مع إدوارد سعيد وصور المثقف 1 – مقدمة الكتاب
الأربعاء ، 15 أبريل ، 2009- إحدى مهام المثقف هو بذل الجهد لتهشيم الآراء المقولبة والمقولات التصغيرية التي تحد كثيراً من الفكر الإنساني والاتصال الفكري.
- المثقفون هم تلك الشخصيات التي لا يمكن التكهن بأدائها العلني أو إخضاع تصرفها لشعار ما أو خط حزبي تقليدي أو عقيدة جازمة ثابتة.
- ويعني تبني القيم الأشمل، إقداماً على المجازفة في سبيل تجاوز اليقينيّات السهلة التي توفرها لنا خلفيتنا ولغتنا وقوميتنا ، وهذه كثيراً ما تحجب عنا واقع الآخرين.
- ليست هنالك آلهة يعبدها المثقف العلماني الحق ويستلهمها هدياً ثابتاً لا يتزعزع!
- إن ما تمثله الحياة الفكرية من تشويق وتحد يتوفر بالخروج على الوضع الراهن ، في زمن يبدو فيه الكفاح في سبيل الجماعات المحرومة وذات التمثيل غير الملائم راجحاً ضدها على نحو جائر.
- يميل المثقفون الذين لا مناصب لهم، إلى السخرية من الذات ولا يلجأون كثيراً إلى التباهي، والصراحة تغلب عندهم على المراوغة والمواربة.
- مثل هذه الأفكار التي يمثلها المفكرون لن تجعلهم أصدقاء لذوي المراكز الرفيعة ولن تكسبهم الحفاوة والتكريم من الرسميين.
بعد أن مهّدنا لهذه الاقتباسات الشاملة من كتاب صور المثقف بمقدمة موجزة عن إدوارد سعيد وفكره وأنشطته، نبدأ بعون الله في اقتباسات الكتاب، وأنا أتمنى أن تكون الاقتباسات نوعية، تثير الأسئلة والأفكار . وحرصاً على ذلك فقد قللت من المقدار المطروح لكل حلقة اقتباسات، وجعلها بحسب الفصول لكي تتكامل الأفكار مع بعضها البعض. وبلا شك سنكون سعداء جداً بإطروحاتكم وإضافاتكم على الأفكار. فإلى تمهيد الكتاب :
**
إحدى مهام المثقف هو بذل الجهد لتهشيم الآراء المقولبة والمقولات التصغيرية التي تحد كثيراً من الفكر الإنساني والاتصال الفكري.
**
وفي الواقع فإن المحاولة في هذه المحاضرات هي للتحدث عن المثقفين بوصفهم ،على وجه التحديد، تلك الشخصيات التي لا يمكن التكهن بأدائها العلني أو إخضاع تصرفها لشعار ما أو خط حزبي تقليدي أو عقيدة جازمة ثابتة.
**
ولاشيء يشوه الأداء العلني للمثقف أكثر من تغيير الآراء تبعاً للظروف، والتزام الصمت الحذر والتبجح الوطني والردة المتأخرة التي تصور نفسها بأسلوب مسرحي.
**
أما بالنسبة إليّ ، فالمثقف يحتكم إلى أوسع جمهور ممكن ، مكوَّناً من أنصار طبيعين له (بدل أن يشجبه بقوة). والمشكلة التي يواجهها المثقف ليست كامنة في المجتمع الجماهيري ككل ، مثلما يناقش كاري ، بقدر ماهي ناجمة عن أولئك المطلعين على بواطن الأمور ، والخبراء ، والزُّمر، والمحترفين ، الذين يقولبون الرأي العام، ويجعلونه ممتثلاً ويشجعون الاعتماد على عصبة صغيرة متفوقة من أهل السلطة المدعين معرفة كل شيء ، منتهجين الأساليب ذاتها التي حددها المحلل السياسي وولتر ليبمان في وقت سابق من هذا القرن.
**
نحن كلنا نعيش في مجتمع ، وننتمي إلى قومية لها لغتها وتقاليدها و وضعيتها التاريخية الخاصة بها. فإلى أي مدى يكون المثقفون خدام هذه الواقعيات؟ وإلى أي مدى يكونون أعداءها؟ ويصح القول ذاته في علاقة المثقفين بالمؤسسات (الأكاديميا، الكنسية، النقابة المهنية) وبالقوى الدنيوية، التي اختارت في أيامنا هذه، ضم الصفوة من المثقفين إليها على نحو غير عادي. ونتائج ذلك كما عبر ولفرد أوين أن (الكتبة على كل الناس يتهجمون / وللدولة بولائهم يزعقون) . وفي رأيي، إذن، أن الواجب الفكري الأساسي هو البحث عن تحرر نسبي من مثل هذه الضغوط . ومن هنا كان تصويري للمثقف كمنفي وهامشي وهاو، وخالق لغة تحاول قول الحق للسلطة.
**
ويعني تبني القيم الأشمل إقداماً على المجازفة في سبيل تجاوز اليقينيّات السهلة التي توفرها لنا خلفيتنا ولغتنا وقوميتنا ، وهذه كثيراً ما تحجب عنا واقع الآخرين. كما تعني البحث عن معيار واحد للسلوك البشري ومحاولة الحفاظ عليه، عندما يتعلق الأمر بمسائل مثل السياسة الخارجية والاجتماعية. ويتحتم علينا بالتالي ، إن كنا ندين عملاً عدوانياً يقوم به عدو دونما أي مبرر ، أن نقدر أيضاً على اتخاذ الموقف عينه عندما تنتهك حكومتنا حُرمة فريق أضعف. ومثلما لا توجد أي قواعد يتمكن المثقفون بموجبها من معرفة ما سيقولونه أو يفعلونه . كذلك ليست هنالك آلهة يعبدها المثقف العلماني الحق ويستلهمها هدياً ثابتاً لا يتزعزع (*).
وفي مثل هذه الظروف لا تكون الساحة الاجتماعية متنوعة فحسب، بل وأيضاً متشعبة المسالك مما يجعل الحركة صعبة.
**
وعندما أكدت على دور المثقف كغير منتم ، كان في ذهني مدى العجز الذي غالباً ما يشعر به المرء في مواجهة شبكة ذات قوة ساحقة من السلطات الاجتماعية – وسائل الإعلام، والحكومة ، والشركات، وما إلى ذلك- التي لا تترك مكاناً لاحتمالات إنجاز أي تغيير. كما أن تعمد عدم الانتماء إلى هذه السلطات يعني ، من أوجه عدة ، عدم القدرة على إحداث تغيير مباشر، لا.. بل الاقتصار على دور شاهد يشهد على أمر مرعب لم يكن ليُسجل لولاه.
**
ليس ثمة شك يذكر في أن شخصيات مثل بولدوين ومالكوم اكس، توضح نوع العمل الذي كان له أكبر الأثر على الصورة التي أراها أنا لوعي المثقف. فالروح الكامنة في المعارضة -لا في المجاملة- هي التي تستحوذ عليّ ، لأن ما تمثله الحياة الفكرية من تشويق وتحد يتوفر بالخروج على الوضع الراهن ، في زمن يبدو فيه الكفاح في سبيل الجماعات المحرومة وذات التمثيل غير الملائم راجحاً ضدها على نحو جائر.
وزادت خلفيتي الفلسطينية من حدة هذا الشعور. ففي كل يوم تتعمق الهوة في الغرب وفي العالم العربي على السواء بين الموسر والمعوز ، كاشفة لدى المثقفين في مراكز السلطة لامبالاة متعالية تثير الاشمئزاز حقاً. وهل من أمر أقل جاذبية وأقل صدقاً الآن من فرضية فوكوياما (نهاية التاريخ) و وصف ليورتارد لـ (اختفاء الروايات العظيمة) بعد أن كانا البدعة السائدة قبل أعوام قليلة ؟ ويصح القول ذاته في الذرائعيين والواقعيين المتصلبين الذين لفقوا قصصاً منافية للعقل مثل النظام العالمي الجديد أو “صراع الحضارات”.
**
مراقبة شؤون عامة و هي في حالة يرثى لها ، بينما المرء خارج السلطة، ليست على الإطلاق نشاطاً رتيباً لا يرى إلا لوناً واحداً، بل تقتضي ضمناً ما أسماه فوكو “معرفة واسعة لا تكل” تنقب عن مصادر بديلة وتخرج الوثائق من ظلمات قبورها ، وتحيي مؤلفات في التاريخ نسيت (أو تقرر التخلي عنها). كما تستلزم هذه المراقبة حساً، كذاك المتوافر عند القادر على تحريك العواطف ، وعند العاصي المتمرد ، بحيث يستفيد المرء إلى حد بعيد من الفرص النادرة المتاحة للكلام ، ويستحوذ على انتباه الجمهور ، ويتفوق على منافسيه في سرعة الخاطر والمناظرة . وثمة أمر مقلق على نحو جوهري لدى المثقفين الذين لا مناصب لهم يحملونها ولا مناطق نفوذ يعززونها ويحرسونها ، ولذا فهم يميلون إلى السخرية من الذات ولا يلجأون كثيراً إلى التباهي، والصراحة تغلب عندهم على المراوغة والمواربة. لكن لا مجال لتفادي واقع لا مفر منه، وهو أن مثل هذه الأفكار التي يمثلها المفكرون لن تجعلهم أصدقاء لذوي المراكز الرفيعة ولن تكسبهم الحفاوة والتكريم من الرسميين. نعم ، إنها لحالة من الوحدانية الموحشة لكنها دائماً الأفضل من تحمل الأمور على علاتها رغبة في مسايرة الجموع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) حينما يتحدث إدوارد سعيد عن الآلهة في هذا الكتاب، ففي العادة يكون المقصود بها هو الآلهة الايديولوجية وهي المفاهيم التي يعتنقها المثقف لحد العبادة والانصياع التام لها، سواء كانت سياسية أو فكرية أو اجتماعية. كما نجد ذلك واضحاً في الفصل الأخير المعنون بقوله “آلهة تفشل دائماً”. وليس المقصود هو الخالق جل جلاله.
.
تحديث ١ :
الكتاب هو من ترجمة الأستاذ غسان غصن من إصدار دار النهار، لبنان، 1996 م ، وهي الترجمة الأولى والقانونية لهذا الكتاب.
نوفه علٌق:
أبريل 16 th, 2009 على الساعة 6:32 ص
لي عودة لم أكتفي من القراءة و لكن سؤال يخطر على بالي دائماً
ما هو تعريف المثقف و هل عرفة أدوارد سعيد ..؟!!
انور الحازمي علٌق:
أبريل 16 th, 2009 على الساعة 8:08 م
متابع معك على طول الخط
اذكر ان هذا الكتاب الأسود الصغير الذي اظن انه على شكل حلقات في الإذاعة، ارهقني كثيراً في فهم امور غامضة خصوصاً انه يعود كثيراً لأعمال ادبية ويوظف شخصياتها الرمزية كأدوات استشهاد… كنت انوي ان اعيد قراءته قريباً لكنني سأرجيء قراءته لأنك اخترت الطريق الأصعب.
شكراً اخ فهد
فهد الحازمي علٌق:
أبريل 17 th, 2009 على الساعة 3:12 م
@ نوفة : في الحقيقة ستعرفين المثقف من خلال الأجزاء القادمة بشكل أوضح. فقط اقرأي كل الاقتباسات.
@ أنور : فعلاً كان يستشهد بالكثير من الروايات ويوضح من خلالها أفكاره، وهذا يدل على مكانة الروايات والقصص في توضيح الافكار العميقة، وأنا طبعاً في اقتباساتي قد تجاوزتها كلها وجبت الزبدة مباشرة مما يقصده بسرد كل تلك الروايات والقصص.
وأتمنى أن أكون وفقت في هذا.
مرتضى علٌق:
أبريل 23 rd, 2009 على الساعة 11:51 م
فهد ،،ايها المدون الرائع!
اعجبتني جداً المدونة …
اما بشأن الموضوع فلي عودة مطولة لأني قرأت عدة كتب لأدوارد سعيد بشأن المثقف ودوره وابعاده في المجتمع!
لدي تعقيب بسيط وهو الاتي :
يوجد فرق بين المثقف التقليدي والمثقف الأصلي ..
ما أعنيه بذلك هو ان هنالك مثقفين يقومون بدور الترجمة فقط .. او بالمعنى الأصح يقومون بدور التوضيح أو دور أعادة الحديث او الثقافة بطريقة أخرى للمجتمع وهذه الشريحة تكثر في مجتمعنا..
أما بشأن المثقف الأصلي .. وهو المثقف الذي يكون باعث للثقافة ..مكون للفكر .. فهو لا يقوم بترجمة الفكرة بل يقوم بأنشائها من العدم .. وهذا مانفتقده ياعزيزي ..
لي عودة ..
بالمناسبة ..انا متابع لكتاباتك لفترة طويلة
طويلة جداً
فهد الحازمي علٌق:
أبريل 24 th, 2009 على الساعة 1:37 ص
@ مرتضى : حياك الله يا أخي الكريم، وأنا أسعد في الحقيقة بأن أمثالك يتابعون مدونة متواضعة كهذه. لكن هذا جهد المقل ونسأل الله السداد.
بشأن ما ذكرته فهو فعلاً مهم ، ويجب أن نقر بأنه مع تقدم الزمن يضيق الأمر بالشريحة الحقيقية (منتجي الأفكار) وتزيد فئة معيدي إنتاج الأفكار والنظريات بشكل أو بآخر. وهذا ما يمثل تحدياً للمثقف الذي يصر على أن يكون حقيقاً منتجاً ومؤثراً.
يعني أنا قبل فترة قرأت مقالاً بصحيفة الوطن للنابلسي يتحدث فيه عن دور المثقف ، وأنا بعد قراءتي للمقال تساءلت وقلت ألم يكتب إدوارد سعيد هذه الأفكار نفسها (بالضبط) قبل حوالي ١٧ عاماً (١٩٩١) ؟؟
فعلاً هنا يبدو الفرق . وشكراً للسيد قوقل الذي أتاح لنا اختبار المثقف الحقيقي من المثقف البسيط!!
تحياتي لك أخي مرتضى..
ميس علٌق:
مايو 2 nd, 2009 على الساعة 1:27 ص
مدونتك رائعة أخ فهد .. عثرت عليها بالصدفة ! وسأظل من المتابعين لها
موفق
مع إدوارد سعيد وصور المثقف - اقتباسات 2 | s o m e o n e علٌق:
مايو 7 th, 2009 على الساعة 1:10 ص
[...] في الحلقة الماضية من اقتباسات صور المثقف -للمفكر العالمي إدوارد سعيد- بالتمهيد لمعنى المثقف [...]
حسن الحازمي علٌق:
يونيو 22 nd, 2009 على الساعة 5:26 م
“لاشيء يشوه الأداء العلني للمثقف أكثر من تغيير الآراء تبعاً للظروف”
هذا اذا لم يكن تغير الظروف ادى الى تغير ما بنى عليه المثقف موقفه وإلا لأصبح المثقف كائنا متحجرا
بارك الله فيك
مع إدوارد سعيد وصور المثقف 6 - قول الحق في وجه السلطة | سَمْ وَن علٌق:
سبتمبر 2 nd, 2009 على الساعة 12:25 ص
[...] عن تمهيد عن الكتاب وعن إدوارد سعيد، ثم بدأنا باقتباسات مقدمة الكتاب ، وبعد ذلك تحدثنا عن الفصل الأول عن صور المثقف بشكل [...]
غسّان غصن علٌق:
نوفمبر 20 th, 2009 على الساعة 2:08 ص
الأستاذ الفاضل فهد الحازمي
تحيّة ثقافية
قادَني البحثُ اليومَ إلى ما تنشره هنا، “مع إدوارد سعيد وصور المثقف”؛ وأرى في هذا النَّقل خطأَيْنِ كبيرَين:
1- تنقُل جزءًا كبيرًا من الكتاب، وهذا ما لا تسمح به قوانينُ حماية المِلكية الفكرية.
2- لا تُزعج نفسَك بإضافة ما يَجدر بكَ أن تُضيفه، أَلا وهو أنّ ما تَنقله هو من ترجمة غسّان غصن (الأولى والقانونية لكتاب ادوارد سعيد، “صُوَر المثقَّف”، دار النهار، لبنان، 1996) -صدرَت بعدَ ذلك ترجمتان، لن أُعلِّق على قانونيّتهما أو جدارتهما
أتمنّى عليكَ تصحيحَ الأمر، مع الإشارة الواضحة والصريحة إلى الترجمة واسم المترجِم
تقديري ومَوّدّتي
غسّان غصن
المُنصِف – لبنان