“لماذا لا يجب أن يكون لنتائج العلم انعكاس على إدارة الحياة الاجتماعية”

4 يونيو, 2013 ✍

عنوان التدوينة هي سؤال وجهه لي الأستاذ عبد الله المطيري عبر تويتر، مستفسراً عن الفقرة الأخيرة في تدوينتي حول وجود الإرادة الحُرة. وللإجابة عن هذا السؤال بإيجاز أقول:

هناك مسافة شاسعة بين العِلم بوصفه حقائق موضوعية تماماً، وبين المجتمع بوصفه مجال يختلط فيه كل شيء بما فيها الدوافع الذاتية والحقائق الموضوعية. فمحاولة الانتقال بالنتائج من مجال العلم إلى مجال الحياة الاجتماعية تتطلب أن تكون الحقيقة مؤكدة بالمعنى الحرفي، وهذا يستحيل في غير العلوم البحتة -كما هو معروف في فلسفة العلوم- لأن الإثبات في هذه الحالة يكون عبر استقراء الحوادث، وهي عملية يتخللها جزء من الشك -ولابد- ولايمكن أن يُتوصل منها إلى حقائق صارمة. خلاف طريقة الإثبات في الرياضيات مثلاً. فهنا يجب أن تُعاد صيغة السؤال لتصبح “لماذا لا يجب أن يكون لنتائج العِلم غير الصارمة انعكاس على إدارة الحياة الاجتماعية ؟”

كثيراً ما يواجه علماء الأحياء الاجتماعية بالاتهام بأنهم مؤدلجون، وبأن نظرياتهم العلمية كثيراً ما تسعى لتبرير الجرائم التي عادة ما يرتكبها الرجل. وذلك عبر ادعائهم بأن الاغتصاب على سبيل المثال يعود إلى مكوّن جيني طبيعي، وبالتالي فالمُغتصب ليس مسؤولاً تماماً عن أفعاله قدر ماهو مُبرمج على فعل ذلك والاستجابة لدوافعه الجينية. وهكذا على منفصمي الشخصيات ومرتكبي الجرائم وغيرهم وربما يسقط الأمر على وولف سينجر الذي قفز بفرضية وهم الإرادة الحُرة إلى المجتمع ليجعل من الجريمة عملية آلية وليست نابعة من إرادة ومسؤولية المجرم. فكل هذا يبدو حجة قوية لتعطيل تقدم البحث العلمي، وقد يصبح تهديداً لكثير من العلماء أو المهتمين بالعلم حتى لا يعلنوا نتائجهم التي قد تصادم المجتمع حتى لا يُواجهوا بمثل هذه التهم.

أقف إلى جانب العِلم بدون شك بمعنى تحفيز البحث وعدم الخوف من النتائج أياً كانت.. ولكن يجب أن ندرك جيداً ماذا نعني بكلمة (العِلم). فالرياضيات ليست مثل الأحياء، والأحياء ليست مثل علم الاجتماع أو الاقتصاد (والتي يتحفظ البعض على تسميتها بالعلوم أساساً) فكل علم من هذه العلوم له مستوى من الأدلة والوسائل التي تختلف في مستوى قطعيتها.

فلكي نحل الإشكال، يجب أن نؤكد على الفرق بين الحقائق وبين القِيم. فمسألة ما إذا كان هناك مكوّن جيني للاغتصاب أو لا هذا سؤال علمي بحت. فحتى لو كان هناك جين مسؤول عن ذلك، هذا لايجعل المجرم معذوراً أو مقبولاً. ولا يجعله حتى أقل مسؤولية عن فعله، لأنه لا أحد يؤمن بأن ذلك الجين حرفياً يُجبر الرجل على الجريمة فوراً بدون أي عوامل أخرى. على الأكثر، ذلك الجين يجعل الرجل ميالاً إلى الجريمة -في حال ثبوته علميا بالطبع-، ولكن هذه الإعدادات الجينية يمكن التغلب عليها بالتدريب والتعليم والذي يعني أن الشخص مطلوب منه مجهود أكبر ليقاوم أثر الجين. وكذا بخصوص الإرادة، حيث يوجد في أدمغتنا شبكة معقدة للغاية تكوّن قراراتنا وذات الشبكة التي تقود الشخص إلى الجريمة يمكن أن تقوده إلى تركها، حسب المؤثرات المُفتعلة. ونفس الأمر ينطبق على باقي المشكلات العلمية ذات العلاقة بالمجتمع.

وعلى المستوى العملي، لدينا مثال قريب وهو زيجات الأقارب، والتي تزيد فيه نسبة توارث أمراض معينة. فهل ثبوت هذا الأمر يصلح أساساً لمنع زيجات الأقارب على الإطلاق ؟ من الجنون فعل ذلك لأننا نرى أن هناك حالات كثيرة للغاية من زيجات الأقارب التي لم تورث مثل هذه الأمراض. ولو أن مسألة الفحص قبل الزواج التي توجه النصح للزوجين فيها كثير من الفائدة إلا أنها يجب أن تظل بعيدة عن صبغ العلاقات الاجتماعية بشكل معين، أي تظل بعيدة عن إتمام قرار الزواج من عدمه.

الخلاصة أنه أياً كان الجواب أو الحقائق التي تقدمها لها العلوم، الأخلاق والتشريعات لايجب أن تُستنتج منها. مايفعله العلم -أي علم- هو محاولة إخبارنا بالحقائق التي علينا أن نتعايش مع وجودها. وقد ذكرت في التدوينة السابقة بأن مايقدمه العلم قد يؤثر فقط في إعادة تقييم تبريراتنا الأخلاقية فقط. فالنظرة للمجرم قد تتغير أخلاقياً لكن مسؤوليته وعقوبته على الجريمة لايمكن أن تتغير لهذا السبب. لأن عقوبته على الجريمة طريقة لتمكين حياة رغيدة في المجتمع وليس لتطهير المجرم من أفعاله أو ماشابه.

هل نملك حرية الإرادة فعلاً ؟

3 يونيو, 2013 ✍

نعتقد أننا نملك حرية الإرادة على الأقل في الأمور البسيطة بمجرد “إرادتها”. نستطيع بكل بساطة أن نقرر العد من ١ حتى ١٠ أو ألا نفعل ذلك. نصيح بأعلى صوتنا في وقت معين ثم نصمت فجأة لنؤكد إرادتنا الكاملة. فإن كانت الظروف الاجتماعية والحياتية تتحكم بتصرفاتنا ودوافعنا في بعض الأحيان، إلا أننا على المستوى الأساسي البسيط الآني نملك كل الحرية لنفعل مانريد.

ربما “خداع الناس أسهل من إقناعهم بأنه تم خداعهم” كما يقول مارك توين، وهذا ما يجعلنا نواجه أوقاتاً عصيبة حين نقرأ مايهدد قناعاتنا الراسخة فـ “فهم الخدعة” مهمة ليست سهلة دائماً. ولهذا سنواجه في هذه التدوينة سؤالاً بسيطاً للغاية: هل إرادتنا الحُرة، فعلاً “إرادة” وفعلاً “حُرّة” ؟

قصة فينياس غيج

رسمة توضيحية للإصابة

لنعد إلى قصة من العام (1848) حيث اللحظة الأولى في علم الأعصاب الحديث على حد وصف البعض. فينياس غيج، عامل في إحدى المصانع، كان محبوباً من جميع زملائه ولطيفاً واجتماعياً للغاية. حصلة حادثة شنيعة في المصنع أدت بقطعة حديدية إلى اختراق وجه فينياس غيج من فمه وخروجها من رأسه مهشمة عظام جمجمته وأجزاء من مقدمة دماغه. لم يمت لحسن حظه، بل أُسعف على الفور وخضع لعمليات جراحية عديدة. بعد أشهر من الحادث أحس فينياس بأنه طبيعي بمافيه الكفاية ليعود إلى العمل. وبالفعل عاد إلى العمل. المفاجأة الكبرى للعلماء، كانت في رفض رؤسائه له كعامل، لأن شخصيته تغيرت بشكل حاد. فقبل الحادث كان أنموذجاً للكفاءة والاقتدار ورجاحة العقل، ولكنه صار بعد الحادث مُشتت، وعديم الاحترام لمن حوله لا يوقرهم بل إنه بذيء للغاية في تعامله معهم، عنيد، وقليل الصبر، ومتذبذب وعصبي. يقول أصحابه، بأنه “لم يعد غيج” أبداً.

ربما تعرف عدد من القصص على هذه الشاكلة، حيث تتغير تصرفات الشخص أو صفات معينة في شخصيته بعد حادث معين. لم يكن غيج حراً في هذا الحادث المؤلم الذي غيّر من دماغه “حسيا” ، ولكن السؤال الحقيقي هو : وهل كان حُراً من قبل حين كان شخصياً ناجحاً ؟ أليس نجاحه أيضاً مرتبط بالتشكيل المحسوس لدماغه ؟ إن كان الأمر كذلك فالسؤال هنا، أين تكمن إرادته ؟

تجربة بنجامين ليبيت

الشكل 1

الصورة التي كانت أمام العينة

لننتقل إلى تجربة أخرى أقل وحشية وأكثر حداثة. حيث انشغل بنجامين ليبيت -عالم الأعصاب- بسؤال الإرادة الحُرة وحاول أن يبحثه. فقد أجرى تجربة مثيرة للجدل من وقتها إلى اليوم. حيث خلص منها إلى أن أي قرار نتخذه مسبوق بعمليات دماغية دون الوعي تنتهي ب”النية” التي نعقدها على الفعل ومن ثم الفعل. في تجربته، أحضر العينة (بوجود أجهزة قياس موضوعة على رأسه بالطبع لقياس الإشارات) و وضع أمامه زر، وطلب منه أن يضغطه في أي وقت يريد، كل ماعليه أن يتذكره هو الرقم الذي يكون قريبا من النقطة المتحركة أثناء ضغطه. (مثلاً 5 , 35, 50, …). وبعد أن أجرى التجربة وجمع البيانات وحللها ليقيس نشاط الدماغ أثناء إجراء التجربة، خلص إلى الشكل التالي:

نشاط الدماغ أثناء التجربة

الخط الأحمر الذي في اليسار يمثل بداية الوعي أو قرار الحركة، والخط الاحمر الذي يليه هو الحركة الفعلية وهو فرق طفيف جداً يمثل الوقت الذي يستغرقه صدور الأمر المباشر من الدماغ إلى اليد ليضغط الزر. ولكن، ماحكاية الخط المتصاعد قبل قرار الحركة بوقت ربما لايتجاوز ثانيتين ؟ هذا ما حيّر ليبيت ليدفعه بعد ذلك ليقول بأن لحظة وعينا هي رأس جبل الجليد، فقبل أن نعي هناك عملية منتظمة تسير في الدماغ “تتسبب” في هذه النية، التي نؤمن تماماً أننا اتخذناها بكل حرية. فهذا يعني أن الباحث الذي يجري التجربة قادر على إخبارك بأنك ستنوي القرار قبل أن تنويه فعلاً بمدة وجيزة. فإذا كانت حرية الإرادة تبدأ من بداية العمليات التي يجهزها الدماغ -كما قد يدافع البعض-، فماهو نوع حرية الإرادة التي نملكها إذا لم نكن ندركها ؟

التحفيز المُتعمد

حالات التحفيز المُتعمد للدماغ

لندفع بالسؤال إلى الأمام قليلاً.. ففي دراسة حديثة نسبياً (2009) قام مجموعة من الباحثين بإجراء اختبارات على مرضى بعد أن تم نزع أجزاء من جمجمتهم تمهيداً لعمليات جراحية في المخ. حيث قام هؤلاء الباحثين بمحاكاة كهربائية لإشارات المخ ومن ثم توجيهها إلى أجزاء معينة في الدماغ ليروا النتائج. وجهوا إشارات ذات كثافة قليلة إلى الجزء ذو اللون الأحمر، وعندها شعر المرضى برغبة في تحريك أياديهم، أو أرجلهم، أو في الكلام أو في المشي. ولكن حين تم تقوية الإشارات شعروا بشعور مزيف بأنهم فعلاً قاموا بهذه الأمور ولكنهم لايتذكرون كيف فعلوا ذلك. ولكن حين وجّه الباحثون الإشارات إلى منطقة أخرى (البنفسجية) كان المرضى يحركون أياديهم فعلاً بدون أدنى وعي منهم، ولا يعرفون كيف تتحرك وهم لم يقرروا ذلك.

هل يمكن أن نقول بأنهم “أرادوا” تحريك أيديهم أو أرادوا الكلام قبل أن يُجبروا على فعل ذلك ؟ ماهو معنى الإرادة في هذه الحالة طالما كانت إرادة الباحثين لا إرادتهم هم ؟ وماذا لو كان هناك مناطق أخرى في الدماغ مختصة بمهمة “الإرادة” بحيث يتم التحكم بها بنفس الطريقة السالفة ؟ ربما يبدو لنا أن التدخل هنا واضح وبالتالي يبدو الفعل آلياً إلى حد كبير في حين أن أفعالنا الحياتية خالية من هذه الظروف (كما قد يجادل البعض) ولكن هذا لاينفي أبداً من الطبيعة الآلية البحتة التي تعمل بها أدمغتنا بما يجعلها عرضة للتأثر بأي ظرف محيط معلوم أو مجهول. فهل كل إراداتنا حينئذ واعية واتخذناها بحرية بعيداً عن أي عوائق ؟

وولف سينجر يتطرف

وولف سينجر، أحد رواد البحث اليوم في علوم الأعصاب يوصل بالسؤال إلى أبعد مدى. فمادامت الإرادة الحُرة ليست سوى عمليات آلية تحصل داخل أدمغتنا، ولا وجود لشيء نخترعه من العدم إسمه نية، فلابد أن يكون لهذا أثره على معضلة الجريمة التي يرتكبها البشر، حيث يقول بأن ”الجريمة نفسها يجب أن تؤخذ كبرهان على عدم انتظام (abnormality) الدماغ“. ويواصل الحديث “وحتى لو لم يوجد أي عمليات غير اعتيادية (abnormalities) في الدماغ، يجب أن يُعامل المجرم كشخص غير قادر على التصرف بطريقة أخرى” مشيراً إلى السلوك المهذب. وهذه العبارتين ثقيلتين للغاية لأنها تمحي مصطلح الجريمة من الوجود كما لو كان أي فعل آخر. وهي بدون أدنى شك نتيجة منطقية مباشرة لنكران وجود الإرادة الحرة. كما يواصل سينجر مؤكداً ما أثبته ليبيت قبل قليل بأن “معظم ما نعمله يقبع فيما دون الوعي، لذا نحن لا نعي كل المكونات التي تدفعنا للتصرف بطريقة معينة“. وقد لا تنحصر نتائج فرضية وهم الإرادة الحرة على تقبل الجريمة بل لها انعكاسات متعددة على الكثير من الجوانب الأخلاقية والاجتماعية، ولكن قبلها يجب أن نجيب عن سؤال شرعية إسقاط نتائج النظريات والفتوحات العلمية عن أنفسنا على طريقة حياتنا.

العلم والمجتمع

مازال الجدل متواصلاً حول الإرادة الحرة شأنها شأن أي سؤال علمي/فلسفي. وهناك الكثير ممن يفضلون القفز على العلم إلى تصور النتائج الاجتماعية والأخلاقية مباشرة ليصلوا إلى تصورات معينة ملتبسة بلباس العلم وناطقة باسمه (حتى لو كان الموضوع خلافياً). فماهو الإطار المناسب الذي يمكن أن ينعكس من العلم على المجتمع والأخلاقيات؟

أعتقد أن نتائج العلم الحاسمة التي يتوصل لها (فضلاً عن الخلافية) لايجب أن يكون لها انعكاس على كيفية إدارتنا للمجتمع بشكل مباشر. بل تنعكس على تبريراتنا الأخلاقية التي تنظم أساس المجتمع وقانونه. فمثلاً مسألة وجود الزيجات التي تنتج أجيال تحمل أمراض وراثية لايجب أن يحمل صيغة معينة يتم فرضها على العلاقات الاجتماعية والقبلية الموجودة من أزمان طويلة، أعني زواج الأقارب. ونفس الأمر ينطبق على مسائل كثيرة بما فيها حرية الإرادة وعقلية المجرم.

فنحن متأكدون أن إلغاء العقوبة -النتيجة التي قد يتوصل لها البعض بناء على فرضية وهم حرية الإرادة- سيزيد من نسبة الجرائم في المجتمع ويعرض المجتمع لخطر مؤكد جداً، وفي مقابل هذه النظرة نجد أن تبريراتنا لعقوبة المجرم تتمحور حول تأديبه وردع المجتمع أو حماية المجتمع منه وكل هذه يمكن دحرها بذات الفرضية.

فما العمل؟

يجب -في تصوري- أن ينعكس هذا البحث على إعادة تقييم تبريرنا الأخلاقي أولاً. فالمجرم -بناء على فرضية وهم الإرادة الحرة- سينحصر تقييمه الأخلاقي على كونه خطر على المجتمع ومهدد لبقائه واستقراره، وليس لهذا علاقة باتخاذه القرار الحر ليفعل جريمته (كما كان سابقاً). ففي هذه الحالة نجد أن جريمته تتساوى في حال كان واعياً بها أم غير ذلك لأن خطره على المجتمع واحد. والغاية في هذا الأمر هو لتنظيم المجتمع وجعل حياة المجتمع أكثر أماناً وحُرية.. (حرية ؟… لا تدقق يا أخي)

كما ينعكس هذا على إعادة تعريف الإرادة نفسها، وتعريف التحرر “من” قوانين الطبيعة بشكل أدق، وعلى الفروق بين الاختيار والانتقاء. كما له آثاره على فهم أنفسنا حيث نرى أننا لايمكن أن نتخلى عن افتراض أننا أحرار في قراراتنا البسيطة، لأننا بحاجة ماسة إلى هذا الشعور- ولو كان مزيفاً كما قد يدعي البعض-. كما ينعكس كذلك على فهمنا للحياة، فهذه الطبيعة الآلية التي تحد من حريتنا (كمفهوم متعالي عن قوانين الأحياء والفيزياء)، هي بالتحديد مايجعل حياتنا تستحق العيش.

لا تشعر بالطمأنينة التامة تجاه أي شيء

11 مايو, 2013 ✍

الغرفة المصمتة

لماذا يجب أن تشك وتشكك ؟

لأن عقولنا مَبنيّة بشكل يجعلنا ندرك أشياء محدودة للغاية مما يدور حولنا. وفوق أننا ندرك جزءً محدوداً للغاية، فإن طريقة معالجة الحقائق المُدركة معرّضة كذلك للكثير من الأخطاء التي نقع فيها بدون وعي. هذا سقفنا الذي نستطيع الوصول إليه ولا يمكن أن نتجاوزه بعقولنا التي نملكها حالياً بحال من الأحوال. لهذين السببين الأساسيين يجب أن تشك وتشكك كذلك.

سأتجاوز الحديث عن إدراكنا المحدود -والذي تمثّله الدائرة في الصورة أعلاه- لأنه غني عن الوصف. فالعين البشرية ترى طيفاً محدوداً من الألوان، وكذا الأذن لها مجال محدد لسماع الأصوات وكذا طيفاً محدوداً من الموجات الصوتية وإلى غير ذلك من المعلومات التي عرفناها وخبرناها بالتجربة.

فماذا عن معالجة المعلومات البسيطة التي ندركها ؟ هذا الموضوع بالنسبة لي أكثر إمتاعاً. فنحن لا يمكننا أبداً الإفلات من قبضة الانحيازات الإدراكية والتي يبدو -وأقول يبدو- أنها جزء من تركيبة أدمغتنا. فنتأثر مثلاً -لا شعورياً – بالانحياز التأكيدي وهو الذي يصف ميلنا الدائم إلى تفسير المعلومات والحقائق الجديدة بما يؤكد تصوراتنا المسبقة عنها، وهذا الانحياز لا يمكن أن يسلم منه أحد. وفي أحيان كثيرة حتى لو انتبهنا للانحياز التأكيدي وتوخّينا الدقة في أحكامنا فإننا لن نسلم من تأثير التأطير المعروف في علم النفس أيضاً والذي ينص على أن ردود أفعالنا (وإدراكنا بالطبع) يختلف بحسب طريقة عرض المسألة أمامنا بشكل ملحوظ و واضح جداً. هناك قائمة في ويكيبيديا الإنجليزية بها عشرات (لا أملك الوقت لعدّها فعلا) من الانحيازات الإدراكية المختلفة والمتنوعة على هذا المنوال. غير قصة الانحيازات الإدراكية، هناك النسبية اللغوية التي تجعل أفكارنا إلى حد كبير متأثرة بلغتنا التي نتحدث بها. ربما ليست اللغة فحسب بل كل تجربة سابقة مررنا بها تساهم بشكل معين في التأثير على أفكارنا الحالية. فنحن “فريدون” جداً بشكل لا يمكن أن يتكرر. بما يطرح السؤال الذي يربطنا بالموضوع الأساسي:

ماهي الحقيقة إذن وأين هي ؟

تحاول العلوم الطبيعية والإنسانية الإجابة عن هذا السؤال بأدواتها التي تم تطويرها على مدى قرون طويلة. كذلك فلسفة العلوم كعلم يبحث خلفيات العلوم نفسها وعن مدى “علوميتها” تبلورت خلال القرون الأخيرة – ومازالت – في نقد وتطوير الأدوات والمناهج المستخدمة في العلوم الطبيعية والإنسانية للوصول إلى حقائق أكثر حيادية وتجرداً. فربما كانت هذه الوسيلة هي الوسيلة المتاحة لنا كبشر على المستوى البعيد التي نتحرى بها عن الحقيقة ونقنع بها أجيالنا القادمة.

مايهمني هو موقفي وموقفك على المستوى اليومي البسيط… الشك هو الوسيلة الوحيدة لتمحيص القصص والروايات والأخبار التي تمر بنا حتى نستطيع تحييد انحيازاتنا المسبقة. نبذل مجهوداً كبيراً في أن نشكك في فكرة تتسق مع فكرنا ومبادئناً تماماً وربما تحوّل إلى نوع من التعذيب، ولكن جحيم الشك ستكون أفضل بكثير من جنة الغفلة. فاليقين بدون الشك هو جنة الغافلين.

إياك أن تشعر بالطمأنينة التامة، هي الوصية الأولى ضمن الوصايا العشر التي اقترحها برتراند راسل للمُعلمين. سوف نستأنف الحديث مع الوصايا الأخرى في…

“حواشي ابن حازم على الوصايا العشر لابن راسل”

بناء الفعل للمجهول عند المحتسب

2 مايو, 2013 ✍

انتشرت على نحو واسع في المجموعات البريدية ومواقع التواصل الاجتماعي، مثل مجموعة عبدالعزيز قاسم وتويتر وفيس بوك، رسالة احتسابية على منهج الكفايات اللغوية (2) للمرحلة الثانوية، حيث فُجعَ أحد المحتسبين من وجود تمرين فصلي في الصفحة 152 يدعو الطلاب إلى مشاهدة المسلسلات.

وبالرجوع إلى التمرين، في الصورة التي أرفقها المحتسب، سنجد أن دعواه صحيحة ومثبتة بالأدلة والبراهين، فنص التمرين هو: “المسلسلات التلفزيونية هي قصص ممثلة. لخص آخر قصة مسلسلة شاهدتها، واصفاً أحداثها الرئيسية ومبيناً موقفك من شخصياتها القصصية”.

ثم علق المحتسب قائلا: “وبالطبع فإن إطلاق وصف (مسلسلات) لا يمكن أن يتجاوز المسلسلات التي حرم العلماء مشاهدتها لما تنطوي عليه من منكرات معروفة، ومن المؤكد أن القنوات الإسلامية المحافظة والملتزمة بقيم الإسلام لا تعرض مسلسلات يشاهدها أغلبية الطلاب.”

ثم يقوم المحتسب بالتقاطة ذكية غير مستغربة على أمثاله، في سياق الصراع بين المنتسبين للخطاب الديني وبين المنتسبين للإعلام الرسمي، حين شعر بوجود مؤشرات غير بريئة أبدا تدل على انسجام بين مشروع تطوير المناهج والتعليم المرن وبين مشروع الإعلام التغريبي، حين ختم مقالته بقوله: ” التعليم المرن يقدم مواد مخالفة، ويجب أن يعي القائمون عليها ضرورة تجنيب الطلاب الانفصام الذي يحاول الإعلام تكريسه (العلماء يحرمون والإعلام يبيح), ليأتي التعليم رديفاً في تعميق الانفصام.”

أي: العلماء يحرمون والتعليم يبيح أيضا. وهي أهم استراتيجيات بني ليبرال.

هذه القدرة الرصدية للمحتسب تبعث على الطمأنينة. ولا شك أن مجتمعنا بخير، طالما كان محتسبوه على هذه القدرة الفائقة في اكتشاف مخطط في تمرين قد يفهم منه إحداث تناقض في وعي الطالب على نحو قد يساهم في استمرائه لكثير من المنكرات والمعاصي والفواحش مثل المسلسلات!

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل القدرة العظيمة للمحتسب، والتي تجلت في اكتشافه لمخطط غير بريء لاستمراء المعاصي في تمرين، من الممكن أن تتجلى أيضا في كل المؤشرات المماثلة في المناهج، والتي قد تؤدي إلى استمراء غير هذا النوع من المعاصي؟

سؤال مهم.

طالما أن المحتسب اقتبس من منهج للغة العربية فلعلنا أيضا نحصر البحث في مناهج اللغة العربية دون غيرها. وسنكتفي بمثال واحد في منهج “المهارات اللغوية” “المستوى الأول” من تأليف “الدكتور سالم الخماش، والدكتور، محمد الغامدي، والدكتور عبدالله الثمالي” وراجعه “الدكتور سمير المعبر والدكتورة سلوى عرب”. خمسة دكاترة ما شاء الله وعشرات المراجعين والمصححين والمدققين. وهذا المنهج يتم تدريسه لعشرات الآلاف من الطلبة سنوياً في أكثر من جامعة سعودية، ويهدف بشكل طموح للغاية إلى “إثارة الحوافز الدينية والقومية” كما تنص مقدمته في ص (ك) منها.

لنفتح الصفحة (153) ولنقرأ الجملة رقم (4) الموضحة في الصورة التالية:

ونص الجملة هو: أقطع الأمير محمداً أرضا، أُقطعَ محمدٌ أرضاً.

السؤال هو: لماذا لم يجد المحتسب أي مشكلة في هذه الجملة؟ لماذا لم يخش استمراء عطايا الأمراء كوسيلة وحيدة لمحمد وأمثاله لكي يحصل على أرض؟ ففي الوقت الذي يحيل فيه المحتسب أسباب الانحلال الأخلاقي إلى المسلسلات، لماذا ظل المحتسب عقوداً طويلة بدون أي شريط أو مادة احتسابية يتحدث عن اقتطاعات الأراضي؟ ألم يجمع الجميع أنها أهم أسباب أزمة السكن التي يعاني منها ملايين السعوديين اليوم؟ لماذا لم يتحدث المحتسب عن هذه الأزمة إلا الآن بعد أن تورط بتحدث غيره عنها؟

العجيب هو أن هذا الدرس نجده في الكتاب الذي يهدف إلى “إثارة الحوافز الدينية والقومية”، وتأتي هذه الجملة في درس “نائب الفاعل”، حيث يتعلم الطالب بناء الفعل للمجهول، وذلك حتى يتمرس على عملية إخفاء الفاعل حين تستدعي الحاجة إلى ذلك، وحينها لا يكون للفاعل أي أثر أو هوية، بل يمكن أن يكون أي شخص آخر. فتمر السنوات وتقتطع الأراضي والمخططات بدون أي دليل يشير إلى مصدر المنح فيدينه، ومع هذا، يتعلم الطالب أن هذه العملية لا تؤثر سلباً في فصاحة الجملة، بل قد تزيدها أحيانا.

ويمكن أن نطرح هنا السؤال الآتي: لماذا يتعلم الإنسان إخفاء الفاعل وبناء الفعل للمجهول في مثل هذه جملة اقتطاع الأراضي؟

الإجابة على مثل هذا السؤال لا تحتاج إلى تمويل فريق بحثي لعدة سنوات يفتش في مكتبة الكونجرس. فكل ما تحتاجه الإجابة من المجهود هو مجرد قلب صفحة واحدة فقط من نفس الكتاب. لذلك، لنقلب الصفحة من (153) إلى (154). ولنقرأ الجملة رقم (3) التي تقول:

تقول الجملة: “يجب أن يعيد الغاصب الأرض إلى أهلها، يجب أن تعاد الأرض إلى أهلها.”

فحتى يمكن أن تظل هذه الجملة في ص (154) صحيحة، ويمكن أن نعلمها للطلاب بدون أن نحدث أي مشكلة أو تناقض في الوعي، يجب أن يبنى الفعل في ص (153) للمجهول فلا يكون له مصدر. وحينها، لا يكون هناك تعارض بين حكم الله وفعل الأمراء.

وليس هذا فحسب، بل زيادة في الاحتراز في حالة انكشاف مصدر الفعل، يمكن أن نبدأ في تلاعب لفظي بين “الإقطاع الشرعي” و”الاغتصاب غير الشرعي” كاستراتيجية ثانية أيضا، وهذا موضوع دروس أخرى مختلفة عن درس نائب الفاعل.

فإذا كان محتسب المسلسلات يقول أن استراتيجية: “العلماء يحرمون والإعلام يبيح ليأتي التعليم رديفاً في تعميق الانفصام”، هي من استراتيجيات بني ليبرال وبني تغريب وبني إصلاح، فيبدو أن بناء الفعل للمجهول، في بعض السياقات، قد يستخدم في تعميق “الاتصال” بين الله وبين الحكام، وهي فيما يبدو أنها…

أهم..

استراتيجيات..

بني احتساب!!

 

هل تسلّعنا الشبكات الاجتماعية؟

28 أبريل, 2013 ✍

طوال التدوينتين الماضيتين، كان الحديث يدور حول عالم الشبكات الاجتماعية (والانترنت عموما) وقوانينه الجديدة. ففي التدوينة الأولى توصلت إلى إلى أن الانترنت تحوّلت من أرض مفتوحة وحرة إلى إقطاعيات منعزلة ومقيّدة كثيراً، تستفيد من كل النشاطات داخلها بشكل اقتصادي، وفي التدوينة اللاحقة كان الحديث حول قوانين السوق في الانتشار حيث أن وسائل الإعلام التجارية تحول بين المُرسل وبين الجماهير الواسعة بما يضطره إلى الالتزام بقوانين التسليع حتى يحقق قدراً من الانتشار والتفاعل فوق مايحققه من العائد الاقتصادي. في هذه التدوينة سوف أنتقل إلى الحديث عن عموم المستخدمين للشبكات الاجتماعية بدلاً من حصره بالدعاة فقط، وهل نحن نقوم بتسليع حضورنا أيضاً خلال الشبكات الاجتماعية.

ربما علينا أن نعود خطوة إلى الوراء لنعرف التسليع. ما أقصده بهذه الكلمة هو إضفاء قيمة اقتصادية على نشاطات جديدة، لم يكن لديها قيمة اقتصادية من قبل. وقد أشرنا في التدوينة السابقة كيف أن السوق حوّلت الوعظ إلى سلعة لا تكاد تختلف عن غيرها من السلع التي لديها قيمة اقتصادية تختلف بحسب طلب الجمهور، وكيف أن قوانين هذه السوق فرضت أن يقوم الشخص بتسليع كلامه وحضوره بشكل ما حتى يحظى بالوصول إلى الآخرين. فمن لا يلتزم بكتابة ١٤٠ حرف في تويتر فلن يكون له أي وصول بكل بساطة، كما أن من لا يهتم بإخراج الفيديو في اليوتيوب بشكل جذاب فلن يستطيع الوصول إلى جماهير واسعة.

إذن لم يعد إشكال التسليع حكراً على الدعاة، بل على كل من يملك أفكاراً يود نشرها بين الناس عبر هذه الوسائل. حيث أنه مضطر في كل مرة ومع كل وسيلة إلى (تسليع) خطابه حتى يتمكن من الوصول إلى جمهور ما. ولن يفرق كثيراً سؤال المستفيد من القيمة الاقتصادية هل هو الشخص نفسه أم الوسيلة التي يحدث عبرها هذا التواصل. فمثل هذا المقال، لن أتمكن من نشره في تويتر إلا بتقسيم أفكاره إلى مجموعة تغريدات تتحدث كل منها عن فكرة بسيطة. وقد يحالفني الحظ حين أنشرها في إحدى أوقات الذروة حتى يتمكن بضعة آلاف من قراءتها. وحينها لن يكون بالإمكان التعاطي مع المقال خارج عن إطار تويتر. ونفس الأمر ينطبق على باقي وسائل التواصل.

آثار مثل هذا التسليع لا تتوقف على طرح الأفكار في قوالب مصغرة وتجارية، فحسب. بل تتعداه إلى التأثير على جوهر الأفكار نفسها حيث تقوم بتسطيحها وتحويلها إلى مادة رخيصة سريعة التداول. لا يمكن في ظل هذا الوسط المُقيّد أن تستدرك وتحاور وتبادل رأيك مع الآخرين -بالمعنى الحقيقي الذي يحصل خارج هذه الوسائل- بل إن التأثير يتوقف على البث من جهة واحدة لرأي واحد في قوالب سطحية وبسيطة. وكل هذه الآثار  -كما أسلفت- تنبع من طبيعة القيود التي تفرض طبيعة التفاعل.

والسؤال الذي يُطرح الآن -بعد هذا التقديم الموجز- هو: إذا كانت قداسة الدين تقتضي عدم تسليعه بأي شكل كان، أليس من الأولى أن يكون الإنسان نفسه -أنا وأنت- أكرم من أن يضفي على كلامه وحضوره كل هذا التسليع/الترخيص ؟

رأي حول ظهور الدعاة في إعلانات ببلي

22 أبريل, 2013 ✍

تحدّث الكثير حول ظهور الدعاة في إعلانات ببلي التي دخلت مؤخراً إلى السوق السعودي، حيث قامت الشركة بحملة إعلامية كبيرة تضم مشاهير من مختلف المجالات ليظهروا ويطلبوا من معجبيهم التواصل معهم عبر ببلي. وهذا الظهور كما اتضح لاحقاً عبر مقال كتبته بدرية البشر لم يكن بلا ثمن -كما يجب أن نتوقع طبعا- وإنما يحصلون على نسب من الأرباح حسب عدد المشتركين في الخدمة عن طريقهم.

لم تكن الإشكالية حول المشاهير الرياضيين أو الإعلاميين أو سواهم، بل كانت حول الدعاة خصوصاً حيث اعتبر هذا من المتاجرة بالدين وما إلى ذلك. شخصياً أعتقد أن الموضوع يبدو شائكاً للغاية ولاشك أن الأسلم ألا يدخل فيه الدعاة لكني أرى المشكلة أكبر بكثير تتمثل في قوانين السوق عموماً التي فرضت مثل هذه الممارسات. وسأستعرض وجهة نظري من خلال الفقرات التالية.

بداية هذه الممارسة ليست جديدة، وإنما شهدنا جميعاً فورة في البرامج الدينية في قنوات تجارية تتمتع بجماهيرية واسعة مثل MBC وLBC وسواها، كما أنها رافقت مايسمى بظاهرة الدعاة الجدد الذين استغلوا التلفزيون كوسيلة للوصول إلى جماهير واسعة لم يكن لهم الوصول إليها قبل ذلك بحكم حداثة الأسلوب والمحتوى والأفكار. فهذه الظاهرة إذن ليست جديدة، وهذا سوف يساعدنا على تكبير الصورة قليلاً.

عظم المشكلة من وجهة نظري يتمثل في مفهوم الميزة النسبية (Comparative Advantage)  في علم الاقتصاد، وهو الميزة التي يملكها طرف ما -الدعاة في هذه الحالة- لإنتاج سلعة معينة بأعلى الأرباح وأقل التكاليف. ولاشك أن القيمة التي تحدد حجم الأرباح مرتبطة فيما بالطلب المحلي على مثل هذا المحتوى، وتجده في ارتفاع أرقام متابعيهم في تويتر -إلى حد ما- وقبلها في نسب متابعة البرامج الدينية. فما نعرفه على وجه مؤكد هو أن هؤلاء الدعاة يملكون ميزة نسبية عالية أهّلتهم للوصول إلى جماهير واسعة.

كما أن وسائط الإعلام الجماهيري تحول دوماً بين الجماهير  العريضة وبين منتجي المحتوى – كماهو مفترض- إلا أن هذه الوسائط تعود إلى لاعبين فاعلين في سوق اقتصادية. بمعنى أن الواعظ في مسجد لن يكون بحاجة إلى أداة أو شركة حتى يكون صوته مسموعاً، خلاف مايحصل في الراديو والتلفزيون وفي عالم الانترنت والأجهزة الذكية اليوم، حيث تدار هذه الوسائط من أطراف تبحث عن مصلحتها الاقتصادية. ولهذا فالوسائط ليست محايدة بالطبع بل تخضع لقوانين السوق دوماً حتى تستطيع المنشأة أن تصل إلى جماهيرها الملائمين دوماً، سواء كانت قنوات فضائية أو خدمة جوال، وبالتالي تحافظ على مكانها وتستطيع رفع أرباحها نهاية العام. فقوانين السوق ربطت الانتشار بالميزة النسبية العالية بحيث لا تستطيع أن تصل إلى جمهور واسع بدون أن يكون لديك ميزة نسبية عالية يطلبها أكبر عدد من الجمهور.

فهذا السوق -في الإطار الذي شرحته- حوّل الوعظ إلى سلعة لا تكاد تختلف عن السلع الأخرى التي يتم تداولها، كما فرضت قوانين هذا السوق أن من يريد أن يصل إلى جماهير عريضة، فلا مناص له عن (تسليع) كلامه أو حضوره. وقد شاهدنا أن من لايلتزم بهذا الشرط – أي يرفض قانون السوق – فلن يكون له أي وصول إلا بما يكفي لمساحة مسجد أو ربما ملعب، بل إن مساحته سوف يشغلها غيره ممن يملكون ميزة نسبية مرتفعة.

فهل من المعقول أن نطالب الداعية بأنه يجب أن تتوقف عن الوصول إلى جمهور أوسع عبر تويتر أو ببلي حتى لا تكون ممن يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً -بما أن كلامك سيكون مُسلّعاً عبر هذه الوسائط- ونترك غيره من المشاهير في الرياضة والإعلام والفن يشغلون نفس المساحة ؟

الجواب ليس أسهل مما نظن.

إقطاعية الانترنت

15 أبريل, 2013 ✍

قلعة مونتجري - صورة: SBA73 / فليكر

لا ينتبه غالبية الناس للأحداث الكبرى إلا بعد أن تحدث، ثم يتصورون أن حدوثها كان معقولاً بسبب كذا وكذا. ولكن كثيراً ما يشوب هذا التحليل قصر النظر لأننا نميل إلى جعل الأحداث السابقة أسباب لذلك الحدث حتى لو لم تكن كذلك، ولأن الأشياء الواضحة غالباً ما تكون نتائج لأسباب خفية. هذه الأسباب الخفية هي موضوع هذه الورقة التي تحاول أن تبحث في النموذج الذي يحكم قطاع كبير من سوق الانترنت اليوم، وكيف وصلنا إلى ماوصلنا إليه.

تبدو شبكة الانترنت هي التي تجعل العالم بنظر الكثيرين قرية واحدة، وكان لهذا المجاز صدى تفاؤليا طوال العقد الماضي إبان “ثورة الدوت كوم” كما كانت تسمى. ولكننا اليوم أمام قلاع حصينة -أو في طريقها إلى أن تصبح كذلك- يسكنها أغلبية مستخدمي الانترنت، وقد بات من الصعب أن نتذكر كيف كانت الحال قبل ذلك، فعالم هذه القِلاع الحصينة غني بالتفاصيل المهولة عن كل شيء وفي كل لحظة.. هذا التشبيه السطحي ليس سوى صورة عامة وصلنا لها بعد رحلة تبدو أسرع من خطف البصر.

أكمل قراءة التدوينة »

مثقف الضرورة وديموقراطية الخراب

3 أغسطس, 2012 ✍

 

إنَّهم كانوا يُستدعون لا ليقولوا بل ليعززوا سياسة الحكومة ، وليطلقوا الدعاية ضد الأعداء الرسميين ، وليحجبوا الحقيقة باسم الشرف الوطني – جوليان بندا

وصلني خبر مقالة الكاتب تركي الدخيل المعنون ” ديموقراطيات الخراب ” ، فبحثت عنه في الإنترنت فوجدت بالصدفة عنواناً قريباً منه لمقالة كُتبت في جريدة تشرين السورية الناطقة باسم النظام السوري الأسدي ، يُحذَّر فيها كاتبها من أن هناك محاولات أمريكية لإعادة تشكيل الواقع العربي بالتحالف مع القوى الرجعية الأصولية كالإخوان المسلمين !

مقالة تركي لم تكن تختلف كثيراً رغم أن كلاً من الكاتبين يكتب من وجهة نظر مختلفة ، فالسوري ينطلق من كون بلده عضواً في محور الممانعة في حين تعتبر السعودية في محور الاعتدال . رغم هذا فكلا الكاتبين يتفقان على التحذير من التحالف الأمريكي الإخواني من خلال لهجة تحذيرية مستهلكة وباهتة .

ثار الشعب في تونس وليبيا فقال المخلوع زين العابدين والمقبور القذافي إنها مؤامرة أمريكية . وثار الشعب المصري فقال حسني إنها صفقة أمريكية إخوانية . وثار اليمنيون فقال علي عبدالله صالح إنها مؤامرة خارجية . وثار السوريون فقال الأسد إنها المؤامرة الأمريكية . ولم يقل أحد من هؤلاء الحقيقة : إنَّه الفساد الذي راكموه وراكمه مرتزقتهم وأفراد أسرهم طوال عقود طويلة . كانت التنمية لديهم تنمية لجيوبهم وكروشهم وشركاتهم ، وفتات قليل من أجل التنمية الديكورية الدعائية .

أكمل قراءة التدوينة »

ما بعد حمزة… تقنين الاستبداد الديني

18 يوليو, 2012 ✍


“وما عليَّ إذا ما قلتُ معتقدي * دع الجهول يظن الحق عدوانا” – ابن عربي

“الاعتراف بالكرامة المتأصلة في كل أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، أفضى تجاهل حقوق الإنسان وازدراؤها إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، غاية ما يرنو إليه عامة البشر هو انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة و التحرر من الفزع والفاقة” – المدخل للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

“من يطالبون بأن تتولى الحكومة تنظيم شؤون العقل و الروح أشبه ما يكونون برجال يخشون بشدة أن يقتلهم شخص ما فيهربون منه بقتل أنفسهم” – هاري ترومان.

 

من الطريف التأمل في حقيقة أن إتاحة حرية التعبير تاريخيا هو الذي مكّن المفكّرين و الرسل من نشر رسالاتهم و أفكارهم،  أين كان سيصبح الإسلام اليوم لو لم تتح فرصة لحامل الرسالة في التعبير و نشر رسالته و في الاجتماع و التحالف مع أتباعه و ممارسة حقهم في الاعتقاد و التصرّف؟  هل توقّع أحدنا اليوم بعد أن ساد هذا الدين أن تستخدم أحكامه ذريعة لكبت حرية التعبير لكل مختلف و قمع حرية الاعتقاد؟… أكمل قراءة التدوينة »

رسالة إلى حمزة.

28 يونيو, 2012 ✍

صديقي حمزة،

هل تفهم لغة الصمت يا صديقي؟ ساعة كاملة أو أكثر فصلت بين السطر الاول وهذا السطر. ما إن كتبت صديقي حمزة حتى تفاجأت بهذا الهروب المفجع للكلمات والحروف والأشكال لأظل وحدي أمامك، كمعنى لا تريد الحروف أن تراه. وهكذا هي سائر شؤوننا مع لغة الصمت، فكم هي الحروف صغيرة وجبانة تهرب حين لا تقدر على رفع المعنى فيبقى المعنى وحيدا ويسود السكون حوله. فمن تكون؟

لقد قمت في هذه الساعة ودرت حول أنحاء البيت أتوسل هذه الحروف أن تعود. لا أملك غيرها بالفعل، لست رساماً ولا موسيقياً ولا أملك حتى صوتاً رخيماً أترنم فيه بذكراك، كل ما أملكه هو ثمانية وعشرون حرفاً مع يد قادرة أن تكتب .. بعد توسلاتي استطاعت هذه الحروف الصغيرة أخيراً أن تأتي، وتقف على أصابعها صامتة وراء الباب الموارب خلفك. فياترى أي حوار دار بين المعنى الشامخ وبين الحرف البليد ؟

سجنوك إذن ؟ أكمل قراءة التدوينة »