفكاره بأسلوب نثري واضح المعالم ومقنع. فقد كتب في عام ١٩٤٤ أن المثقفين المستقلين كانوا يواجهون إما بشعور قانط بالعجز نتيجة هامشيتهم ، وإما بخيار الالتحاق بصفوف المؤسسات أو الشركات أو الحكومات كأعضاء في مجموعة قليلة العدد نسبياً من الطالعين على بواطن الأمور ، الذين يتخذون قرارات هامة من دون مراقبة من غير شعور بالمسؤولية. والحل في هذه الحالة لا يكمن في التحول إلى وكيل (مأجور) لإحدى صناعات المعلومات، لأن التوصل إلى علاقة بالجماهير كتلك التي أقامها طوم باين ستكون بالتالي مستحيلة.

وخلاصة القول إن “وسائل الاتصال الفعال” وهي عملة المثقف ، تجري مصادرتها مما يترك للمثقف المستقبل مهمة رئيسية واحدة يعبر عنها ميلز على النحو التالي : ( إن الفنان والمثقف المستقلين هما في عداد الشخصيات القليلة الباقية المجهزة لكي تقاوم ولكي تحارب تعرُّض أفكار حية حقاً إلى قولبة جامدة وبالتالي إلى الموت. ويتضمن الإدراك الحسي الجديد حالياً القدرة على العمل باستمرار لفضح التعميمات المتحيزة ذات النمط الثابت عن الرؤية والفكر، ولتحطيم هذه التعميمات التي تغرقنا بها وسائل الاتصال الحديثة. ولأن عالمي الفن الجماهيري والفكر الجماهيري هذين يُكيَّفان أكثر فأكثر لتلبية متطلبات السياسة، تصبح السياسة المجال الذي يتحتم فيه ترميز التضامن والجهد الفكري. وإن لم يربط المفكر نفسه ذهنياً بقيمة الصدق في الكفاح السياسي، فلن يقدر على نحو مسؤول أن يكون على مستوى التجربة الحية بكاملها).اهـ

تستحق هذه الفقرة أن تُقرأ وأن تعاد قراءتها، لأنها مليئة بتوكيدات ومعالم مرشدة هامة . فالسياسة هي في كل مكان ، ولا منجاة منها بالفرار إلى عالمي الفن الصافي والفكر النقي، أو حتى إلى عالم الموضوعية النزيهة أو النظرية المتسامية. والمثقفون هم أبناء عصرهم تسوقهم معها السياسات الجماهيرية للنزعات التمثيلية المتجسدة في صناعة المعلومات أو الإعلام، ولا يقدرون على مقاومتها إلا بمنازعة صور السلطة ورواياتها الرسمية، وتبريراتها التي تروجها وسائل إعلام متزايدة الجبروت – وليس فقط وسائل إعلام بل اتجاهات فكرية بكاملها تحافظ على الوضع الراهن ، وتبقي الأمور ضمن منظور للفعل مقبول ومُجاز – عبر توفيرهم ما يسميه ميلز عمليات كشف أقنعة أو روايات بديلة ، يحاول فيها المفكر قدر استطاعته أن يقول الحقيقة.
وما أبعد هذه المهمة عن السهولة فالمثقف دائماً يعيش بين الانعزال والانحياز… .

**

ونقطة سي رايت ميلز الأساسية هي التعارض بين الجمهور والفرد ، إذ أن ثمة تضارباً متأصلاً بين قوى المنظمات الكبرى ، من الحكومات إلى المؤسسات ، وبين الضعف النسبي لا للأفراد فحسب، بل وأيضاً لأناس يعتبرون ذوي منزلة ثانوية وللأقليات وللشعوب والدول الصغيرة وللحضارات والأعراق الأقل شأنا . وليس في ذهني أي مجال للشك في أن المثقف الذي لربما يقول بعضهم أنه مثل روبن هود، مؤهل للتوحد مع الضعفاء ومن لا ممثل لهم. ومع ذلك ، فإن دوره ليس بتلك البساطة ولا يمكن بالتالي صرف النظر عنه بسهولة وكأنه مجرد تمثيلية رومنتيكية. وجوهر الأمر أن المثقف حسب مفهومي للكلمة لا هو عنصر تهدئة ولا هو خالق إجماع ، وإنما إنسان يراهن بكينونته كلها على حس نقدي، على الإحساس بأنه على غير استعداد للقبول بالصيغ السهلة أو الأفكار المبتذلة الجاهزة ، أو التأكيدات المتملقة والدائمة المجاملة لما يريد الأقوياء والتقليديون قوله، ولما يفعلونه. ويجب ألا يكون عدم الاستعداد هذا مجرد رفض مستتر هامد ، بل أن يكون رغبة تلقائية نشطة في الإفصاح عن ذلك علناً.

ولا يعني هذا الأمر أن يكون المثقف ناقداً لسياسة الحكومة، بل أن يرى في المهنة الفكرية حفاظاً على حالة من اليقظة المتواصلة ومن الرغبة الدائمة في عدم السماح لأنصاف الحقائق والأفكار التقليدية بأن تُسيّر المرء معها. وينطوي على ذلك واقعية ثابتة وطاقة عقلية أشبه بالطاقة الجسدية اللازمة لممارسة الرياضات البدنية الشاقة، وكفاح عسير لإقامة توازن بين مشاكل الفردية الذاتية وبين متطلبات النشر والتحدث جهاراً في العالم العام ، وهذا ما يجعلها جهداً أبدياً، غير منجز تكوينياً، وبالضرورة غير تام. ومع ذلك فإن محفزاتها وتعقيداتها بالنسبة إلي أنا على الأقل، تغني المرء فكرياً، ولو أنها لا تجعله يحظى بشعبية واسعة.

.

تحديث ١ :

الكتاب هو من ترجمة الأستاذ غسان غصن من إصدار دار النهار، لبنان، 1996 م ، وهي الترجمة الأولى والقانونية لهذا الكتاب.

مواضيع ذات علاقة:

إقرأ المزيد عن: ,

عدد التعليقات : 7 في “مع إدوارد سعيد وصور المثقف 2 – صور المثقف”

  1. حسن الحازمي علٌق:

    مايو 7 th, 2009 على الساعة 5:26 م

    جهد مشكور

    يجعلني انتظر الجزء الثاني بشوق كبير

    بورك قلمك اخي العزيز

  2. نوفه علٌق:

    مايو 7 th, 2009 على الساعة 9:34 م

    يعطيك ألف عافية رغم ان الإطالة أشعرتني بالملل لهذا أقترحت عليكم سابقاً التقسيم

    لأن المقالة ثقيلة الدسم و لكنها رائعه جداً فبارك الله فيك

    أستفدت منها حقيقة كوني أبحث عن تعريف عام للمثقف و لكن يبدو أن لا تعريف محدد للمثقف

    و على حسب ما فهمت المثقف هو من يحمل هم أو قضية أو شأن عام لا وجود لرغباته الخاصه

    فيها و لكن هل حينما يكون الإنسان حاملاً لهم قضايا معينه من أجل رغبات لديه لا يطلق عليه

    مثقف أرجو الإفادة أخي و شكراً Smile

  3. فهد الحازمي علٌق:

    مايو 8 th, 2009 على الساعة 10:21 م

    @ حسن الحازمي : حياك الله..

    @ نوفه : بإمكانك الاحتفاظ بالمقالة وقراءتها على مهل في فترات متقطعة ، لأني لا يمكن أن أقسمها أكثر من هذ المقدار ، فكل فصل يحمل فكرة موحدة.
    وعن تعريف المثقف الصحيح، فيجب أن ننتظر حتى ننهي الأجزاء كاملة، فتكون الصورة أوضح بكثير، وسنتحدث بعدها بحرية ومعرفة.
    أخشى أن نتحدث عن أمور ستأتي أصلاً ضمن المقالات القادمة

    تحياتي لك.

  4. طارق المبارك علٌق:

    مايو 13 th, 2009 على الساعة 1:53 م

    تحياتي لجهدك الرائع
    تركيز ادوارد السعيد الدائم على صورة المثقف كناقد للسلطة،اي سلطة،سلطة دولة او مؤسسة أو سلطة معرفة ما،هو تريكز هام جدا
    اذ ان مهمة المثقف هو الاستدراك دوما على الانحراف عن قيم الإنسان الأولية،هذا الإنحراف الذي هو من طبيعة السلطة ايا كانت،انظر على توكيده المتكرر فيما نقلت من نصوص
    “فالتمثيلات الفكرية هي النشاط بعينه ، وتعتمد على نوع من الوعي يكون مرتاباً وملتزماً ومكرساً على نحو مطرد لاستقصاء الأسباب منطقياً وإصدار الأحكام خلقياً ، الأمر الذي يؤدي إلى تدوين آراء المرء وتعريضه للخطر”
    إذ ان المثقف دوما يمثل سلطة أخلاقية لاغير،فهو مرتاب دوما ليقوم بمهتمه وبيقظة
    او كما ينقل عن بندا “وأهم من ذلك كله ، يجب أن يكونوا في حالة معارضة شبه دائمة للوضع الراهن”
    “إنسان مهمته أن يطرح علناً للمناقشة أسئلة محرجة ويجابه المعتقد التقليدي”
    “وأقل ما يجدر بالمثقف عمله أن يكون همه إرضاء جمهوره : فالعبرة الأساسية برمتها أن يكون محرِجاً ومناقِضاً بل حتى مكدراً للصفو العام”
    وهو ممثل للجمهور بما يتعلق بالقيم،ولا يقوم ابدا بارضاء هذا الجمهور

    والفكرة الثانية التي شدتني هنا : هي في الإقتباس التالي حينما تحدث عن اخطاء سارتر “وتعطي هذه التعقيدات ، التي لا تفقده إطلاقاً الأهلية ليكون مثققاً أو تحرمه هذا الامتياز ، صفة مميزة وتوازناً لما قاله ، وتكشف عنه كإنسان غير معصوم عن الخطأ ، لا كواعظ كئيب وأخلاقي”
    فالجسارة على قول ما يحتمل الخطأ في وجه السلطة أو المؤسسة أو الجمهور هو مؤشر على ان المثقف معني بالتغيير،اذ ان مقابل ذلك(مقابل جسارة القول المحتمل الخطأ) هو الترديد وإعادة الإنتاج لما هومقبول،وهذا الترديد محاولة للانسجام اكثر منها محاولة للالتصاق بالقيم وتغيير الواقع بناء عليها..

  5. انور الحازمي علٌق:

    مايو 23 rd, 2009 على الساعة 2:28 م

    عزيزي فهد ، والله فاتح الموضوع من ٤ ايام على الفيرفوكس، وكلما دخلت النت ، ضعت مع ال rss وأجلت قرائتك، لأن مثل هذه المواضيع تحتاج صفاء ذهني..
    وداعاً الى ان يأتي الصفاء Smile

  6. مع إدوارد سعيد وصور المثقف 4 - المنفى الفكري: مغتربون وهامشيون | سَمْ وَن علٌق:

    سبتمبر 2 nd, 2009 على الساعة 12:23 ص

    [...] سعيد ، ثم بدأنا باقتباسات من مقدمة الكتاب وأتبعناها بالفصل الأول تحت عنوان “صور المثقف” ثم الفصل الثاني عن “القضاء على هيمنة الأمم [...]

  7. مع إدوارد سعيد وصور المثقف 6 – قول الحق في وجه السلطة | سَمْ وَن علٌق:

    نوفمبر 20 th, 2009 على الساعة 3:48 ص

    [...] ثم بدأنا باقتباسات مقدمة الكتاب ، وبعد ذلك تحدثنا عن الفصل الأول عن صور المثقف بشكل عام، وبعد ذلك تحدثنا عن القضاء على هيمنة الأمم [...]

وأنت... ما رأيك ؟

Click to Insert Smiley

SmileBig SmileGrinLaughLOLFrownBig FrownWinkKissRazzAngelAngryReally AngryConfusedNeutralThinkingChicCoolNerdSillyDrunken RazzMad RazzEvil GrinMeanPissed OffReally PissedCurseShoutGrit TeethCryWeepSide FrownWiltSmugDisdainRoll EyesSarcasmLoserTalk to the HandShyBeat UpPainShameBeautyBlushCuteLashesKissingKiss BlowKissedHeh!SmirkSnickerGiggleIn LoveDroolEek!ShockSickSuspenseTrembleDazedHypnotizedFoot in MouthMoney MouthQuietShut MouthDOH!IDKQuestionLyingStruggleSweatStopByeGo AwayWavingTime OutCall MeOn the PhoneMeetingSecretHandshakeHigh FiveHug LeftHug RightClapDanceJumpFingers CrossedVictoryYawnSleepyPrayWorshipWaitingAlienClownCowboyCyclopsDevilDoctorFemale FighterMale FighterMohawkMusicPartyPirateSkywalkerSnowmanSoldierGhostSkeletonEatStarvingVampireZombie KillerBunnyCatCat 2ChickChickenChicken 2CowCow 2DogDog 2DuckGoatHippoKoalaLionMonkeyMonkey 2MousePandaPigPig 2SheepSheep 2ReindeerSnailTigerTurtleFemaleMaleHeartBroken HeartRoseDead RosePeaceYin YangUS FlagMoonStarSunCloudyRainThunderUmbrellaRainbowMusic NoteYesNoAirplaneCarIslandAnnouncebrbBeerDrinkLiquorCakeCoffeePizzaWatermelonBowlPlateCanMailCellPhoneCameraFilmTVClockLampSearchCoinsComputerConsolePresentSoccerCloverPumpkinBombHammerKnifeHandcuffsPillPoopCigarette