هل ستبكي الآلات يوماً؟

12 مايو, 2014 ✍

* نشر في مجلة القافلة

بين الخيال العلمي، وتكاثر الأشياء “الذكية” في حياتنا اليومية، ينجرف خيال البعض إلى تصور مستقبل تصبح فيه الآلات بذكاء الإنسان أو قادرة على التفكير والتعاطي مع الحياة كما يفعل عقل الإنسان. فما هي حقيقة هذا التصوّر، أو لنقل ماهي العوائق أمام الوصول إلى ذلك؟

إذا‭ ‬طلب‭ ‬إليك‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬تصف‭ ‬شكل‭ ‬‮«‬الذكاء‭ ‬الآلي‮»‬‭ ‬كما‭ ‬تتخيله،‭ ‬فإنك‭ ‬لن‭ ‬تملك‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تتخيل‭ ‬آلة‭ ‬ذات‭ ‬ملامح‭ ‬بشرية‭!‬ مفاهيم‭ ‬الذكاء،‭ ‬والعاطفة،‭ ‬والوعي،‭ ‬كلها‭ ‬مقترنة‭ ‬بالطبيعة‭ ‬البشرية‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬المفاهيم‭ ‬ستُلصق‭ ‬قسراً‭ ‬بكيان‭ ‬آلي‭ ‬ما،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬الكيان‭ ‬سيكون‭ ‬أقرب‭ ‬للطبيعة‭ ‬البشرية،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تسمح‭ ‬به‭ ‬التقنية،‭ ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ذكاء‭ ‬الإنسان‭ ‬متعدد‭ ‬الوجوه‭ ‬والمقاييس. ‬إن‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬الذكاء‭ ‬الصناعي‮»‬‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬مساحة‭ ‬لقياس‭ ‬مدى‭ ‬قرب‭ ‬الآلة‭ ‬من‭ ‬محاكاة‭ ‬طبيعة‭ ‬البشر‭ ‬المعقدة.. ‬هكذا‭ ‬فهمنا‭ ‬من‭ ‬السينما‭ ‬ومن‭ ‬الأدب. ‬لكن‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬نظري‭ ‬بحت،‭ ‬فإن‭ ‬تاريخ‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬هو‭ ‬تاريخ‭ ‬الإخفاقات‭! ‬هكذا‭ ‬يتلخص‭ ‬موقف‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬باحثي‭ ‬وعلماء‭ ‬الحاسوب‭ ‬حول‭ ‬تطور‭ ‬أبحاث‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي.‬‭ ‬فقد‭ ‬توقع‭ ‬رائد‭ ‬علوم‭ ‬الحواسيب‭ ‬آلن‭ ‬تيورنغ‭ ‬في‭ ‬العام ‭ ‬1950م‭ ‬بأننا‭ ‬سنصل‭ ‬إلى‭ ‬آلات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬‮«‬التفكير‮»‬‭ ‬ولديها‭ ‬نفس‭ ‬مستوى‭ ‬الإبداع‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬المشكلات‭ ‬والصفات‭ ‬الشخصية‭ ‬كما‭ ‬للبشر‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين. ‬وها‭ ‬نحن‭ ‬الآن؛‭ ‬لسنا‭ ‬متأخرين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أننا‭ ‬سنصل‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭ ‬على‭ ‬الإطلاق. ‬وهذا‭ ‬مايجعل‭ ‬الإخفاق‭ ‬مضاعفاً‭ ‬لأنه‭ ‬يعني‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نفهم‭ ‬بعد‭ ‬ماهية‭ ‬التفكير‭ ‬أصلاً. ‬ولكي‭ ‬نقترب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الموضوع ‭-‬ونجيب‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬المقالة‭ ‬كذلك- ‬فنحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬العودة‭ ‬زمنياً‭ ‬عدة‭ ‬عقود‭ ‬لنتعقب‭ ‬التوجهات‭ ‬الرئيسة‭ ‬داخل‭ ‬أبحاث‭ ‬الذكاء‭ ‬والإدراك‭ ‬والحاسوب،‭ ‬كي‭ ‬نفهم‭ ‬سر‭ ‬هذا‭ ‬الفشل‭.‬

تركز‭ ‬سؤال‭ ‬ماهية‭ ‬التفكير‭ ‬مع‭ ‬ازدهار‭ ‬علوم‭ ‬الحواسيب‭ ‬في‭ ‬أواسط‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬سؤال‭ ‬أبسط: ‬كيف‭ ‬نستطيع‭ ‬تمثيل‭ ‬معرفتنا‭ ‬وأفكارنا‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬حولنا‭ ‬بطريقة‭ ‬رياضية‭ ‬منطقية؟‭ ‬توجّه‭ ‬البحث‭ ‬أولاً‭ ‬نحو‭ ‬العمليات‭ ‬الرمزية‭ ‬الصورية‭ ‬Formal Symbolic Process‭ ‬كطريقة‭ ‬لتمثيل‭ ‬معرفتنا‭ ‬عن‭ ‬العالم. ‬فعبارة‭ ‬مثل «‬There is a cat inside the hat- ‬هناك‭ ‬قط‭ ‬داخل‭ ‬القبعة‮»‬‭ ‬يمكن‭ ‬تمثيلها‭ ‬رياضياً‭ ‬بالشكل‭ ‬التالي‭:‬

3x‭ 3‬y‭ (‬x=cat‭, ‬y=mat‭, ‬inside(x,y‭))‬

ومعنى‭ ‬هذه‭ ‬الرموز‭ ‬أساسي‭ ‬جداً،‭ ‬فهي‭ ‬تعني‭ ‬حرفياً‭ ‬‮«‬هناك‭ ‬متغير‭ (‬x‭) ‬وهناك‭ ‬متغير‭ (‬y‭) ‬بحيث‭ (‬x‭) ‬يساوي‭ ‬قطة‭ ‬و‭(‬y‭)‬ يساوي‭ ‬قبعة‭ ‬و‭(‬x‭)‬ داخل ‭ (‬y‭)‬‮»‬. ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬التمثيل‭ ‬الرياضي‭ ‬يمت‭ ‬بأدنى‭ ‬صلة‭ ‬لـ«التفكير‮»‬‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬قطاً‭ ‬داخل‭ ‬القبعة؟‭ ‬بالطبع‭ ‬الإجابة‭ ‬الواضحة‭ ‬هي‭ ‬لا. ‬لأن‭ ‬كلمات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬قطة‮»‬‭ ‬و«قبعة‮»‬‭ ‬و«داخل‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬مجردة‭ ‬من‭ ‬سياقها‭ ‬بل‭ ‬لها‭ ‬معانٍ‭ ‬مرتبطة‭ ‬ونظام‭ ‬متكامل‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نجده‭ ‬في‭ ‬هذ‭ ‬السطر‭ ‬الرياضي. ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬هناك‭ ‬أمل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬محاكاة‭ ‬التفكير‭ ‬البشري‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬نتوصل‭ ‬إلى‭ ‬طريقة‭ ‬لربطها‭ ‬بكل‭ ‬مفاهمينا‭ ‬عن‭ ‬العالم،‭ ‬مثلاً‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬القطة‭ ‬حيوان‭ ‬من‭ ‬الثديات‭ ‬لديها‭ ‬أربع‭ ‬قوائم‮…‬،‭ ‬وأن‭ ‬القبعة‭ ‬جماد‭ ‬ذو‭ ‬شكل‭ ‬مجوّف‮…‬،‭ ‬وأن‭ ‬‮«‬داخل‮»‬‭ ‬كلمة‭ ‬تصف‭ ‬علاقة‭ ‬بين‭ ‬جسمين‭.‬

عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تمثيل‭ ‬المعلومات‭ ‬السياقية‭ ‬العامة ‭-‬التي‭ ‬نملكها‭ ‬بفعل‭ ‬خبرتنا‭ ‬ونشأتنا- ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬طموح‭ ‬بدأ‭ ‬في ‭ ‬1984م،‭ ‬يسمى‭ ‬سايك‭ ‬Cyc‭ ‬(من كلمة Encyclopedia)، ‬يسعى‭ ‬لإنشاء‭ ‬قاعدة‭ ‬بيانات‭ ‬منطقية‭ ‬ضخمة‭ ‬تضم‭ ‬كل‭ ‬العلاقات‭ ‬التي‭ ‬نعرفها‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي. ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ملايين‭ ‬وحدات‭ ‬المعلومات‭ ‬في‭ ‬قاعدة‭ ‬البيانات‭ ‬هذه‭ ‬قد‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نجعل‭ ‬الآلات‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬استنتاجات‭ ‬شبيهة‭ ‬باستنتاجاتنا‭ ‬بأن‭ ‬كاتب‭ ‬‮«‬حي‭ ‬بن‭ ‬يقظان‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬طوله‭ ‬8‭ ‬أقدام‭ ‬عبر‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الاستنتاجات‭ ‬الفرعية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬نلقي‭ ‬لها‭ ‬بالاً،‭ ‬مثل‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يكتب‭ ‬الكتب‭ ‬إلاَّ‭ ‬البشر‭ ‬وبأن‭ ‬البشر‭ ‬أطوالهم‭ ‬لاتتجاوز‭ ‬8‭ ‬أقدام. ‬ولكن‭ ‬حتى‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬يواجه‭ ‬تحديات‭ ‬جمّة -‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬استمراره‭ ‬حتى‭ ‬اليوم- ‬فمثلاً‭ ‬‮«‬كل (‬فهد) ‬لديه‭ ‬أربعة‭ ‬قوائم‮»‬‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬دقيقة،‭ ‬فبعض‭ ‬الفهود‭ ‬ربما‭ ‬فقدت‭ ‬إحدى‭ ‬قوائمها (‬و«فهد‭ ‬الحازمي‮»‬‭ ‬يملك‭ ‬ساقين‭ ‬فقط). ‬وحتى‭ ‬لو‭ ‬عدّلنا‭ ‬العبارة‭ ‬لتصبح‭ ‬‮«‬غالبية‭ ‬الفهود‭ ‬لديها‭ ‬أربع‭ ‬قوائم،‭ ‬لكن‭ ‬بعضها‭ ‬يملك‭ ‬أقل‭ ‬بسبب‭ ‬الإصابات‮»‬‭ ‬فسنجد‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مشكلة‭ ‬أخرى‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬كافة‭ ‬الافتراضات‭ ‬والظروف‭ ‬رياضياً‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬المهمة‭ ‬أقرب‭ ‬للمستحيلة‭.‬

إذن‭ ‬كيف‭ ‬نفكر‭ ‬بكل‭ ‬هذه‭ ‬الافتراضات؟‭ ‬أو‭ ‬بعبارة‭ ‬أدق‭ ‬كيف‭ ‬نستطيع‭ ‬صياغة‭ ‬استنتاجات‭ ‬آنية‭ ‬من‭ ‬ملايين‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬نملكها‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لايتعدى‭ ‬أجزاء‭ ‬الثانية؟‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬ليس‭ ‬سهلاً‭ ‬على‭ ‬الإطلاق. ‬يقترح‭ ‬عالم‭ ‬الحواسيب‭ ‬والإدراك‭ ‬الشهير‭ ‬والفيلسوف‭ ‬دانيال‭ ‬دينيت‭ ‬وجود‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬‮«‬المسرح‭ ‬الديكارتي Cartesian Theatre»‬‬ داخل‭ ‬عقولنا‭ ‬وهو‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬نصنع‭ ‬فيه‭ ‬المعنى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬نملكها. ‬ذلك‭ ‬المكان‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬هو‭ ‬بيت‭ ‬الوعي‭ ‬والتفكير‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬لكل‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬نعرفها‭ ‬حضور‭ ‬يساعدنا‭ ‬على‭ ‬التفكير. ‬بالطبع‭ ‬لاتوجد‭ ‬منطقة‭ ‬محددة‭ ‬في‭ ‬أدمغتنا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬فيها‭ ‬شيئاً‭ ‬كهذا‭ ‬لكنه‭ ‬تشبيه‭ ‬مفيد‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يقترب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬التفكير‭ ‬كما‭ ‬تحصل‭ ‬في‭ ‬أدمغتنا. ‬بالطبع‭ ‬لا‭ ‬يخفى‭ ‬علينا‭ ‬الدافع‭ ‬لاقتراح‭ ‬مفهوماً‭ ‬كهذا،‭ ‬فنحن‭ ‬نتصرف‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كنا‭ ‬كائنات‭ ‬عقلانية‭ ‬مُفكرة. ‬لا‭ ‬نشعر‭ ‬بالعمليات‭ ‬البيولوجية‭ ‬التي‭ ‬تحصل‭ ‬داخل‭ ‬أدمغتنا‭ ‬ولا‭ ‬بكمية‭ ‬التعقيد‭ ‬المعلوماتية‭ ‬الهائلة‭ ‬داخل‭ ‬خلايانا‭ ‬العصبية. ‬نشعر‭ ‬فقط‭ ‬بزمن‭ ‬خطي‭ ‬وتتوالى‭ ‬علينا‭ ‬الأفكار‭ ‬كسلسلة‭ ‬طويلة‭ ‬بلا‭ ‬نهاية‭.‬

دفع‭ ‬هذا‭ ‬الافتراض‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الفلاسفة‭ ‬والعلماء‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬المكان‭ ‬الحقيقي‭ ‬للتفكير‭ ‬والوعي‭ ‬داخل‭ ‬أدمغتنا‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬كشف‭ ‬سر‭ ‬التفكير‭ ‬عند‭ ‬البشر،‭ ‬ابتداءً‭ ‬من‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الشهير‭ ‬رينيه‭ ‬ديكارت‭ ‬قبل‭ ‬عدة‭ ‬قرون‭ ‬وحتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا. ‬تكشف‭ ‬البحوث‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬ديناميكية‭ ‬ذات‭ ‬مرونة‭ ‬عالية‭ ‬للدماغ،‭ ‬بحيث‭ ‬يستحيل‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬محدد‭ ‬بوصفه‭ ‬مكاناً‭ ‬للتفكير‭ ‬أو‭ ‬الوعي‭ ‬أو‭ ‬الذاكرة. ‬فهناك‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬البشرية‭ ‬التي‭ ‬تولد‭ ‬بمناطق‭ ‬مفقودة (‬كان‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬لها‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬التفكير) ‬ولكن‭ ‬الأشخاص‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬يتصرفون‭ ‬بشكل‭ ‬طبيعي‭ ‬تماماً‭ ‬بفضل‭ ‬المرونة‭ ‬العصبية‭ (‬Neuroplasticity‭) ‬التي‭ ‬تعوّض‭ ‬وظائف‭ ‬مناطق‭ ‬الدماغ‭ ‬المفقودة‭ ‬أو‭ ‬الوظائف‭ ‬المتعثرة. ‬فما‭ ‬دمنا‭ ‬عاجزين‭ ‬بوضوح‭ ‬عن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬محددة‭ ‬أو‭ ‬آلية‭ ‬مفهومة‭ ‬نمارس‭ ‬بها‭ ‬التفكير،‭ ‬فهل‭ ‬سيمكن‭ ‬أن‭ ‬نتقدم‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬آلات‭ ‬تفكر؟

ربما‭ ‬يبدو‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬أن‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬آلن‭ ‬تيورنغ. ‬حيث‭ ‬اقترح‭ ‬في ‭ ‬1936م‭ ‬آلة‭ ‬مشهورة‭ ‬بآلة‭ ‬تيورنغ‭ (‬Turing Machine‭) ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬شريط‭ ‬طويل‭ ‬وذراع‭ ‬كاتبة‭ ‬وقوانين‭ ‬محددة‭ ‬لطباعة‭ ‬حالتين‭ ‬منطقيتين (‬1 ‬أو 0) ‬فوق‭ ‬أجزاء‭ ‬الشريط. ‬آلة‭ ‬تيورنغ‭ ‬البسيطة‭ ‬هذه‭ ‬تستطيع‭ ‬إجراء‭ ‬أي‭ ‬عملية‭ ‬رياضية‭ ‬معرفة‭ ‬في‭ ‬خطوات‭ ‬محددة‭ ‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬تعقيدها،‭ ‬ولا‭ ‬ريب‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الآلة‭ ‬تمثّل‭ ‬المبدأ‭ ‬الرياضي‭ ‬الأساسي‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليه‭ ‬الحواسيب‭ ‬اليوم. ‬لكن‭ ‬ماذا‭ ‬كان‭ ‬الإنجاز‭ ‬الأكبر‭ ‬حقاً‭ ‬وراء‭ ‬آلة‭ ‬تيورنغ؟‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬إثباته‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬وجود‭ ‬قواعد‭ ‬معينة‭ ‬مرتبة‭ ‬بطريقة‭ ‬محددة‭ ‬للتلاعب‭ ‬بالرموز‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬دلالية. ‬وبعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬اتصالاً‭ ‬بسياق‭ ‬موضوعنا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭ ‬فيما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬أدمغتنا‭ ‬تشبه‭ ‬الحواسيب‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬أنظمة‭ ‬معقَّدة‭ ‬مصممة‭ ‬تولد‭ ‬المعاني‭ ‬الدلالية‭ ‬عبر‭ ‬التلاعب‭ ‬بالرموز. ‬عندها‭ ‬ربما‭ ‬سنتجاوز‭ ‬مشكلة‭ ‬تعريف‭ ‬التفكير‭ ‬أو‭ ‬مشكلة‭ ‬المعنى‭ ‬لتتحول‭ ‬المسألة‭ ‬إلى‭ ‬بحث‭ ‬عن‭ ‬القواعد‭ ‬الكلية‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬سلوك‭ ‬الدماغ‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الآلة‭ ‬اللحمية‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يسميه‭ ‬مورفن‭ ‬مينيسكي‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬سوى‭ ‬محور‭ ‬مايسمى‭ ‬بالثورة‭ ‬الإدراكية‭ ‬التي‭ ‬أشعلها‭ ‬عالم‭ ‬اللغويات‭ ‬نعوم‭ ‬تشومسكي. ‬ففي‭ ‬مطلع‭ ‬الستينيات‭ ‬أطلّ‭ ‬تشومسكي‭ ‬بفكرة‭ ‬ثورية‭ ‬تتلخص‭ ‬بالتركيز‭ ‬على‭ ‬القواعد (‬أو‭ ‬النحو) ‬فقط‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬التفكير‮»‬‭ ‬أو‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬المعنى‮»‬‭. ‬حيث‭ ‬ادعى‭ ‬تشومسكي‭ ‬بأن‭ ‬القواعد‭ ‬النحوية‭ ‬يمكن‭ ‬تمثيلها‭ ‬صورياً‭ ‬بلغة‭ ‬منطقية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهي‭ ‬مسألة‭ ‬حوسبية‭ ‬وكونيّة‭ ‬كذلك‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬البشر‭ ‬بحكم‭ ‬المحددات‭ ‬الجينية. ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬بالمقابل‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬نظرياته‭ ‬‮«‬رمزية‮»‬‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬مستوى‭ ‬كافٍ‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬الكلية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الكلمات‭ ‬والمصطلحات‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬أبحاث‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬اتخذت‭ ‬خطوة‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬حيث‭ ‬بزغت‭ ‬التوجهات‭ ‬شبه‭ ‬الرمزية‭ ‬Subsymbolic Approaches‭ ‬والتي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬مؤثرة‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا. ‬تتخلص‭ ‬التوجهات‭ ‬شبه‭ ‬الرمزية‭ ‬من‭ ‬مسألة‭ ‬تمثيل‭ ‬المعرفة‭ ‬رياضياً‭ ‬بشكل‭ ‬كلي. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬حقن‭ ‬الآلة‭ ‬بالأفكار‭ ‬والمعارف‭ ‬الطبيعية‭ ‬بشكل‭ ‬رياضي‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تفكر‮»‬‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يشبه‭ ‬التفكير‭ ‬البشري،‭ ‬تتبنى‭ ‬هذه‭ ‬التوجهات‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬نحاول‭ ‬جعل‭ ‬الآلة‭ ‬تتصرف‭ ‬بذكاء‭ ‬تحت‭ ‬ظروفها‭ ‬المتاحة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نهتم‭ ‬بما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الكود‭ ‬البرمجي‭ ‬ذو‭ ‬علاقة‭ ‬بطريقة‭ ‬التفكير‭ ‬عند‭ ‬البشر‭. ‬بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬لا‭ ‬يهم‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬الآلة‭ ‬تفكر‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬بطريقة‭ ‬تشبه‭ ‬الدماغ‭ ‬البشري‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬تتصرف‭ ‬أمامنا‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يشبه‭ ‬السلوك‭ ‬البشري‭ ‬وتعطي‭ ‬نتائج‭ ‬تشبه‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬نتائج‭ ‬التفكير‭ ‬البشري‭.‬

هجرت‭ ‬التوجهات‭ ‬شبه‭ ‬الرمزية‭ ‬اعتبار‭ ‬المعرفة‭ ‬كنقطة‭ ‬بداية‭ ‬للتفكير. ‬فخلافاً‭ ‬لتشومسكي،‭ ‬قد‭ ‬يقول‭ ‬التوجه‭ ‬شبه‭ ‬الرمزي‭ ‬إن‭ ‬القواعد‭ ‬النحوية‭ ‬محددة‭ ‬ومُكيّفة‭ ‬بقيود‭ ‬بيئية‭ ‬سياقية‭ ‬وعضوية،‭ ‬وليست‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬الحوسبية‭ ‬المُضمنة‭ ‬داخل‭ ‬الدماغ‭ ‬مسبقاً‭. ‬لايمكن‭ ‬صياغة‭ ‬هذه‭ ‬القيود‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬قوانين‭ ‬صورية‭ ‬منطقية‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬متطلبات (‬أو‭ ‬شروط) ‬بيئية‭ ‬تفرضها‭ ‬البيئة‭ ‬والسياق. ‬الفرضية‭ ‬الأساسية‭ ‬خلف‭ ‬التوجهات‭ ‬شبه‭ ‬الرمزية‭ ‬حول‭ ‬أدمغتنا‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬اللغة‭ ‬والسلوك‭ ‬توجد‭ ‬فقط‭ ‬ضمن‭ ‬علاقة‭ ‬مع‭ ‬البيئة‭ ‬والسياق،‭ ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬فراغ‭ ‬مستقل،‭ ‬وتكتسب‭ ‬المعاني‭ ‬قيمتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تفاعلها‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬والسياق. ‬فلكي‭ ‬نستخدم‭ ‬اللغة‭ ‬فنحن‭ ‬نستخدمها‭ ‬لغرض‭ ‬محدد‭ ‬ولكي‭ ‬نتصرف‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬فنحن‭ ‬نتصرف‭ ‬لغاية‭ ‬محددة. ‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬التصور،‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لاستخراج‭ ‬قواعد‭ ‬كلية‭ ‬عامة‭ ‬لن‭ ‬تنجو‭ ‬من‭ ‬الاستثناءات،‭ ‬فالبيئة‭ ‬والسياق‭ ‬يتغيران‭ ‬باستمرار‭ ‬ويفرضان‭ ‬متطلبات‭ ‬متغيرة‭ ‬تبعاً‭ ‬لذلك. ‬فبدون‭ ‬وجود‭ ‬‮«‬الدافع‮»‬‭ ‬أو‭ ‬الهدف‭ ‬المحدد‭ ‬المتعلق‭ ‬بالبيئة‭ ‬والسياق‭ ‬يبدو‭ ‬تمثيل‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬الآلة‭ ‬بلا‭ ‬أدنى‭ ‬فائدة‭.‬

حضرت‭ ‬التوجهات‭ ‬شبه‭ ‬الرمزية‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬الخمسينيات‭ ‬وبداية‭ ‬الستينيات‭ ‬ولكنها‭ ‬ظلّت‭ ‬مستبعدة‭ ‬ومتأخرة‭ ‬لسنين‭ ‬طويلة‭ ‬لأن‭ ‬نتائجها‭ ‬كانت‭ ‬كارثية‭ ‬للغاية و‬أسوأ‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬التوجهات‭ ‬الرمزية. ‬في‭ ‬عام‭ ‬1957م‭ ‬اقترح‭ ‬عالم‭ ‬النفس‭ ‬الشهير‭ ‬فرانك‭ ‬روزنبلات‭ ‬ما‭ ‬سماه‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬البيرسبترون Perceptron» ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬خوارزمية‭ ‬ذاتية‭ ‬التغذية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬بشكل‭ ‬بسيط‭ ‬للغاية. ‬هذا‭ ‬التوجّه‭ ‬سمي‭ ‬لاحقاً‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬الاتصالية ‬Connectionism» ‬و«الشبكات‭ ‬العصبية‭ ‬الصناعية ‬Artificial Neural Networks» ‬‬وكان‭ ‬له‭ ‬أثر‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬دراسات‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬والأعصاب‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬فهم‭ ‬الإدراك‭ ‬عند‭ ‬البشر. ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬الستينيات‭ ‬تعرَّض‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬لنقد‭ ‬عنيف‭ ‬للغاية‭ ‬يرأس‭ ‬حربته‭ ‬أحد‭ ‬أشهر‭ ‬علماء‭ ‬الحاسوب‭ ‬المناصرين‭ ‬للتوجه‭ ‬الرمزي‭-‬مورفن‭ ‬مينسكي- ‬بحيث‭ ‬خبا‭ ‬نجم‭ ‬الشبكات‭ ‬العصبية‭ ‬والتوجهات‭ ‬شبه‭ ‬الرمزية‭ ‬عموماً‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬جداً‭ ‬امتدت‭ ‬لعقدين‭ ‬من‭ ‬الزمن. ‬تخلل‭ ‬هذا‭ ‬السبات‭ ‬عودات‭ ‬على‭ ‬استحياء‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬تيرانس‭ ‬سيجونسكي -‬أحد‭ ‬أشهر‭ ‬علماء‭ ‬الأعصاب‭ ‬الحاسوبية‭ ‬اليوم- ‬مستلهمة‭ ‬من‭ ‬سلوك‭ ‬الأنظمة‭ ‬الحيوية‭ ‬والجينية‭ ‬المعقد‭ ‬للغاية‭ ‬والذي‭ ‬يتطور‭ ‬في‭ ‬تعقيده‭ ‬متفاعلاً‭ ‬مع‭ ‬البيئة‭ ‬بقدرة‭ ‬على‭ ‬تعديل‭ ‬السلوك‭.‬

اليوم‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬نظريات‭ ‬التوجه‭ ‬شبه‭ ‬الرمزي‭ ‬تحوز‭ ‬نصيب‭ ‬الأسد‭ ‬من‭ ‬ازدهار‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي. ‬ففي‭ ‬أنواع‭ ‬محددة‭ ‬من‭ ‬المسائل‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬التوجه‭ ‬شبه‭ ‬الرمزي‭ ‬خطا‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬لها‭ ‬نظريات‭ ‬التوجهات‭ ‬الرمزية. ‬وهذا‭ ‬النجاح‭ ‬ينبع‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاعتناء‭ ‬إطلاقاً‭ ‬بما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الآلة‭ ‬‮«‬تعرف‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬تفهم‮»‬‭ ‬المسألة‭ ‬التي‭ ‬تعالجها. ‬لا‭ ‬تتطور‭ ‬هذه‭ ‬التوجهات‭ ‬بسبب‭ ‬فهم‭ ‬أفضل‭ ‬لطبيعة‭ ‬المشكلة‭ ‬على‭ ‬الطاولة،‭ ‬بل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يهم‭ ‬هو‭ ‬مدى‭ ‬مواءمة‭ ‬الخوارزميّة‭ ‬للبيئة‭ ‬أو‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬تتعامل‭ ‬فيه‭ ‬مع‭ ‬المشكلة. ‬فهي -‬بعبارة‭ ‬أخرى- ‬أشبه‭ ‬بصناديق‭ ‬معتمة‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬مايحصل‭ ‬بداخلها،‭ ‬ولكنها‭ ‬حققت‭ ‬نجاحات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬متعددة‭ ‬مثل‭ ‬تحليل‭ ‬البيولوجيا‭ ‬المعلوماتية‭ ‬وتحليل‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬وغيرها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يستطيع‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬أن‭ ‬يشرح‭ ‬لماذا‭ ‬هذه‭ ‬الخوارزمية‭ ‬ملائمة‭ ‬أكثر‭.‬

أحد‭ ‬أشهر‭ ‬التطبيقات‭ ‬الناجحة‭ ‬للتوجه‭ ‬شبه‭ ‬الرمزي‭ ‬هو‭ ‬الشبكات‭ ‬العصبية‭ ‬الصناعية،‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬في‭ ‬تطبيقات‭ ‬تمييز‭ ‬الوجوه‭ ‬والصور‭ ‬والأصوات‭ ‬وفي‭ ‬القيادة‭ ‬الذاتية‭ ‬للسيارة. ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬أي‭ ‬تمثيل‭ ‬للمفاهيم‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬الخوارزمية‭ ‬والعوامل‭ ‬التي‭ ‬تستعملها‭ ‬الخوارزمية‭ ‬للتمييز‭ ‬بين‭ ‬الصور‭ ‬مثلاً‭ ‬تتوالد‭ ‬من‭ ‬العملية‭ ‬نفسها. ‬فلكي‭ ‬تميز‭ ‬هذه‭ ‬الخوارزمية‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬الصور‭ ‬الإباحيّة‭ ‬من‭ ‬سواها،‭ ‬فإنها‭ ‬لن‭ ‬تعتمد‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬أجزاء‭ ‬جسدية‭ ‬معينة‭ ‬أو‭ ‬خصائص‭ ‬عامة،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬سيطرة‭ ‬طيف‭ ‬لوني‭ ‬محدد‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬مثلاً‭.‬

بينما‭ ‬نرى‭ ‬هذه‭ ‬النجاحات‭ ‬في‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬يعود‭ ‬لنا‭ ‬سؤال‭ ‬التفكير‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الآلات‭ ‬تقدِّم‭ ‬لنا‭ ‬أي‭ ‬تلميحات‭ ‬بخصوص‭ ‬عملية‭ ‬التفكير. ‬قد‭ ‬توحي‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬بأنه‭ ‬ربما‭ ‬لايوجد‭ ‬أي‭ ‬سر‭ ‬هائل‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬ليست‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬يوحي‭ ‬بها‭ ‬حديثنا‭ ‬عن‭ ‬التفكير‭ ‬والوعي. ‬المسرح‭ ‬الديكارتي‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬لايبدو‭ ‬سوى‭ ‬تجريد‭ ‬مفيد‭ ‬لنا‭ ‬يمكننا‭ ‬من‭ ‬النظر‭ ‬للأمر‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى‭ ‬حيث‭ ‬يلخص‭ ‬عمليات‭ ‬بيولوجية‭ ‬معقدة‭ ‬جداً‭ ‬لا‭ ‬ندرك‭ ‬منها‭ ‬شيئاً،‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬توجد‭ ‬أي‭ ‬دلائل -‬على‭ ‬الأقل‭ ‬حتى‭ ‬اليوم- ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬هكذا‭ ‬مسرح‭ ‬داخل‭ ‬أدمغتنا. ‬النماذج‭ ‬الجديدة‭ ‬والمتقدمة‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الصناعي‭ ‬تهمس‭ ‬لنا‭ ‬بأن‭ ‬إحساسنا‭ ‬بوجودنا‭ ‬بما‭ ‬يتضمنه‭ ‬من‭ ‬تفكير‭ ‬ومشاعر‭ ‬ربما‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬أفكارنا‭ ‬فحسب؛‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬أدمغتنا. ‬

الآلات‭ ‬والحال‭ ‬كذلك‭ ‬ينتظرها‭ ‬طريق‭ ‬طويل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تشاركنا‭ ‬نِعم‭ ‬الأمل،‭ ‬الألم‭ ‬والشك‭. ‬إنها‭ ‬لن‭ ‬تذرف‭ ‬الدمع‭ ‬فرحاً‭ ‬أو‭ ‬حزناً‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬المنظور‭.

لماذا يرى العلماء أنفسهم جهلاء؟

12 مايو, 2014 ✍

* نشر في صحيفة مكة

لا أكاد أسمع لأحد كبار العلماء والباحثين يتحدث في مجاله إلا ويتبادر في ذهني هذا السؤال، لماذا يبدون متواضعين وحذرين جداً في أحكامهم مع أن قدر المعرفة لديهم أكبر بكثير من غالبية الناس؟ وبالمقابل تجد كثيرا من المُتعالمين والأدعياء يتحدثون في ذات المواضيع بثقة تامة ومطلقة ويطلقون أحكامهم بكل تأكيد وحزم؟ دار هذا السؤال في بالي كثيراً وهو في حقيقته ليس أكثر من سؤال الفرق بين العالِم الحقيقي والمُتعالم (أو الجاهل).

يميل الفرد إلى الإيمان الزائد بقدراته ومعرفته في كثير من الشؤون الحياتية والاجتماعية. هذا التقدير المُبالغ فيه لمعرفته يتضمن مسألتين: يتوصل هذا الفرد دائماً إلى استنتاجات خاطئة أو يتبنى خيارات مغلوطة، وأكثر بلاءً من ذلك أن جهلهم هذا يعيقهم عن تقدير ضعف معرفتهم، (أو عن معرفة جهلهم الشديد). جرب أن تسأل أحد المهتمين بشكل بسيط في أي مجال وليكن في العلوم، ستجد أنه يجيبك عن سؤالك ولكنه في ذات الوقت غير قادر على تقدير سطحية جوابه وسخافته. وإذا كان هذا الأمر في العلوم والتي قد يبذل فيها الفرد بعض الاهتمام، فماذا يمكن أن يقال عن الشؤون السياسية والحياتية؟ هذا الفرد ليس فلان هناك البعيد، بل كلنا هذا الفرد. كلنا -وبمجرد اهتمامنا بمجال معين- لا نحب أن نظهر فيه بمظهر الجاهل الذي لا يعرف شيئاً رغم أنك تجد في هذا المجال من أفنوا أعمارهم وأوقاتهم لفهمه والتعمق والاحتراف فيه.

المفارقة المضحكة في الموضوع هي أن أحد أهم وأوضح معالم قلة الكفاءة هو الجهل بقلة الكفاءة، الجهل بحجم الجهل. وحتى يكون حديثي أكثر وضوحاً فسأسرد تجربة عملية أجراها كل من جستن كروجر وديفين ديننج من جامعة كورنيل الأمريكية نشروها لاحقاً في ورقة عنوانها «لا يملكون المهارة ولا يدركون ذلك: كيف تقود صعوبة إدراك عدم كفاءة الفرد إلى تقييم متضخم لذاته». حيث تبدأ الورقة بالحديث عن أن ذات المعرفة أو المهارات التي نحتاجها لإطلاق أحكام صحيحة أو أداء الحرف بطريقة صحيحة هي ذات المهارات التي نستعين بها على تقييم المخرجات. وهذا قد يبدو حديثاً بديهيا. لكن غير البديهي هو كيف أن الأفراد حتى على الرغم من افتقادهم للمعرفة الكافية لإطلاق الأحكام الصحيحة في مجال ما قادرون على الحديث بثقة عالية في ذات المجال. ففي إحدى الاختبارات (عن الاستنتاج المنطقي) في هذه الورقة، تجد أن متوسط تقييم الأفراد لأدائهم في الاختبار كان ٦٦٪. أي أن الكل يعتقد أنه يملك من المعرفة في الاستنتاج المنطقي أفضل بقليل من المتوسط (والذي سيكون خمسين بالمئة). لكن العجيب أن أسوأ العينة أداءً كانوا الأكثر ثقة في معرفتهم بالاستنتاج المنطقي (حيث قيّموا قدراتهم أفضل من %68 من الآخرين) وتوقعوا أن درجاتهم في الاختبار لن تقل عن %62 من أفراد العينة الآخرين في نفس الوقت الذي كانوا فيه أسوأ العينة أداء. في نفس الوقت نجد أن أفضل العينة أداءً والذين أحرزوا درجات أفضل من %90 من أفراد العينة قيّموا قدراتهم بشكل أقل من مستواهم الفعلي. هذه تجربة واحدة من أصل ٤ اختبارات متتابعة في مجالات مختلفة يذهلك فيها تكرار هذا النمط من الفجوة بين الاعتقاد والأداء الفعلي.

ما هو السبيل إذن حتى نهرب من هذا الفخ الصعب؟ أن نتحدث فيما نعرف فقط؟ ليس كذلك فهذا لن يفيد لأننا سنعتقد أننا نعرف ما يكفي دوماً. تستعرض ذات الدراسة أنهم أقاموا دورة تدريبية قصيرة في إحدى المهام لتعرفهم على أبرز المهارات والطرق، وحين اختبروا مرة أخرى تجد أنهم أصبحوا الآن أكثر تواضعاً فقد انخفضت توقعاتهم عن أدائهم بشكل كبير لأنهم يعرفون الآن حجم ما يجهلونه. وهذا بالضبط هو العلاج الناجع للجهل والذي ورثناه من حكمة الأولين: المزيد من التعلم من الأخطاء والاستعداد للتصحيح. ليس لغرض العلم ذاته بقدر ماهو لغرض العلم بمقدار ما نجهله..

ولعلنا نتحدث قليلاً عن كيفية التعامل مع المُتعالم الذي يدعي أنه يعلم وأنت تدرك تماماً أنه لا يعلم. يفضل البعض أسلوب تفجير الفقاعة مباشرة في وجه المُتعالم. لكن هذا الأسلوب قد لا يبدو ناجعاً خصوصاً لو كان هذا المتعالم صاحب لسان واستطاع بشكل ما أن يكسب الموقف ويعزز التصور المغلوط عنه عند الآخرين. كما أننا كنا يوماً ما في موقف هذا المتعالم حيث دافعنا عن فكرة أو رأي لم نتحقق منه جيداً ودخلنا في نقاش حوله ونحن لا نفقه فيه ما يكفي. ويفضل آخرون أسلوباً أراه أكثر نجاعة، وهو في مسايرة المتعالم والانطلاق معه ثم توضيح ما يجهله خطوة خطوة حتى تكسبه في صفك. ولا شك أن هذا الأسلوب ناجع لأن المُتعالم لن يحتمل التمسك بموقفه حينما يرى من هو أعلم منه يريه مقدار جهله.

برتراند راسل تحدث مرة عن العواقب الوخيمة لعجز العارفين وتشككهم وجلد الساذجين وجرأتهم، حيث قال «الوحيدون الذين تبقى لديهم آراء إيجابية هم هؤلاء الأغبياء جداً الذين لا يعرفون متى تكون آراؤهم سخيفة.

وبالتالي فالحمقى يحكمون العالم». فلا عجب أن يتجاهل قادة العالم المشكلات التي تحيق بمستقبل البشرية كالتلوث البيئي أو أن يعجزوا عن حل الكوارث السياسية، فالحمقى هم الأقدر على القرار والتنفيذ ولذلك حكموا العالم.

عن الانحياز الذي لا مناص منه

11 أبريل, 2014 ✍

* نشر في صحيفة مكة

لا يوجد شيء نفر منه أثناء تفكيرنا ونقاشاتنا مثل الانحياز: الانحياز للأشخاص، الانحياز للجماعة، الانحياز للمشاعر، وما إلى ذلك. لأن الانحياز يُعمي البصيرة عن الحجة المطروحة ويجعلنا نرى بنظارات لا تعكس طبيعة الأشياء كماهي في الواقع. وربما سمعت من يزعم بكل ثقة بأنه “متحيز للحقيقة” فحسب ولا يبالي بكل ماعداها. التخلص من الانحياز أو تجنبه بقدر المستطاع بدون شك مهارة قوية نطمح لاكتسابها. إذا لايوجد عاقل يرضى أن يكتشف في نهاية الأمر بأنه ضحية لنظاراته المخادعة التي لم تعكس الأشياء كما هي.

ولكن هل التخلص من الانحياز مهمة يسيرة ؟ لنجيب عن هذا السؤال سنعود عقوداً للوراء ونراجع سريعاً ما كتبه الباحثون في الاقتصاد وعلوم النفس عما تصوروه نحو مفهوم العقلانية في السياق الاقتصادي والاجتماعي والسلوكي، والتي انبثق منها لاحقاً أحد فروع الاقتصاد فيما يسمى “علم الاقتصاد السلوكي”.

النموذج الكلاسيكي للاختيار العقلاني نموذج مهم ومركزي في دراسات الاقتصاد. وفي جوهره يدور حول رفع المنفعة الذاتية المتوقّعة. فحينما يقبل الفرد على اختيار الخيار “العقلاني” فهو يقيّم جميع الخيارات المطروحة ويختار على ضوء هذا التقييم الخيار الذي يرفع منفعته لأقصى حد. ولكن هذا النموذج الكلاسيكي يفترض أن الفرد قادر على التقييم بموضوعية وبدون انحياز. وعلى الرغم من التعديلات اللاحقة على النموذج الكلاسيكي للاختيار العقلاني، إلا أن أياً من التعديلات لم يصمد أمام برنامج البحث الذي اقترحته أبحاث العالمين النفسيين دانيال كنمان وآموس تفيرسكي الثورية حول الحدس والانحيازات عبر ورقتهم الشهيرة المنشورة عام 1974 والتي قادت كنمان للفوز بنوبل عام 2002 في فرع الاقتصاد!

كما هو واضح من عنوان الورقة “الأحكام في ظل الحيرة: الحدس والانحيازات” فالورقة تهدف للتشكيك في قدرة الفرد على الحُكم العقلاني في ظل عدم اليقين أو بمعنى آخر في سياق الحياة الواقعية. حينما نتخذ الأحكام اليومية عن الأشياء والأشخاص والحوادث فنحن لا نكتب معادلات إحصاء معقدة لنصل إلى حكم دقيق عما إذا كان الشخص الذي أمامنا يكذب أم لا. قدرتنا على اتخاذ الأحكام الموضوعية في سياق الحياة الواقعية محشورة في كم هائل من الانحيازات، لماذا ؟ علينا أن ندرك أولاً أن الانحياز ليس سيئاً في كل الأحوال. فهو يسرّع عملية المعالجة المباشرة للمعلومات اليومية عبر “اختصارات حدسية” توفر عنا الكثير من الوقت والجهد. وهنا نجد الدور التطوري لهذا الحدس حيث أنه يعني بكل بساطة أن مواردنا العقلية محدودة وأن علينا أن نستخدمها بأعلى كفاءة أمام تحدي البقاء ومن هنا لا مناص من “الاختصارات” أو الأحكام السريعة المبنية على الحدس. في بعض الأحيان، نجد أن في داخلنا حدس خفي مبني على تجاربنا السابقة يخبرنا بأن الشخص الذي أمامنا يكذب أو أنه مريض أو ما إلى ذلك. هذا الحدس مهم جداً وكثيراً ما يكون صادقاً ولكن الجدير بالذكر أنه ينبثق من دواخلنا دون وعي. لا نملك عملية حسابية نجريها لنعرف ما إذا كان الشخص الذي أمامنا يكذب أو مريض أو ما إلى ذلك.

الزبدة هنا هي أن الانحياز والاختصارات الحدسية ليست “انحرافاً” عن التفكير السليم، بل هي نظام للتفكير “السريع” نحلل به ونتعامل من خلاله مع القدر الهائل من المعلومات اليومية. الصورة ليست بهذه القتامة، فنحن بالمقابل قادرون على التفكير بشكل منظم ومنهجي عبر خطوات محددة (فكر مثلا في ناتج 45 x 12 بدون استخدام الآلة الحاسبة) فيما يسمى بنظام التفكير “البطيء”. يعمل الدماغ البشري بتفاعل دقيق ومعقد بين هاتين المنظومتين في شد وجذب يشكلان أبرز وأروع قدراتنا الإدراكية وكذلك أبرز عيوبنا في نفس الوقت. وقد لخص دانيال كنمان في كتابه المبهر الصادر عام 2011 بعنوان “التفكير السريع والتفكير البطيء” أبحاثه وأبحاث زملائه التي توضح الدور اليومي والمصيري لهاتين المنظومتين والتفاعل المعقد بينهما.

الانحياز بالمجمل إذن داخل في تكويننا ويخدمنا بشكل يجعل عملياتنا الإدراكية أكثر كفاءة ومرونة. لا يمكن التخلص منه مهما ادعى الفرد أنه منحاز للحقيقة والحقيقة فقط. إذن أن الخلل إن سلم منه تفكيره فلن تسلم منه قنواته الحسية والإدراكية التي يستقي من خلالها معارفه عن العالم الخارجي. هل هذا يعني أن الحقيقة معدومة وأننا نعيش في عالم مليء بالفوضى والذاتية فقط ؟ بدون شك ليس الأمر كذلك. لأننا نعرف أن العقل كذلك يلعب دوراً أساسياً في حركة التاريخ وفي حياة المجتمعات. هناك حد أدنى من عمليات التبرير والتي نجد فينا ميلاً -قد لا نستطيع فهمه- للخضوع لها وتبنيها وبناء معارفنا الأخرى عليها. نرى العالم اليوم يستبشع “القتل” بشكل أكبر بكثير – بل قد لا يقارن- بما كان قبل قرون طويلة حيث البربرية والوحشية في القتل والعنف هي الموقف السائد. ونفس المنحنى المتصاعد ينطبق على مفاهيم وممارسات كثيرة مثل قدسية الحياة والحقوق الأساسية والرق وما إلى ذلك. فالحجج القوية والمقنعة -والتي ستؤثر في معارفنا وأحكامنا في نهاية المطاف- مهما كانت مقموعة ومخفية في المجلدات إلا أنها ستجد طريقها إلى الحياة والسيادة طال الوقت أم قصر.

ختاماً، نزعتنا الطبيعية لارتكاب الأخطاء في التفكير واتخاذ الأحكام تقابلها نزعات أخرى في تحري الاتزان والانسجام. فكما أن الصورة ليست بتلك القتامة إلا أنها ليست بتلك الوردية التي كثيراً ما نخدع بها أنفسنا ونخدع الآخرين معنا.

لماذا العنصرية ضد الأجانب؟

1 أبريل, 2014 ✍

* نشر في صحيفة مكة

كتب أحدهم في موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) قبل أيام قليلة -وبلغة فجة وعنصرية- عن إحدى الجنسيات العربية بصفتها تسرق خيرات بلدنا ثم تسافر لأمريكا وأوروبا لتتنعم بأموالها هناك آخر حياتها. وبغض النظر عما كتبه -والذي أعتبره فجاً ووقاحة- إلا أن هذا الأسلوب في التعميم والتصنيف نجده يتكرر من عقود قديمة ولعل آخر شواهده ما قرأناه في حملة القبض على الإثيوبيين وغيرها وغيرها. والأمر لا يقتصر بالطبع على التصنيف الخارجي بل لا تكاد تحصر التصنيفات الداخلية والتي تخضع كلها لعلاقات الفرد مع جماعته وموقع جماعته من الإعراب. هل هذه ظاهرة فريدة وخاصة بمجتمعنا ؟ وهل هي قبيحة بالضرورة؟

ظاهرة التصنيف ليست فريدة بمجتمعنا حيث نجد التصنيف ظاهرة كونية في كل البشر وبألوان مختلفة. سواء اتجهت شرقاً أو غرباً ستجد في كل مجتمع طيفا من التصنيفات التي تعطي فكرة جيدة ودقيقة عن نظرة أفراد هذا المجتمع للعالم من حولهم وتعاملهم معه. فالتصنيف كممارسة يعطينا معلومات قيمة جداً. «النساء والحريق والأشياء الخطيرة» هو عنوان كتاب معروف للعالم الإدراكي جورج لاكوف وهو مستلهم من تصنيف لإحدى القبائل البدائية للطبيعة حولها حيث تضع كل هذه الثلاثة أشياء تحت تصنيف واحد!

فلماذا يندفع البشر لتصنيف الآخرين في بداية المطاف، ولماذا يتطور هذا التصنيف لاحقاً إلى ممارسة للعنصرية ضد الأفراد؟ البشر بحاجة للتصنيف لسببين:

أولاً لإشباع شعورهم بالراحة النفسية خاصة إن كان التصنيف يتضمن حكماً. فهذه الوسيلة للشعور بالراحة النفسية لا تتطلب جهداً ولا وقتاً ولا نصيباً من التفكير والبذل. بل هي وسيلة عديمة الثمن وذات كفاءة عالية في تحقيق هذه الغاية. فوصف الناس بالغباء أو الجهل أو البلادة أسهل بكثير من دراسة حالة كل فرد من هؤلاء الناس وتقييمه ومن ثم الخروج بمتوسط ما يخبرنا بمدى ملاءمة الشريحة لهذه المعايير، وإضافة إلى ذلك فنحن لا نضمن نتيجة هذا المسح حيث يمكن أن يخالف مضمون التصنيف.

أما السبب الثاني وهو الأهم فهو تنقية المعلومات اللانهائية التي تمكننا من التعامل مع العالم الخارجي، ولو كانت المعلومات مشوشة. نحن كائنات محدودة الجهد والوقت والطاقة وليس في مقدورنا أن نقوم بدراسة كل حالة من حالات العالم من حولنا بموضوعية واستقلالية. فمن هنا نضطر للبحث في العموميات وإسقاطها على الجماعات لكي يتسنى لنا التعامل معهم بقوانين وبروتوكولات واضحة. لا نبالي كثيراً إن ارتكبنا الأخطاء في التصنيف والتي قد تكون أشبه بأخطاء أمين المكتبة حين يضع بعضاً من الكتب الجيدة تحت التصنيف غير المناسب، فهذا لن يدمر سمعة المكتبة بحال. فهذا يعني أن التصنيف لأجل تنقية المعلومات أيضاً وسيلة فعالة للتعامل مع عالم بالغ التعقيد لا يستطيع فيه الفرد بمفرده اكتشافه بالكامل.

التصنيف إذن في الأساس هو جزء من بشريتنا وطبيعتنا ويحصل دوما سواء أدركنا ذلك أم لم ندرك. ويزداد الأمر أهمية حين نرى الفرد ككائن اجتماعي يحمل هويات متعددة تشمل معه جماعة من البشر حوله. فقد يكون هذا الفرد جنوبياً وسعودياً وعربياً ومسلماً وينتمي لقبيلة ومدينة ولديه أصدقاء من صنف محدد وما إلى ذلك. كل هذه الأوصاف تمثل مجموعات ينتمي لها الفرد ويستقبل في نفس الوقت معارفه من خلالها. لا شك أن الخبرة والتعلم تعدل قليلاً من أثر كل مجموعة في معارف الفرد لكنه في النهاية لن يبقى كائناً محايداً مجرداً.

إذن كيف ينتقل التصنيف إلى حالة عنصرية كريهة وتعميم للصفات السيئة على الآخرين؟

في الحقيقة كما أننا لا نستطيع أن نتخلص من التصنيف كعملية لاواعية، فنحن لا نستطيع التخلص من العزو (Attribution) كذلك. وحينما أتحدث عن العزو فأعني ما نفعله حينما نطبق الصفات الشخصية على الآخرين من خلال تفاعلنا معهم سواء بشكل مباشر أو عبر الجماعة. ففلان من الناس منفتح أو جلف أو غبي أو مبدع لأننا شاهدنا في أكثر من مناسبة ما يجعلنا نوسمه بذلك حتى لو كانت معرفتنا به وبظروفه التي دفعته للتصرف على هذا النحو ضئيلة أو معدومة. نمارس العزو حتى من قراءة خبر عابر عن أب يضرب ابنته مثلا لنتخيل أنه أب قاس وغير متعلم ونحن لا رأينا الأب ولا عرفنا أي تفاصيل قريبة من الحادثة. ليس بالضرورة أن يكون العزو خاطئاً بل هو أيضاً له وظيفة مهمة وهي اختصار الوقت والجهد في معالجة المعلومات التي تأتينا من العالم حولنا بأفضل طريقة ممكنة.

حين تسيطر علينا الرغبة في إشباع شعورنا بالرضى الذاتي نقوم بعزو صفات دونية على تلك الجماعات المختلفة عنا. قليلاً ما تجد من يصف أسرته مثلا بأوصاف قبيحة على نفس الطريقة التي يصف بها الجماعات الأخرى لأنه عاش الظروف ذاتها. ولكن في نفس الوقت ستجد بكل سهولة من الآخرين من يحتقر هذه الأسرة بناء على صفات يراها ثابتة فيها. لا يمكن أن يصدر هذا الفعل من حالة إنسانية سامية تتفهم اختلاف حال الإنسان وتلون ظروفه وتأثير مجتمعه في طريقة تفكير الأفراد وسلوكهم.

لذلك لا يوجد علاج ناجع للعنصرية ضد الأجانب أو ضد أي جماعة مختلفة إلا بلعبة تقمص الأدوار. والتي تتلخص في الحكمة الشعبية القائلة «لا تستطيع أن تفهم إنسانا حتى تمشي في حذائه» أو بعبارة أخرى حتى تتخيل نفسك تنشأ في نفس ظروفه وبتفاصيلها المختلفة ثم ترى كيف أن هذا الآخر الذي تحتقره ليس سوى إنسان مثلك تماماً بكل ما فيه، وأن كل الصفات السيئة فيه غالباً ما تجدها منعكسة فيك وفي جماعتك؛ ولكنها عين الرضا وعين السخط.

كلنا أشرار ولكن لم نعرف ذلك بعد

1 فبراير, 2014 ✍

* نُشر في صحيفة مكة.

لم تمض أسابيع قليلة على حادثة تفجير مستشفى العرضي في اليمن والذي تبنته جماعة القاعدة.. نتخيل أحياناً أن هناك فئة “أخرى” من البشر قلوبهم سوداء مليئة بالحقد والبطش وينتظرون أقرب الفرص ليقتنصوا ضحاياهم الأبرياء لتحقيق أهدافهم السياسية. ذكرتني حادثة مستشفى العرضي بفضائح التعذيب التي تصدر من السجون حيث يوصف الجنود الذين يقومون على التعذيب بأنهم كذلك عديمو الإنسانية. إذ كيف يجرؤون على تعذيب الضحايا وكيف يتحملون كل تلك الصور والمناظر البشعة لما اقترفته أيديهم ؟ ولن أستمر في سرد الأمثلة فكلنا نستحضر العديد منها. قد يتطرف البعض ويعتقد أن هؤلاء ليسوا بشراً فالإنسان لايمكن أن يكون بهذه القسوة. ولكن هل هم فعلاً على حق ؟ ليس تماماً.

ستانلي ميلغرام -عالم النفس الأمريكي- أعاد تعريف الكثير من المفاهيم حول الامتثال للسلطة في تجربة مشهورة باسم “تجربة ميلغرام”. حيث طلب من متطوعين أن يمتثلوا دور الضحية وكان على الفرد في العينة (التي تصل إلى ألف شخص) أن يوجه صعقة كهربائية للضحية حينما يجيب إجابة خاطئة. كانت الخطة أن يتعمد الضحية الإجابة بشكل خاطئ حتى يختبر المدى الذي سيصل إليه أفراد العينة في زيادة مستوى الصعقة. بالطبع لم يتأثر الذين كانوا في دور الضحية سلباً حيث أنهم كانوا يمثلون ولم تكن الصعقة حقيقية. ولكن الملف للانتباه هو أن 62% من أفراد العينة وصلوا إلى أعلى مستوى للصعق رغم الصياح ونداءات الاستغاثة التي كان يؤديها الضحية. بعبارة أخرى، ثلثيّ العينة لم يجدوا غضاضة من إلحاق الأذى بالآخرين وتعذيبهم واضطهادهم بسبب صدور هذه الأوامر. أليس هذا مفجعاً ؟

في ورقته التي يلخص فيها هذه التجربة -والتي كُررت مرات عديدة وتحت ظروف مختلفة- ويستعرض فيها البيانات عرض فيها الكثير من المفاجآت. لعل المفاجأة الأولى هي شرح كيف أنه بوسع أشخاص عاديين -وربما يوصفون بأحسن الأوصاف في حياتهم المهنية والعامة- متقبلين لأن يمتثلوا للأوامر على حساب الآخرين وبدون مقاومة فعلية. بالطبع أغلب أفراد العينة كانوا منزعجين من الأوامر المتكررة بزيادة الجرعة إلا أنهم في النهاية يمتثلون ويخضعون لأمر المشرف على التجربة حينما يقول له “استمر ، فالتجربة تتطلب هذا”. لم يستطيعوا ترجمة هذه المقاومة إلى رفض للامتثال وإعلان انسحابهم من المساهمة في التجربة مع أن بوسعهم فعل ذلك في أي لحظة. فهل هم أشرار حقاً ؟

لم يكونوا أشراراً. فكل فرد فيهم تنازعته التناقضات بين طاعة أوامر المشرف على التجربة وبين التعاطف مع الضحية “أو المتطوع”. وليس هذا فحسب، بل إن الحد الأعلى للصعق يقل كلما قلّت المسافة بين أفراد العينة والضحية. حيث كان هناك أربع تصنيفات اختبرت كلها على حدة تتراوح من لقاء مباشر داخل غرفة واحدة -وهي التي يقل فيها الحد الأعلى للصعق لأن التعاطف مع الضحية أكبر- إلى إخفاء تام للضحية حيث لا يسمع أفراد العينة إلا طرقات الباب والصراخ -وهي الحالة التي سجل فيها الحد الأعلى للصعق أعلى المستويات-. وإضافة إلى ذلك يقلّ الامتثال بشكل كبير حينما يكون المشرف على التجربة خارج الغرفة (ويُلقي أوامره لأفراد العينة إما بالهاتف أو عبر شريط مسجل) لدرجة أن بعضهم كان يوجه للضحية أخف الصعقات رغم زعمه أنه يرفعها. فهؤلاء إذن لم يكونوا أشراراً، حيث أنهم يتحرون السبل للعطف بالضحية.

إذن فهل هم عديمو الإنسانية ؟ في حقيقة الأمر كلنا يمكن أن نكون مكان أحد هؤلاء عديمي الإنسانية. تصرفاتنا -حسب ما تتوجه إليه دراسات علم النفس الاجتماعي- لا تنطلق من سماتنا الشخصية فحسب بل إنها تخضع وبشكل كبير للموقف. دراسة ميلغرام ليست الوحيدة بل تبعتها دراسات كثيرة قد نتعرض لها مستقبلاً مثل “تجربة سجن ستانفورد” وغيرها. وكلها تصل إلى ذات النتيجة وهي أن سماتنا الشخصية وتوقعاتنا وأفكارنا كلها تتضاءل أمام الظروف التي نجد أنفسنا فيها فنتصرف حسب ماتمليه الضروف. فحين نرمي بإنسان في تيار مائي قوي لا يمكن أن نقول بأنه سباح سريع وكذا الأمر في حياتنا العامة حيث المواقف تشكّل تصرفاتنا بشكل يفوق كل التوقعات. لا يوجد من هو عديم الإنسانية بكل بساطة لأن الدوافع التي تدفعنا للامتثال للسلطة -بأنواعها- تنبع من ذات المكان الذي تنبع منه دوافع العطف والرحمة.

ربما إن كان في الورقة درس واضح فهو أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الأنظمة ولا يبدأ من الأفراد. فالإنسان في نهاية الأمر كائن معقد من الدوافع والغرائز، فيما الأنظمة -بالمقابل- تشكل الظروف التي يعيش فيها الإنسان ويتفاعل معها. كما تلمح الورقة إلى صعوبة تحديد المدى الذي يمكن أن نلوم فيه الأفراد على جرائمهم التي تنبع من “طاعة الأوامر”.

يختم ستانلي ميلغرام ورقته -بتصرف- قائلاً:

“النتائج كما شاهدتها وتابعتها في المختبر تبدو لي مقلقة. إنها ترجح أن الطبيعة البشرية [...] غير جديرة بالركون إليها لتبعد [الإنسان] عن الوحشية والمعاملة اللا إنسانية تحت توجيه السلطات الفاسدة. نسبة كبيرة من الناس مستعدون لتنفيذ ما يؤمرون به دون أخذ طبيعة الأمر بعين الاعتبار وبدون حدود حدود يفرضها الضمير طالما كانت الأوامر صادرة من سلطة شرعية. إذا تمكن مشرف مجهول في هذه الدراسة من توجيه الأوامر لمجموعة من البالغين لإخضاع رجل في الخمسين من عمره وإجباره على تلقي صعقات كهربائية مؤلمة رغم احتجاجاته، لا يسع المرء إلا أن يتساءل عما تستطيع الحكومات -بما لها من سلطات وهيبة أكبر بكثير- أن تأمر به أولئك المذعنين لها…” 

ولعلنا بهذا العرض السريع نفهم كيف يقوى قلب إنسان على تفجير مستشفى مليء بالأبرياء وبنفس الطريقة نفهم كيف تصنع الحكومات الفاسدة قطعاناً من المجرمين.

هل يمكن أن يكون زواج القاصرات عملاً أخلاقياً ؟

25 يناير, 2014 ✍

* نشر في صحيفة مكة.

مضى على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نحو ستة وستين عاماً حيث عمدت الدول المنتصرة إلى صياغة للحقوق التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان ليحيى حياة كريمة، من دون أن يكون لسؤال المركزية الغربية في تعريف تلك الحقوق حظه الكافي من التمحيص. ولعل آخر التطورات التي أعادت بث الروح في هذه القنبلة الكامنة كان الربيع العربي الذي مضى على انطلاق شرارته نحو ثلاثة أعوام. من وجهة نظري، أهم الأسئلة التي بُثت من خلال أحداث الربيع العربي كان سؤال شمولية وكونية الحقوق الفردية والقيم الديموقراطية والحرية السياسية ونحو ذلك. حيث تؤخذ كثير من هذه القيم كمسلمات كونية بدون أن تتعرض أسسها ومقدماتها لتحقيق كاف حول ما يجعلها قيم شمولية يجب أن يتمتع بها كل إنسان. فالغالبية العظمى من الأطروحات الأكاديمية والسياسية تُسلم بوصفها قيم كونية تعلو على الزمان والمكان، ومن ثم فموضوع تلك الأطروحات متعلق بالاعتبارات العملية للوصول إلى تلك الغايات وتحقيق تلك القيم على أرض الواقع.

ولكننا نجد طرحاً مقابلاً لم يحظ بنصيبه من الشعبية بعد يركز على المركزية الغربية لهذا النمط من التفكير، وعلى صعوبة تعميم هذه القيم لتصبح قيم شمولية لتعارضها مع سُلم القيم في ثقافات ومجتمعات أخرى. بمعنى أنه من الصعب افتراض أن سُلّم القيم الذي ترعاه الدول الغربية هو سُلم متوائم مع الإنسان في كل مكان نظراً للاختلاف الكبير -الذي يكاد يُسلم في وجوده الجميع- بين الثقافات والمجتمعات. وعندها لا يبقى أمامنا سوى التعامل مع قيم محلية هنا وهناك وسلالم قيم مختلفة. هذه النظرة تعتبر الطرف المقابل لنظرة القيم الكونية. فقيمة الجماعة على سبيل المثال قد تعتبر قيمة محلية ذات أهمية كبيرة عند كثير من المجتمعات الشرقية كالهندية والصينية والعربية، ولكنها ليست قيمة كونية حيث الكثير من المجتمعات الغربية لا ترى الجماعة بنفس منظار المجتمعات الشرقية بل ربما لديها قيمة الفرد أعلى.

التحدي الذي يقودنا إليه هذا التمييز هو في التبرير الأخلاقي الذي يستند إلى هذ القيم. فإلى أي حد يمكن أن نؤسس لتبرير أخلاقي كوني للممارسات التي تنبثق من قيم مجتمع ما فيما هي تعتبر منبوذة عند مجتمع آخر ؟ ولكي يكون لهذا الكلام معنى لنأخذ قيمة حرية الفرد على سبيل المثال. ماهو المستند الذي نستند إليه حينما نزعم أن قيمة الفرد يجب أن تكون قيمة منشودة يجب أن يتمتع بها كل إنسان وندين على هذا الأساس ممارسات مجتمعات أخرى في انتهاك هذه القيمة ؟ خصوصاً حينما يكون انتهاك هذه القيمة على أساس تعارضها مع قيمة أسمى لديهم -ولتكن قيمة الجماعة-.

في ورقة منشورة في شهر مايو عام 2011 في المجلة العالمية لعلم النفس، استعرض الباحثون الثلاثة عدداً متنوعاً من دراسات التبرير الأخلاقي Moral Reasoning والتي تستند على عينات ذات خلفيات مختلفة جغرافياً واقتصادياً واجتماعياً وعمرياً. أغلبية الدراسات كانت تستند على سرد حالات يومية افتراضية لأفراد العينة ومن ثم يُسألون عن مدى قبولهم لهذا الفعل كفعل أخلاقي. أظهرت هذه الورقة وجود اختلافات معيارية واضحة -مرتبطة بشكل ما بخلفية العينة وليست اختلافات عشوائية- في اعتبار المقبول أخلاقياً من سواه. ولنذكر على سبيل المثال إحدى الدراسات التي تظهر تأثير المعلومات السياقيّة على الحكم الأخلاقي حيث سُئل مجموعة من البالغين الهنديين والكنديين فيما إذا كان على شخص ما سرقة تذكرة القطار من جاكيت أحد الركاب لكي يحضر حفل زواج أعز صديق له وإعطاءه خاتم الزواج. أجابت العينة الهندية بغالبية عظمى أنه يجب عليه فعل ذلك فيما أجابت غالبية العينة الكندية بالعكس. وقد لاتتسع المساحة للتفصيل ومناقشة خلفيات هذا المثال العابر -فضلاً عن مناقشة الورقة-، إلا أن هذا المثال لا يعكس أثر المعلومات السياقية فحسب -والتي تجعل حكمنا الأخلاقي يختلف من حالة إلى أخرى- بل يعكس الأثر العميق الذي تلعبه الثقافة والتنشئة الاجتماعية في تشكيل معاييرنا الأخلاقية.

هل يمكن على ضوء ما قلناه الوصول إلى أخلاقيات كونية -مبنية على مقدمات شاملة كذلك- بحيث لا تتعارض مع الثقافات المحلية ؟ اقترح العديد من العلماء مثل لورنس كولبرج ومارك هوسر وجود مستوى كوني -شامل لكل إنسان- من التبرير أو النمو الأخلاقي. ولكن هذا المستوى لا يتناول التأثيرات الاجتماعية المكتسبة بالاعتبار بمايجعل الإجابة بالإيجاب عن السؤال بعيدة المنال. وبالمقابل نجد أن هذا الافتراض تقوم عليه المواثيق العالمية والدولية خصوصاً تلك المتعلقة بالقيم والحقوق، إذ لا عبرة من كتابة ميثاق دولي لحقوق الإنسان إذا كانت كل القيم الأخلاقية نسبية لاتحظى بنصيبها من الإجماع.

هذا الحديث يتركنا أمام عدد من الأسئلة المفتوحة خصوصاً في عالم مفتوح على بعضه بشكل لم يحصل من قبل. فإلى أي حد يمكن للفرد أن يحترم قيم ثقافته دون أن يرى شموليتها وإطلاقها؟ وإلى أي حد يمكن أن للسلطات المركزية أن تساهم في تعريف قيم الحق والواجب والخير دون أن تستخدم هذه القيم كمبررات لقتل الأبرياء أو ارتكاب جرائم شنيعة ؟

اختتم الباحثون تلك المراجعة الطويلة بانتقاد المركزية الغربية للأبحاث التي تبحث التبرير الأخلاقي، سواء مركزية الباحثين أنفسهم أو المركزية في اختيار العينة. ولكي يقدموا مثالاً عملياً أشاروا إلى أن الدوافع الدينية بشتى أشكالها لا تجد الحضور الكافي في الأبحاث العلمية مع أن أولى وأقدم الوثائق الأخلاقية كالوصايا العشر هي معتقدات دينية أصيلة وكذلك قيمة الواجب التي تعتبر ركنا أساسياً في العقائد الهندية. ونستطيع بكل ثقة أن نسقط هذا الانتقاد على كافة المعاهيد والمواثيق والمؤسسات الدولية المتعلقة بالحقوق.

من الفقر إلى الحرمان

25 يناير, 2014 ✍

* نشر في صحيفة مكة.

 لا تكاد تمر مناسبة إعلان الميزانية السنوية للمملكة -التي أعلنت قبل أسابيع قليلة – إلا ويأتي معها الحديث عن حالات من الفقر سواء في المناطق الشمالية والجنوبية النائية أو حتى داخل المدن الرئيسية للمملكة. ولاشك أن الفقر بشكل عام ظاهرة تهدد الرخاء الاقتصادي والأمن وتحرم شريحة واسعة من شروط الحياة السعيدة، إلا أننا في نفس الوقت نرى الفقر من منظور أعتقد أنه قاصر ومحدود ورقمي إلى حد كبير. حيث يعتقد على نحو واسع أن مجرد ضخ كثير من الأموال في حسابات الفقراء كفيل بحل مشكلة الفقر وتحسين المستوى المعيشي. فهل الفقر مجرد نقص الدخل السنوي تحت خط معين؟ أم أنه قد يشمل مظاهر حرمان أخرى؟ وهل يمكن محاربة الفقر والتخلص منه للأبد -من حيث المبدأ- أم لا؟

يطرح العالم الاقتصادي الهندي أمارتيا سن الفائز بجائزة نوبل 1998 نظرة جديدة أو زاوية بعيدة في معالجة الفقر تجيب عن مثل هذه الأسئلة. حيث يشير في كتابه «التنمية حرية» إلى أن الفقر يجب ألا ينحصر على الحرمان من الدخل فحسب، بل يجب أن يشمل مظاهر أخرى من الحرمان فيما سماه «الحرمان من القدرة» بمعنى القدرة العقلية والجسدية على أداء المهمات. ولهذا التمييز بين الحرمان من الدخل (الفقر العادي) والحرمان من القدرة (الفقر الحقيقي) عدة أبعاد «أرى من المفيد أن أشير إليها سريعا». فالعلاقة مثلا بين الدخل والقدرة تختلف بحسب الجنس والعمر والمكانة الاجتماعية، فمثلا رجل فقير بعمر ٢٥ سنة ليس مثل رجل فقير بعمر ٧٠ سنة أو امرأة فقيرة بعمر ٣٠ سنة في مجتمع ذكوري يستنقص عمل المرأة، فالأول لديه مخزون أوسع بكثير من القدرات العقلية والجسدية من النموذجين الآخرين. وهناك بعد آخر متعلق بالأثر البعيد لفقر الدخل على الأداء الوظيفي. فالإعاقات مثل العمر أو العجز أو المرض يمكن أن تضعف من قدرة المرء على اكتساب الدخل، ولكنها أيضا تفاقم من صعوبة تحويل هذا الدخل إلى قدرة حيث إن الكهل أو العاجز أو المريض يمكن أن يكون بحاجة إلى دخل أكبر لكي ينجز الوظائف نفسها. فالحرمان من القدرة (أو الفقر الحقيقي على حد تعبير أمارتيا سن) يمكن أن يكون ذا آثار عميقة جدا لا تظهر في الدخل، كما أنها تعيد النظر لتقدير النشاط اللازم في الإنفاق على المرافق العامة المعنية برعاية المرضى والمسنين، وبعد آخر كذلك متعلق بالمكان، فالحرمان النسبي من حيث الدخل يمكن أن يؤدي إلى حرمان في القدرات، بمعنى أن الفقير في بلد غني قد يكون غنيا في بلد آخر فقير، ولكنه من حيث القدرات سيظل فقيرا كذلك.

هذا الطرح عن الحرمان من القدرة ذكرني بدراسة موسعة عنوانها «الفقر يعرقل الوظائف الإدراكية» نشرته مجلة سينس في عدد أغسطس 2013. حيث توصل باحثون عبر دراستين مستقلتين إلى أن الفقر بحد ذاته يسبب عرقلة للعمليات الإدراكية. وقد استخدموا في الدراسة الأولى استبيانا وطلبوا من عينة متنوعة الإجابة عن أسئلته المتعلقة في الغالب بمشكلات اقتصادية محدودة. واستخدموا في الدراسة التالية استطلاعا واختبارات قياسية أجروها على مئات المزارعين في إحدى المناطق الهندية قبل وبعد الحصاد. وكانت النتيجة النهائية لهاتين الدراستين أن أداء المشارك الفقير كان أقل بشكل ملحوظ من أداء الأغنياء أو المكتفين ماديا. وهذه بالطبع ليست سوى دراسة واحدة من دراسات كثيرة تتناول أثر ظاهرة الفقر بما تحمله من آثار كالضغط والقلق والخوف على السلوك والقدرات المعرفية. وربما يعود السبب إلى أن المخاوف المتعلقة بالفقر تشغل حيزا كبيرا من الموارد العقلية مما يترك هامشا محدودا للوظائف الأخرى.

لعل هذا التمييز بين فقر الدخل وفقر القدرة يعيدنا إلى نقطة البداية للإجابة على كثير من الأسئلة. هل الفقر ظاهرة اقتصادية فحسب أم أنه ظاهرة ذات أبعاد عديدة ومتداخلة؟ وهل ضخ المليارات من الميزانية السنوية للمملكة لعلاج مشكلة كالفقر كفيل بحل المشكلة أم أننا بحاجة إلى توسع في دراسة شروط الفقر وعلاقته بالقدرة على العمل والإنتاج والدراسة وغيرها؟

في المجمل، لا شك أن دراسة العلاقة بين الحرمان من القدرة وبين البطالة والجريمة وغيرها من المشكلات قد تتجه بنا نحو آفاق جديدة للنظر لهذه المشكلات وللحلول المطروحة لها، وكذا يأتي السؤال: ما هي العلاقة بين فقر الدخل والحرمان من القدرة؟ لا يوجد جواب واضح، لكن هذا السؤال يستحق من العناية الكثير، فعلى ضوئه يمكن أن ترشد سياسات مكافحة الفقر وتحسين الشروط المعيشية.

كيف يصدق الناس الشائعات السخيفة ؟

26 ديسمبر, 2013 ✍

كيف يصدق الناس الشائعات التي قد تبدو سخيفة للغاية ؟ لماذا تنجح حملات التحريض دوماً وبشكل أسرع وأنجع بكثير من حملات التسامح ؟ كيف يعقل أن نكون مخطئين تماماً وبشكل قاطع في حين أننا مؤمنين جداً بأننا على صواب ولسنا مخدوعين ؟ أسئلة عديدة قد تبدو لك سهلة وذات إجابات واضحة تنقصها تفاصيل بسيطة، ولكنها في الحقيقة مصدر كبير للقلق؛ أو يجب أن يكون كذلك.

قد تعتقد أنك تتلقى وتحلل المعلومات بصورة واعية ومنطقية في أغلب الأحيان وأن آراءك نتيجة لهذا. ولكن ماذا لو علمت أن الحقيقة أبعد مايكون عن ذلك، حيث أن دماغك في تركيبته البيولوجية يدفعك إلى اختيار المعلومات التي تتوافق مع مواقفك المُسبقة، وأنك في أحياناً كثيرة تعجز عن ملاحظة التناقضات الصريحة في الأفكار بسبب عواطفك، بل أنّ دماغك قد يبدأ في تصوّر أحداث لم تقع أبداً وتُقسم أنها وقعت. وما يزيد الطين بلة هو أن الأسلوب الذي تعرض به المعلومات تؤثر في آراءك أكثر من تأثير المعلومات نفسها. فماهي القصة وراء هذه الفوضى ؟

تمهيد

الإنسان ضعيف للغاية ولكنه يثق بشكل مفرط بقدرته على الاستنتاج والتفكير العقلاني. في حين أن الأدلة المتواترة من علم النفس وعلم الأعصاب تدفعنا لوضع هذه الثقة موضع شك عميق. ففضلا عن الدوافع الداخلية، تأثير البيئة في قراراتنا وفي تشكيل توجهاتنا أكبر بكثير مما قد نتصوره.

بيولوجيا، أدمغتنا مبنية بطريقة تجبرنا على “الوقوع في الخطأ”. فنحن نبحث دوماً عن التناسق وعن الأنماط حتى لو لم نرد ذلك. [1] ونكوّن أثناء استقبالنا للمعلومات المختلفة فرضيات متناسقة لا نريد أن ننقضها، حيث نفسر المعلومات الجديدة بما يتوافق معها ويعززها أو نتجاهلها إن لزم الأمر. وهذا السلوك (الذي يسمى في علم النفس بالانحيازات الإدراكية Cognitive Biases) مدفوع بشبكة عريضة من المؤثرات والمرشحات التي تتحكم في طريقة تفاعلنا مع الواقع، سواء كانت خارجية كالبيئة والجماعة أو داخلية كدوافع الخوف والرغبة.

هذه التدوينة ستكون محاولة للتعمق أكثر في الطبيعة البشرية عبر دراسة العوامل التي تفوق إدراكنا والتي تؤثر بشكل حاسم في اتخاذ قراراتنا وتوجيه سلوكياتنا وتحيزاتنا والتي تؤدي بنا الى تصديق الإشاعات والاستجابة لحملات التحريض. والهدف منها -الذي وجدته في نفسي كما أتوقعه من القارئ- هو أن نملك روحاً أوسع وصدوراً أرحب في تقبل الآخرين باختلافاتهم عنا وندرك عن قرب حدود مسؤولية الفرد وسط بيئته وجماعته، حتى لا نظلمه كثيراً فيما لا يملك.

البداية من مفهوم مهم في علم النفس يطلق عليه الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias) وهو ميل الناس لتفضيل المعلومات التي تؤكد مبادئهم وقناعاتهم المسبقة وميلهم إلى تجاهل المعلومات التي تناقضها. ويندرج تحت هذا الانحياز أنواع عديدة منها العرض والتفسير والتذكر المنحاز للمعلومات، وتأثير هذه العوامل وسط بيئة الجماعة، وأبعاد هذه الفكرة على الديموقراطية وأخيراً سنتعرض لسؤال المسؤولية الشخصية. [2]

البحث/العرض المنحاز للمعلومات

يدرس هذا المجال تأثير أسلوب عرض المعلومة على فهمنا لها. فكثير من المعلومات -خصوصا في الإعلام- تُعرض بشكل ما يدفعنا لتصديقها بطريقة محددة لا تقبل الشك. وتتقن القنوات الإخبارية هذا الأسلوب في العرض بحيث يتحول متابعي تلك القنوات “أيا كان مستواهم وتعليمهم” إلى أشبه بالخراف في القطيع، لا تكاد تميز بين الأدلة المعروضة. وسنتعرض لهذه المسألة في الإعلام والشبكات الاجتماعية في الخاتمة.

يتجاوز العرض المنحاز للمعلومات مجرد اختيار المعلومة إلى أسلوب عرضها. حيث أثبتت سلسلة من التجارب أن الناس في العادة يختبرون الفرضيات بطريقة أحادية، وذلك باستحضار المعلومات التي تتوافق مع الفرضية المعروضة. فبدلاً من البحث في كافة المعلومات المتوفرة واستنتاج الفرضيات منها ، يميلون إلى طرح أسئلة تضمر أجوبة إيجابية وتأكيدية تسمى بالاختبار الإيجابي (positive test). فمثلاً كلنا نعرف أن 3 عدد فردي وليس زوجي وأن كلا السؤالين (هل 3 عدد فردي؟ هل 3 عدد زوجي؟) يؤكدان نفس المعلومة إلا أن الناس تميل في أمثلة الحياة الواقعية إلى طرح سؤال واحد والبحث عن المعلومات التي تدعمه. فحين نسأل “هل فلان منفتح؟ ” نحاول الإجابة عن السؤال بالبحث عن المعلومات المنحازة والمؤكدة للسؤال، بحيث نجد أن فلان منفتح “ونستحضر في ذلك عدد من المواقف التي تؤيد ذلك، في ظاهرة تسمى بالذاكرة المنحازة (Biased Memory)” على الرغم من أن تصرفات ذلك الشخص معقدة وفيها جوانب عديدة متضاربة أكبر من أن نحصرها في جواب. فبحثنا عن أي معلومة تؤيد فرضية من إحدى فرضيتين سيكون ناجحاً في الغالب. إحدى الدراسات التي استعرضت هذا التأثير سجلت ارتياحاً أكبر عند أولئك الذين يُسألون “هل أنت سعيد بحياتك الاجتماعية؟” من أولئك الذين يُسألون بالعكس. وهذا مستوى بسيط جداً، حيث تشير دراسات أخرى إلى أن تغيير بسيط للغاية في صيغة السؤال يمكن أن يؤثر كلياً على طريقة فهم المعلومات وبالتالي استنتاج الجواب.

وحتى لو سلمنا بأن المعلومة تُعرض بشكل محايد وكامل، إلا أن هناك تأثير آخر قوي يجعلنا نختار ما نشاهده وهو يسمى بالعمى اللاإرادي (Inattentional Blindness) وهذه التقنية تستخدمها الحكومات والوسائل الإعلامية بشكل مكثف. حيث أجرى دانيال سايمون ورفاقه سلسلة من التجارب العجيبة أفقدتني كل أمل في الوثوق بما أراه. ففي تجربة التركيز الانتقائي (Selective Attention Test) -وأنصح بمشاهدة التجربة الآن في حال لم تسمع بها (طريقة التجربة: عُد كم مرة تنتقل الكرات البيضاء بين اللاعبين)…  ثم العودة لإكمال القراءة- ترى كيف أن حدثاً مهماً فاتت ملاحظته على 50٪ من العينة التي أجريت عليها التجربة. وفي تجربة أخرى كذلك -وأنصح بمشاهدة التجربة (طريقة التجربة: حاول أن تلتقط ماهو الشيء الذي سيتغير في الصورة؛ شيء وحد فقط سيتغير) – ستدهش كيف أن حدثاً هاماً لا يستطيع غالبية العينة التي أخذوها -بما فيهم أنا- ملاحظته. وهناك نسخ أخرى معروضة بالشرح والتفصيل في كتاب الغوريلا الخفية (The Invisible Gorilla) المكتوب على أثر هذه التجارب.

فإذا كنت قاصراً عن إدراك الأحداث التي تشاهدها أمامك وتحضرها بنفسك وإدراكك لها يظل محل توجس كبير، فما بالك بالأحداث التي يرويها الآخرون أو التي يرويها الآخرون عن آخرين ؟ وما بالك بالأحداث التي كتبها مؤرخون قبل مئات السنين بناء على قصص  سمعوها وتناقلوها كذلك ؟ أسئلة مفتوحة للأيام القادمة ولا يمكن أن تمر بسهولة.

التفسير المنحاز

وفي تجربة عجيبة ومثيرة لكل أنواع الجدل أقيمت إبان الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2004 على عينة مقسمة بين أفراد متحمسين جداً للمرشح جورج بوش أو متحمسين جداً للمرشح جون كيري. استخدمت في هذه التجربة تقنية الرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI والتي تصور ما يحدث داخل الدماغ أثناء التفكير، بحيث يعطي فكرة أدق للباحثين عن الأساس البيولوجي لانحيازاتنا. طريقة التجربة كانت في عرض عبارات المُرشّحين والمتناقضة بشكل صريح بالإضافة إلى عرض عبارات يمكن وبشكل معقول استخراج التناقض منها ، ثم تصوير أدمغة أفراد العينة أثناء تقييم هذه العبارات. فماذا وجدوا ؟ وجدوا أنه حين تُقدم عبارات المُرشح المتناقضة إلى الأفراد المتحمسين لذات المرشح، فإن المراكز العاطفية في الدماغ تنشط، فهم لا يرون أي تناقضات. بينما حينما تُقدم عبارات المُرشح الآخر المتناقضة فإن المراكز المتعلقة بالتقييم العقلاني هي التي تنشط إذ يكتشفون تلك التناقضات فوراً. وهذا الأمر تكرر في كلا المجموعتين. فاستنتج الباحثون أن الأخطاء التي ارتكبها أفراد العينة حين كانوا يقيمون عبارات مرشحهم المتناقضة (بعدم رؤية هذا التناقض) لا تعود إلى أخطاء في الاستدلال العقلاني أو نقص في المعلومات. بحيث لا يفيد معها لو درسوا كل علوم المنطق والفلسفة. لأنهم بكل بساطة لم يكونوا يستخدمونها في التفكير من قريب ولا من بعيد. [3]

فكيف يمكن أن نتعامل مع حقيقة أن أولئك الأفراد لم يروا تلك التناقضات ؟ هل يمكن أن نقول أنهم جهلة وأغبياء أم أنهم بكل بساطة مُقيّدون بالطبيعة البشرية وليسوا آلات حاسبة، وأننا جميعا كُنا في مكانهم يوماً ما؟. كل منا يذكر موقفاً ما يستغرب فيه كيف تم خداعه -ولو لفترة محدودة- بكلمات قليلة وحقائق مغلوطة تماماً. فهل معنى اكتشافنا لهذا الخداع أنه سيصعب خداعنا مرة أخرى ؟

مشاكل التذكر

إن سلمت طريقة تلقينا للمعلومات وطريقة معالجتنا لها من الانحياز فلا يعني هذا بأي حال أننا “موضوعيين”، فالحقيقة أن استحضارنا للتفاصيل من الذاكرة لايمكن أن يسلم من الانحياز، حيث أننا نستحضر تلك التفاصيل التي تعزز من افتراضاتنا المسبقة. وقد أثبتت دراسات عديدة ومتواترة أن ذاكرتنا ضعيفة جداً بدرجة عجيبة ولايمكن الاعتماد الكامل عليها. قد يكون هذا أخطر ما في الموضوع، وهو أننا نقسم أننا شاهدنا حدثاً ما أو سمعناً صوتاً ما وبكل حواسنا ولكنه في الحقيقة حدث مزيف تماماً. وقد يحصل العكس حين ننكر حدوث شيء ما ونقسم الأيمان على ذلك ونحن صادقون، ولكن يتبين لاحقاً أنه فعلاً حدث.

ففي سياق علاقة الذاكرة القوية بالانحيازات، أُعطي أفراد العينة في إحدى الدراسات قائمة من الصفات لامرأة ما، تتراوح بين صفات اجتماعية وصفات انطوائية. وقسمت العينة إلى مجموعتين ثُم طُلب من المجموعة الأولى أن تقيّم قدرة هذه المرأة على شغل وظيفة أمينة مكتبة، فيما طلبوا من المجموعة الأخرى أن تقيم قدرة هذه المرأة على شغل وظيفة مسؤولة مبيعات. مالت المجموعة الأولى إلى تذكر الصفات الانطوائية للمرأة “والتي تؤهلها لوظيفة أمينة المكتبة” فيما حصل العكس تماماً مع المجموعة الأخرى على الرغم من أنهم تعرضوا لنفس المعلومات إلا أنهم تذكروها بشكل مختلف. وفي دراسة أخرى لاختبار ذات الأثر عُرض على مجموعة من أفراد العينة أدلة على أن الأشخاص الاجتماعيين هم أكثر نجاحاً في الحياة من الانطوائيين، فيما عُرضت أدلة مقابلة تماماً على المجموعة الأخرى. وبعد فترة جمعوا نفس العينة وأوهموهم بأنهم في دراسة أخرى مختلفة لاعلاقة لها بالسابقة، وطلبوا منهم في هذه الدراسة أن يتذكروا المواقف التي كانوا فيها إما اجتماعيين أو انطوائيين. فحصل ماكان متوقعاً حيث أن أفراد المجموعة الأولى في الدراسة السابقة والذين اقنعوا بأن الاجتماعيين أكثر نجاحاً في الحياة تذكروا المواقف التي كانوا فيها اجتماعيين أكثر ، والعكس صحيح مع المجموعة الأخرى.

وفي أحيان كثيرة نجد أن الناس تتذكر دوماً أموراً لم تحصل بالأساس . ولعل آخر ما طالعتنا به الأخبار في هذا الصدد هو نجاح فريق بحثي في زرع ذاكرة مزيفة عند الفئران وإشارتهم إلى أن عمل الذاكرة عند الفئران لايختلف كثيرا عن عمله عند البشر. وربما لسنا بحاجة لهذه التجربة حتى نعرف أن الناس تحت ظروف معينة قد يتذكرون أموراً لم تحدث بالأساس كما يحدث لبعض المساجين حين يُنتزع منهم الاعتراف أو أولئك المعرضين للتنويم المغناطيسي الذين يتذكرون مقابلة كائنات فضائية.

ولا يشترط أن تكون الظروف بهذا المستوى من الكآبة لنتخيل وجود أمور لم تحصل. ففي إحدى التجارب طُلب من متطوعين أن يجلسوا في مكتب الدراسات العليا لمدة دقيقة ولكن مجري التجربة عاد إليهم بعد نصف دقيقة ونقلهم إلى غرفة أخرى وطلب منهم ملأ استمارة بما رأوه داخل الغرفة التي كانوا فيها. فإضافة إلى الأشياء الموجودة، تذكر البعض أمورا توقعوا أنها موجودة مثل مكتبة تحوي على الكتب وكابينة ولكن المكتب لم تحتوي على أي منهما. فلماذا تخيلوا وجود هذه الأشياء ؟ لأنهم كانوا يتوقعون رؤيتها في أي مكتب تقليدي فتصوروا وجودها.

وليس هذا فحسب فأنت تستغرب أحياناً من استحضار البعض لأحداث لم تحصل لهم بالأساس، بل حصلت لآخرين وهذا يسمى بفشل مصدر الذاكرة (Failure of source memory). فحين تملك قصة مثيرة، تسردها عشرات المرات وتتخيلها كل مرة تسردها على من حولك لتنتبه لاحقاً أن القصة ليست لك بل لأحد أصدقائك، حيث لم تعد تفرق بين ما حصل لك وماحصل فعلاً. وفي هذا ستجد الكثير من قصص الجن والشياطين التي يرويها الآخرون على أنها حصلت لهم فعلا مع أنها رُويت لهم قبل زمن طويل. فكيف يمكن أن يكتشفون أنهم متوهمون ؟ ليس بتلك السهولة التي تتخيل، حتى لو أقسموا أن ما حصل شاهدوه فعلاً. وهذا الموضوع المتعلق بالتذكر المتحيز يفرض تحديات قانونية جادة متعلقة بموضوع الشهادة على الحدث، فإلى أي مدى يمكن أن نثق في ذاكرة الشهود ؟ خصوصاً في ظل ظرف نفسي استثنائي غالباً (كحالات القتل أو الاغتصاب). [4]

الخداع وسط الجماعة أسهل

أشرت فيما سبق إلى تجربة حصلت إبان الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2004 والتي شاهدنا فيها أثر سلطة الجماعة على إعادة تفسيرنا للمعلومات حيث يكون لعواطف الانتماء والتعصب دور كبير في حجب كثير من الأخطاء الصريحة عن أعيننا. وأحب أن أتعرض هنا لتجربة أخرى أقدم منها ولكنها لا تقل شأناً عنها أبداً وهي تجربة آش للامتثال (Asch Conformity Experiments). وإن كان الفرق فيها عن الأولى هو أن الشخص الخاضع للتجربة هذه قد لا يوافق الجماعة في الرأي في داخله ولكنه ينصاع ظاهرياً ويتظاهر بالتصديق ولو كانت المعلومات المقدمة له خاطئة بشكل لا يقبل أدنى تشكيك.  حيث أحضر مجموعة ممثلين إلى جانب شخص يجري اختبار التجربة عليه. وكانت المهمة هي في مقارنة طول خط معين بثلاثة خطوط أخرى (أحدها مساوياً له في الطول) وتتم المهمة بشكل جماعي كفريق. ماحصل هو أن الممثلين كانوا يقدمون إجابات خاطئة تماماً وبشكل لايقبل الشك -بالاتفاق مع مجري التجربة طبعا- بما يدفع الخاضع للتجربة إلى التردد والانصياع لرأي الجماعة أخيراً. حيث أن 37٪ من الخاضعين للتجربة تماشوا مع الجميع وإن كانوا غير مقتنعين بما يقولونه كما أن 75٪ ممن تم اختبارهم أعطوا على الأقل إجابة خاطئة تماشياً مع المجموعة.

كما أن هناك عدد من التجارب المشابهة التي تظهر أثر الظروف التي تؤدي بالشخص إلى الانصياع والامتثال ليس في الرأي فحسب بل في السلوك الشرير. ونجد في هذا الشأن تجارب عديدة شهيرة جداً منها تجربة كهف اللصوص وتجربة ميلغرام وتجربة سجن ستانفورد، وكلها تجارب تستحق الاطلاع [5].

لماذا يُطلقون الشائعات ؟

تختلف الدوافع التي تدفع البعض إلى إطلاق الشائعات الخاطئة مهما كانت غير منطقية ومهما كانوا يعرفون أن الحقيقة ستظهر ولو بعد حين قصير. لكن هناك مؤشر لا ننتبه إليه غالبا وهو أن مستوى تصديق عبارة مفبركة لا يعود كما كان -بعد كشف زيف الأدلة- إلى التكذيب الكامل، بل تبقى احتمالية التصديق والرصد موجودة، وهذا ما يسعى إليه مطلقو الشائعات. هذا يسمى بتأثير بقاء التصديق (belief perseverance effect) ويمكن أن يُفسر بظاهرة الانحياز التأكيدي. وقد أجريت سلسلة من التجارب التي أثبتت وجود هذا الأثر. حيث تُعرض العديد من العبارات أمام العينة بأدلتها ثم يقيّم أفراد العينة مستوى تصديقهم لها. وبعد ذلك تُعرض الطريقة التي زيفت بها الأدلة وكيف أنها خاطئة تماماً ثم يقيم أفراد العينة مرة أخرى مستوى تصديقهم ؛ حيث يثبت أن مستوى من التصديق يبقى على الرغم من كشف زيف الأدلة. وفي المقابلات الموسعة التي أجريت مع العينات، وصف أفراد العينة في إحدى الدراسات بأنهم يثقون فعلاً أن الأدلة كانت مزيفة، ولكنهم قالوا أن الأدلة على أية حال لا تبدو ذات علاقة بتصديقهم ومعتقداتهم الشخصية. فهم حتى على الرغم من اكتشاف زيف الأدلة أكدوا أن الميل إلى التصديق يبقى لأسباب شخصية أخرى.

كما أن هناك ظاهرة أخرى جديرة بالاعتبار وهي تفضيل المعلومات الأولية على المعلومات اللاحقة أو مايسمى علمياً بالتأثير الأولي غير العقلاني (irrational primacy effect). وهذا الأسلوب تستعمله وسائل الإعلام كذلك لتوجيه وتأطير فهم الناس حول قضية معينة لتكوين موقف معين. فقد أثبتت عدد من الدراسات أن المعلومات التي تظهر مبكراً يكون لها وزن أكبر في التقييم حتى لو لم يكن أي أهمية للترتيب. فمثلا، هناك انطباع أكثر إيجابية عن الشخص الموصوف بـ “ذكي، دؤوب، مبادر ، حاسم، عنيد، حسود” في مقابل الشخص الموصوف بنفس الصفات ولكن بالعكس. والتفسير المطروح لفعالية هذا التأثير هو أنه برؤية الأدلة الأولية يحاول الفرد أن يكوّن فرضية معينة، تؤثر بدورها في طريقة تفسير الأدلة اللاحقة.

لكن ماذا عن الديموقراطية ؟

هذا العرض الموجز لهذه الدراسات تشي لنا بشيء ما، وهو أن عقولنا بنفسها تشكل تحدياً ما لفكرة الديموقراطية. وهذا على الرغم من غرابته إلا أنها نتيجة تبدو لي منطقية وجديرة بالتفكير والنظر الجاد. حيث يبني دعاة الديموقراطية والتنوير افتراضاتهم على حقيقة أن الناس عقلانيون وأن عرض المعلومات الصحيحة لهم  كافي لدفعهم لاختيار الخيار الأفضل والتصويت للمرشح الأفضل. وعلى هذا الأساس يجعل البعض من وعي الناس خطوة مهمة وأساسية لديموقراطية راشدة. ولكننا رأينا كذلك كيف أن طريقة تلقي ومعالجة المعلومات يتخللها قدر هائل من الانحياز والخطأ بما يحرفها كثيراً عما يسمى ب “الموضوعية”، كما يجعلها رهينة للتأثير الحاسم جداً للوسائل الإعلامية (والمملوكة لشركات كبيرة تسعى للسلطة والربح) ولطريقة عرضها للمعلومات.

الحقائق الصحيحة ليست كافية لتغيير آرائنا. بل في الحقيقة أحياناً يحصل العكس حيث تزيد المعلومات الصحيحة من انحياز الناس لآرائهم المناقضة لها. ففي سلسلة من الدراسات بجامعة ميتشغن عامي 2005 و 2006 وجد مجموعة من الباحثين بأن غير المطلعين (والمتحمسين سياسياً) نادراً ما غيروا آراءهم بعد عرض معلومات صحيحة عليهم من خلال الأخبار. بل إن ماحصل هو العكس حيث ازدادوا قناعة بمعتقداتهم السابقة! وكثير من الدراسات الأخرى التي تؤكد أن الناس المتحمسين سياسياً والذين لديهم قوة تصويتية غالباً ما يكونوا أكثر الجاهلين بالحقائق. خصوصا تلك الحقائق التي يجب أن يبنوا عليها تقييمهم وحكمهم. فهل يعقل أن تُبنى الديموقراطية في ظل أناس يقاومون المعلومات الصحيحة ؟ وهل يعقل أن يقودهم أولئك الذين يُبْدُون أكبر قدر من مقاومة المعلومات الصحيحة ؟ بكل الأسف هذا ما آلت إليه الحال. [6]

المسؤولية الشخصية

أتمنى أنك لست من أولئك الذين ساهموا يوماً في صناعة أخبار أو شائعات كاذبة تماماً وهم يعلمون علم اليقين أنها كذلك.. فهذه الفئة -التي يقع فيها كثير من الإعلاميين- لا يليق بها إلا قعر جهنم خالدين فيها أبداً، لأنهم يساهمون بشكل مباشر في تأجيج الفتن. أما ماعدا ذلك فكلنا بلا استثناء ذلك الشخص الذي انخدع يوماً -وربما مازال ينخدع- بمعلومات تلقاها أو فسرها أو تذكرها بشكل منحاز وخاطئ. فماذا نفعل وماهي مسؤوليتنا الشخصية تجاهها بعد أن عرفنا قابليتنا العالية للخطأ ؟

من كمال العدالة أن تكون العدسة التي نرى فيها الآخرين هي التي نستخدمها في تقييم أنفسنا. أما تلك الأخطاء والزلات التي لانراها في الآخرين فأعتقد وإلى حد كبير أنها خارج نطاق مسؤوليتنا، كون الحجة لم تقم علينا بعد. فحينما شاهدنا -وما زلنا نشاهد- مثلاً كيف كان التلفزيون السوري ينشر الأخبار والشائعات بطريقة سخيفة للغاية ومثيرة للسخرية عن الثوار كنا نتعجب كيف لشخص عاقل أن يصدق مثل هذه الترهات. هنا تقوم علينا الحجة فيما لو انتشرت المواد والشائعات بنفس الطريقة (من التلفزيون المصري أو تويتر أو ..) ولكننا لا نخضعها للمحاكمة كما كنا نفعل، لأنها صادرة عن شيخ أو عن دكتور. هذا يجعلك منافقاً تطبق المعايير على غيرك وتستثني نفسك وقومك، ولن ينجيك ذلك من المسؤولية إطلاقا لأنك تعرف وتفهم تماماً أصل الخلل.

وبشكل عام، كيف نحمي أنفسنا من الزلل ومن تسلل أمور غير منطقية إلى عقولنا وإدراكنا ؟ بالتأكيد لا توجد وصفة لكني أملك بعض الاقتراحات البسيطة التي (قد) تجعلك تفكر بشكل أكثر مناعة:

- حينما تتأمل في أي مسألة يجب أن تسأل نفسك: ماهي الوقائع التي حصلت، وماهي الاستنتاجات أو التحليلات التي تعززها تلك الوقائع. التفريق بين الاثنين مهم جداً لأن الثانية ذاتية وتعتمد بشكل كلي على التفكير والتحليل، خلاف الأولى. فحين أرى أمامي كرات بلياردو تصطدم ببعض فأنا أعرف أن الواقعة التي حصلت هي مجموعة كرات اصطدمت ببعض وتفرقت. وسيرى ويصف هذا المشهد ذلك الشخص الذي عاش قبل 1000 سنة أو سيأتي بعد 1000 سنة. أما الاستنتاج فقد يختلف من شخص إلى آخر ، فالساحر قد يراها تأثيرات شيطانية، والفيزيائي سيستخدم قوانين الحركة في تفسير ما حصل، والعالِم الذي سيأتي بعد 1000 سنة قد يستخدم نظرية مستقبلية تفسر الحركة في إطار جديد تماماً. كل هذا التحليل مستقل تماماً عن الواقعة الأصلية التي حصلت والتي نتفق عليها.

- من المفيد جدا القراءة في المغالطات المنطقية والانحيازات الإدراكية. أما ميزة المغالطات المنطقية فهي إشارات طريق للتفكير السليم وليست قوانين قطعية. فحين تكون العبارة سليمة منطقياً من كل أنواع المغالطات فهذا لا يعني أنها صحيحة أبداً بقدر ماهي سليمة إلى حد كبير. وأما الانحيازات الإدراكية فهي أشبه بمؤشر لهوى النفس وما تميل إليه من حجج، وتعلمها يسهل عملية تفحص تلك الحجج وتحييد تلك الأهواء. [7]

- من المفيد كذلك متابعة الجديد في علم النفس والأعصاب حول السلوك الجماعي والتصرفات العقلانية والتفكير والتحيز وغيرها من المواضيع، فهي تعتبر المصدر الأساسي لكشف الانحيازات الإدراكية والمغالطات المنطقية. كما أنها تقربنا أكثر من فهم طريقة تفكيرنا وسلوكنا بما يحسن من اتخاذنا للقرارات.

- وأخيراً لا تتوان عن التشكيك والتوقف والتأمل والبحث في أي قضية قبل أن تتخذ موقفاً ما (وطبعا بإمكانك تأجيل حسم موقفك إلى أجل غير مسمى). فهذا التشكك والتوقف دائماً وأبداً سيكون في صالحك. ولا يغرك أولئك المتحمسين الذين يعتقدون أنهم يفهمون جيداً وقائع الأمور وأن عليك أن تتبعهم لأنهم إما أن يكونوا أغبياء للغاية أو أنهم يرون فيك مشروع خروف جديد. لا أدعوك للحياد المطلق وعدم اتخاذ موقف أبداً وليس هذا ما أقصده، بل إن ما أقصده هو أنك لا تتخذ أي موقف حتى يكون لديك من الوعي والفهم لموقفك ما يكفيك، كما لا يكون لديك أدنى حرج لمراجعة موقفك بين فترة وأخرى.

خاتمة

منافذ الضعف البشرية في الفرد كالتي تعرضنا لها آنفاً طالما استُغلت من قبل رجال الحكومات والدعاية لتوجيه مواقف الناس وتشكيل آراءهم وأذواقهم بما يخدم مصالح الطبقات النافذة. ومنذ العشرينات -حيث كتب إدوارد بيرنيز كتابه (البروباغندا)- وإلى اليوم نرى كيف أن تقدم التقنيات يتبعها دوماً أساليب نفسية أكثر تقدماً في توجيه الرأي العام وترتيب أولويات.. ولا يسلم من هذا عصر الشبكات الاجتماعية. فالأخبار مثلا في زمن الشبكات الاجتماعية وانترنت المواطن لا تبدو مختلفة جذرياً كما كان يُتصور؛ إذ القدرة على الحشد والتعبئة باستخدام الصور المؤلمة والمقاطع المفزعة من خلال الشبكات الاجتماعية سهلة جدا. وحيث تتخذ هذه الوسائط والأخبار أشكالاً أكثر قرباً من الواقع (الذي يتمنى معرفته كل أحد) إلا أنها في غالب الأحيان تكون منحازة جداً وناقصة ولا تكفي أبداً لتكوين صورة متكاملة عن الحدث، أي حدث. فهذا يجب أن يدفعنا لمزيد من الحيطة والحذر مع أي تقنيات جديدة قد تتضمن أساليب حديثة تستغل منافذ البشر العفوية في خدمة مصالح معينة. فالوسائل التي عرضتها آنفاً تُستخدم دوماً لتخدم ذات الأغراض، بغض النظر عن الوسيط الذي تجري فيه عملية التواصل.

“أن تعرف وألا تعرف… ذلك هو الدهاء الكامل” بهذه العبارات لخص جورج أورويل في رائعته (1984) طريقة تفكير الفرد القابع تحت الأنظمة الاستبدادية، حيث الكل -بطريقة ما- يعرف ولكن لا أحد يريد أن يعرف. خداع البشر كان ومازال مهمة لا يستغني عنها كل من يسعى للسيطرة من أنظمة حاكمة وشركات تسعى للربح وأصحاب مصالح. ونحن رأينا وتملكنا العجب كيف صدّق مئات الملايين من الأمريكيين المرشح جورج بوش حين أخبرهم أن صدام حسين لديه أسلحة نووية وربما أوشك أن يغزو أمريكا بها. كما نرى كيف استطاعت وسائل الإعلام الغربية تشويه صورة العرب والمسلمين وتعزيز انطباعات سلبية عنهم والتي نراها خالية من المنطق. ورأينا كذلك كيف تقوم الأنظمة في سوريا ومصر باستخدام الإعلام كأداة لبث الرعب في الناس وتشويه الخصوم وبسط السيطرة. موقف الفرد “البعيد” عنا في هذه الحالات ليس إلا تجسيداً للدهاء الكامل الذي يصفه جورج أورويل، ونحن بدون أدنى شك لسنا استثناءً. فربما تسأل نفسك، أي مقدار تملكه من “الدهاء الكامل” ؟

فهل عرفت الآن كيف قد نكون مخطئين تماماً في الوقت الذي نعتقد أننا لسنا كذلك؟ أم أنه حتى هذه التدوينة لم تسلم من انحيازاتك ؟

مصادر للاستزادة:

[1] للاستزادة حول موضوع رؤيتنا للأنماط والتناسق فيمكن قراءة هذه الحلقة المثرية والرائعة من سايوير بودكاست: لماذا نرى الأنماط ؟

[2] يمكن القراءة عن الانحياز التأكيدي في مدونة المنطِق وفي هذه الحلقة من السايوير بودكاست، وتجد تفاصيل أكثر في صفحة ويكيبيديا الانجليزية (والتي نقلت منها معظم الدراسات الواردة أعلاه، ويمكن الاستزادة بقراءة المصادر في المقالة).

[3] يمكن قراءة الورقة العلمية من هذا الرابط.

[4] استفدت من هذه الحلقة في السايوير بودكاست حول موضوع الذاكرة.

[5] يمكن الاستفادة من هذه الحلقة في السايوير بودكاست، وهذه التدوينة في مدونة الصديق وائل العلواني.

[6] يمكن الاستزادة حول هذا الموضوع بالقراءة في هذه التدوينة بعنوان (How Facts Backfire).

[7] يمكن القراءة عن المغالطات المنطقية في مدونة المنطق ، وفي السايوير بودكاست (الحلقة الأولى، الحلقة الثانية) وفي التصنيف الخاص بها في ويكيبيديا حيث يوجد وصف مفصل لعدد كبير من المغالطات.

 

قراءة في فيلم “وجدة” للمخرجة هيفاء المنصور

14 سبتمبر, 2013 ✍

وجدة

 * هذه القراءة لن تحرق عليك أحداث الفيلم

فيلم وجدة الذي تم إنتاجه سنة 2012 و تم تصويره بالكامل في السعودية يحكي الكثير عن الواقع الإجتماعي السعودي، فهو يمارس تجسيداً لعدد من المشكلات التي يعاني منها المجتمع. كانت المرأة هي المحور الرئيسي للفيلم، ربّما لأن المخرجة هيفاء المنصور أرادت أن تشارك حكاية المرأة السعودية مع بقية العالم. الفيلم يصور حياة الطفلة “وجدة” التي تدرس في المرحلة  الإبتدائية و تخطط للحصول على دراجة لكي تسابق بها صديق طفولتها “عبد الله”. الفيلم عرض و بشكل ذكي عدداً من المشكلات الإجتماعية، بالإضافة لتصويره للتناقض الذي يعيش فيه المجتمع، فهذا التناقض كان حاضراً بشكل رئيسي في تصرفات والدة وجدة و مديرة مدرستها، فالوالدة التي تدخن عندما تسمح لها الفرصة تقرّع ابنتها عندما تحكي لها عن رغبتها في امتلاك دراجة لأن قيادة الدراجة ليس فعلاً يصح أن تقوم به فتاة. و هنا تظهر إحدى التناقضات، فالأم التي تؤمن بالمحرم الإجتماعي لم تمتنع عن ممارسته، لكنها في ذات الوقت لا تبرر لنفسها أو تسمح لإبنتها بممارسة هذا المحرّم. الفيلم لمّح إلى النبذ الذي يمارس ضد المخطئ أو المخالف، تماماً كما حصل مع الطالبتين التين تم التشهير بهما، مما جعل بقية الطالبات يمتنعن عن الحديث مع الطالبتين أو حتى ملامستهن.

جزء كبير من الفيلم صوّر حياة “وجدة” داخل مدرستها، هذا الجزء كشف كيف يمارَس التخويف تجاه الطالبات داخل المدارس، هذا التخويف كان يصدر بشكل رئيسي من الأستاذة “حصة” مديرة المدرسة، التي كانت تمثل مزيجاً من السلطة الدينية الإجتماعية، فالأستاذة حصة كانت توزع منشورات تحث الطالبات على الحجاب، بالإضافة لأنها كانت تشجع على المشاركة في مسابقة لحفظ القرآن، كانت أيضاً توبّخ الطالبات في حال قيامهن بمخالفات، هذا الدور لم يمنعها من القيام بمخالفة تكشف تناقضها، ففي إحدى المشاهد تتناقل الطالبات خبر أن حبيب الأستاذة “حصة” زارها في بيتها.

والدة وجدة تعمل معلّمة في مدرسة بعيدة عن المدينة، و تعاني بسبب أزمة المواصلات التي تعيشها الدولة، و هذا يحكي جانباً واحداً من معاناتها، فزوجها يفكر في الزواج بأخرى فقط لأنها لم تنجب له ولداً.

الفيلم صوّر تشكيلة منوّعة من مشكلات المجتمع السعودي، و هذه المشكلات تم عرضها بذكاء من خلال الأحداث و الحوارات، تصوير الفيلم كان واقعياً، و ظهر ذلك في التفاصيل الصغيرة، كبيت “وجدة” الذي لم يكن باذخاً، و مدرستها الحكومية التقليدية، بالإضافة لعدد من التفصيلات التي ستكشفها مشاهدة الفيلم.

*

الهيئة، الإرهاب، المرأة، العادات، التقاليد، الدين، المجتمع، كل هذه أفكار كانت حاضرة في الفيلم على الرغم من تفاوت المساحة التي تم تخصيصها لكل فكرة. أداء الممثلين كان متقناً و خاصة الأطفال منهم، الموسيقى في الفيلم كانت محدودة لكن تم توظيفها في نهاية الفيلم بشكل جيد.  ربّما لا يكون الفيلم انتاجاً سينمائياً ضخماً لكنه كفيلم محلّي يعتبر علامة فارقة. للبعض قد تكون مشاهدة الفيلم مجرد تكرار لواقع يعرفونه جيداً، و قد تكون شيئاً مفاجئاً، في كلا الحالتين الفيلم يعتبر عملاً فريداً يستحق المشاهدة و يستحق الإشادة.

مصدر الصورة

الخمسة بين الأمس واليوم: هل هناك مثليون في السعودية ؟

23 يوليو, 2013 ✍

(حساب الكاتب في تويتر: @3bdlla)

مررت في حياتي الدراسية في أربع مدارس حكومية، وخلالها كنت أشاهد الكثير من القصص، وأسمع من أصدقائي من مدارس أخرى نفس القصص، وكبرت وانتقلت لجامعة خارج مدينتي وانقطعت رؤيتي للقصص لكني استمريت أسمعها.

كبرت قليلاًِ وصرت أقرأ المقالات والكتب وأشارك في الحوارات والندوات والجلسات الثقافية، الغريب أن هذه القصص صارت و كأنها غير موجودة، لم أعد أسمعها ولم أقرأ لأحد مقالاً أو كتاباً يناقشها، ربما كانت موجودة لكنها فاتتني.. ربما عميت عنها.. لا أعلم.. لكن الذي أعلمه أن هناك قصصاً لاتروى في الجرائد ولا في الكتب، لاتروى إلا على أرصفة المدارس المتوسطة والثانوية، أحاديث التحرش الجنسي والمثلية.

لذلك أنا قد قررت أن أتبنى هذا الموقف، وأذكر في عدة مقالات ما أراه وما رأيته، وسأكتب بجرأة وأحاول أن أجعل هذه القضية حديثاً على السطح، وليس حديث بالخفاء كأنه غير موجود أو غير حقيقي.

المشكلة أنه ليس هناك إحصائية نستطيع من خلالها تحديد ما إذا كان هذا الأمر ظاهرة أم لا، وليس لأحد من الجرأة التي يستطيع من خلالها أن يكشف عن نفسه بصراحة، أو حتى يحكي قصصاً مر بها.

تتحدد المشكلة في عدم وجود إحصائيات رسمية لدينا في المملكة، والنقطة الأخرى أن هذا النوع من الظواهر الاجتماعية لايتم التبليغ عنها، لخصوصية المسألة، حيث في الولايات المتحدة يشير الباحثين أمثال ستراوس وجليس أن الأرقام الحقيقية هي أعلى بمعدل مرتين عن الأرقام المنشورة، فما بالك في البلاد العربية حيث تتدخل تكون للأسرة حياتها الأكثر خصوصية والتي لاتسمح بالتدخل؟

ويندرج التحرش الجنسي بالأطفال تحت إيذاء الأطفال chlidren abuse ، بجانب الايذاء البدني والايذاء النفسي، وكل الاحصائيات الموجودة في السعودية – وهي قليلة واجتهادية -تحصي إيذاء الأطفال بشكل عام دون توضيح نسبة التحرش الجنسي منها، ماعدا عدة دراسات منتشرة لكن لم يتضح إن كانت طريقة البحث فيها علمية أم لا.

لكن هناك إحصائية من الأمم المتحدة، للحالات التي استقبلتها مدينة الملك عبدالعزيز الطبية في الحرس الوطني من عام ٢٠٠٠ إلى عام ٢٠٠٨ توضح أن نسبة الإيذاء الجنسي من نسبة الحالات المؤكدة لإيذاء الأطفال في عمر خمس سنوات، زائد أو ناقص ٢.٩ سنة، كانت ٢١٪

في هذا المقال ليس هدفي إحصائياً، بحيث أني لست بصدد إثبات ما إذا كان التحرش بالأطفال ظاهرة في السعودية أم أنها حالات نادرة، ما سأحاول فعله هو إثبات أن المثلية في مجتمعنا ليست إلا نتاج تحرش بالأطفال، أولاً بتعريف التحرش ثم بربطه بالمثلية، وبعد ذلك سأصف مايحدث في المدارس وصفاً دقيقاً وبعدها مايحدث خارج المدارس، كمحاولات اجتهادية مني أنا مسؤول عنها، ومحاولة التعرف على هذا العالم، الكثير مما في المقال معلوم لدى الكثيرين، كل مافي الأمر أني أريده مكتوباً لأني كرجل مؤمن- ولا أقول ذلك بسذاجة- أرى أن المثلية خلل في المجتمع، ولا أحاول هنا أن لا أكون أيدلوجياً، حيث أني لا أدعي الحياد، وأرى كذلك أن من أول الخطوات لحل المشاكل هو الحديث عنها؛ وفي آخر المقال سأحاول تحليل الفن الشعبي بأغانيه مثبتاً أن مايحدث ليس مثلية، بقدر ماهو خلل اجتماعي أكثر من أنه رغبة مثلية محضة.

وأوضح أن هذا المقال يعكس رأيي الشخصي وهو وحي أفكاري وما رأيته أنا، والأمر يتطلب بحث علمي جاد ومحاولة جادة لكسر التابو المحلي لمعرفة المجتمع بشكل أفضل.

من هو الطفل؟

تعرف اتفاقية حقوق الطفل المصدقة من الأمم المتحدة عمر الطفل في المادة الأولى لها بأنه من لم يتعدى عمره الثامنة عشرة مالم يبلغ سن الرشد بالقانون المطبق عليه.

متى يكون التعرض لطفل ما تحرشاً؟

يعرف التحرش بأنه الاستغلال الجنسي الفعلي أو المحتمل للطفل أو المراهق (saraga, 1993:59)

أحياناً لايكون للطفل القدرة على الموافقة على بعض الأعمال الجنسية، وأي اتصال جنسي بالطفل من قبل المعتدي من خلال استخدام العنف أو التخويف، دون الأخد بالاعتبار عمر الطفل، وأحياناً دون فهم الطبيعة الجنسية للعمل الممارس، ولايلزم من ذلك أن يكون التحرش من الكبار، أحياناً يكون الفرق في النمو أو في حجم الأداء، بحيث يكون الطفل عاجز عن إعطاء موافقة للطرف الآخر وكذلك عن مقاومته. (Berliner & Elliott, 1996 :51)

ماهو التحرش؟

يُعرف التحرش الجنسي على خمس مستويات، من بينها الاساءة الخادعة، وهي تفاعلات غير إكراهية قد لاتتضمن الأعضاء التناسلية، واساءة إغوائية، وهي إشارة جنسية ليست بدنية، كجعله يشاهد مقاطع الفيديو الجنسية أو حتى الإشارات الجنسية اللفظية، وإساءة جنسية منحرفة وتتضمن السخرية من النمو الجنسي خلال البلوغ. (lawson:1995)

بالتالي، ضمن هذه الثلاث تعريفات، تعريف الطفل، وتعريف التحرش الجنسي، ثم تحديد أنواعه، أي أذى جنسي سواء كان جسدياً أو لفظياً يتعرض له طلاب المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية في السعودية هو تحرش بالأطفال.

ومن أشكال هذا التحرش مايحدث في مقاصف المدرسة من التزاحم على شباك المقصف، ومايتم من تلاصق متعمد، بحيث يتم استغلال الازدحام دون أن يضطر المتحرش أن يكشف عن هويته.

ومن أشكاله أيضاً، مايتم من تبادل لأفلام جنسية بين الطلاب ابتداءاً من أشرطة الفديو سابقاً مروراً بذواكر الجوالات والسيديات انتهاءاً بالفلاش ميموري والهاردسكات. وأيضاً، كتابة أسماء بعض الطلاب على أبواب الحمامات، وانتشار الإشاعات حولهم.

درست في أربع مدارس حكومية، كان الوضع كالتالي، وسأحاول استخدام مصطلحاتهم حتى يتمدراستها بالشكل المطلوب- ومن هنا المقال سيأخذ منحى آخر-:

يكون بالمدرسة فيه “حلوين” -حسب اللغة السوقية المتداولة وسيتكرر استخدام المصطلحات السوقية- ، والحلوين هؤلاء عادة يكونون معروفين داخل المدرسة ومشهورين، وفيه بزرنجية، والبزرنجية جمع بزرنجي، والبزرنجي يعني اللي يحب البزارين، والبزارين جمع بزر يعني ولد باللهجة العامية، ويقال أيضاً ورعنجي، ومأخوذة من ورع والورع هو الولد، ولها نفس معنى بزرنجي.

وطبعاً يتم التجييش من قبل البزرنجي ومن معه، ضد الحلو، وتبدأ تظهر إشاعات حول العلاقات الجنسية التي مارسها هذا الحلو، وربما يتم كتابة اسمه واسم شخص آخر في الحمامات، طبعاً العلاقة في المدارس هي علاقة من جهة واحدة، فتى غليظ يبحث عن فتى حلو ليفعل به، فقط، وهذا مايدل أكثر بأنه تحرش أكثر منه ميول مثلية من الطرفين.

وأيام الاختبارات، يكون هناك تفحيط بالسيارات أمام المدارس، وأحياناً يكون الغرض منها هو محاولة إغراء أحد الحلوين، وقد يكتب المفحط على سيارته، لعيون حمودي.. مثلاً، والأمثلة على ذلك كثيرة كل ماعليك أن تبحث في يوتيوب.

تتم الممارسة الجنسية إما في حمامات المدرسة، أو في سيارة، أو في عمارة مهجورة بعد المدرسة، أو أي مكان آخر، وبعد الممارسة يبقى المفعول به أسير للفاعل يستطيع كل مرة أن يهدده بفضحه لو لم يرضى أن يفعل به مرة أخرى.

قد يعامل الحلو معاملة مميزة داخل المدرسة، فقد ينشب عراك بين الطلاب بسببه، وقد يزيد العراك فيتم التهديد بإكماله خارج أسوار المدرسة. الاجراءات التي تمارسها إدارة المدرسة اتجاه تصرفات التحرش، تكون بالضرب على الأيدي أو فلكة “رفع القدمين وجلدهما” بعد صلاة الظهر أمام الطلاب، أو كتابة تعهد، أو استدعاء لولي الأمر في الحالات القصوى، والفصل في حالات نادرة، هذا حسب ما أعرفه أنا بالطبع.

هذا ما رأيته ورآه كثير من أصدقائي يحدث في المدارس، الحكومية خصوصاً، فقد انتقلت بعد ذلك لمدرسة خاصة وكانت الحالات السابقة شبه معدومة، لا أعلم لماذا. ربما للطبقة الاجتماعية دور؟

خرجت للجامعة ولم أعد أرى هذه المظاهر، لا أعلم لماذا، هل لأن الجامعة تكثر فيها الطبقات الاجتماعية، أم لعدم وجود فصل يجتمع فيه الطلاب وساحة، أم أن الأمور بقيت على ماهي عليه لكن في السر؟ لذلك أعتقد أن الإنترنت كان ملاذاً لهم بعد ذلك، أو لمن تبقى منهم على حاله.

كما أن لديهم مصطلحاتهم الخاصة، فمصطلح سالب يطلق على المفعول به، وموجب على الفاعل، ومبادل على الذي يؤدي الدورين. الغريب أن ليست كل العلاقات جنسية بحتة، فقد تجد من يكتب أنه يبحث عن الحنان والحب ويريد من أحد أن يضمه. قد يحصل أحياناً مساومة على مبلغ ما، أو حتى على بطاقات شحن.

هناك أساليب أخرى، مثلاً في مقاهي الشيشة المنتشرة في أطراف المدينة، أو في محطات الطرقات، يتم وضع رقم على باب الحمام وبجانبه الطلب، من يريد كذا وكذا فليتصل على هذا الرقم، وسبق واتصلت على هذه الأرقام ويبدو من حديثهم أن يتلقون الكثير من المكالمات.

هناك فن شعبي معروف ويتابع من الكثيرين، و باعتقادي أنه من طبقات اجتماعية محددة، يعرف بالكسرات، رغم أن هذا الفن الشعبي قديم نوعاً ما إلا أنه قريب من أسلوب الراب الحديث لدينا.

توجد مواقع شعبية يتم فيها تحميل الأغاني سابقاً، والآن تجدها على يوتيوب، ولها مشاهدات عالية نسبياً، وتتميز بأن كلماتها غالباً تتحدث عن التفحيط، أو تتحدث عن الحلوين وكيف يشكي المغني حب أحد الحلوين وجفاءه له، بلهجة عامية بالطبع.

تحكي أكثر الكسرات شهرةً واسمها “التحلية جيتها مرة” فيقول فيها المؤلف والملحن والمغني”أبوفيصل” قصته حينما ذهب لشارع التحلية ليرى أحد الحلوين هناك فيتعرف عليه، وتقول الأغنية:

التحليه جيتها مره
من بعدها القلب مسروق
كتبت أنا فيها كسره
مسكين ياللي ماله معشوق

طبعاً يبدأ الشاعر قصيدته على غرار العرب الأوائل بالبكاء على الأطلال، فيذكر شارع التحلية وماحدث له فيه.

جيتها بموتري اللكزس
موديله ألفين وأربعة
وشفت واحد علي يقز
والقلب شاله وولعه

يتضح أهمية السيارة، بحيث أنها سيارة جميلة وفخمة، وأنها قد تكون وسيلة لإغراء أو الوصول للورع.

عيونه الثنتين مكحلها
وشعره ناعم وأشقر
مشيته ماشفت مثلها
والجسم يابشر مخصر

العيون مكحلة والشعر ناعم وأشقر، ومشية مميزة، وجسم مخصر، أعتقد يتضح هنا تأثر الشاعر بالشكل الأنثوي ونعومة الأنثى، وطبعاً بالشقار تأثراً بالجمال الغربي، هل يعني ذلك أنه لو كان مكان هذا الورع بنت جميلة لتوجه لها وترك الورع؟ أم أنه يفضل الرجل الأنثوي؟

لابس الجزمه على الطربوش
ماسك بيده جوال باندا
خلى الشارع كله أبوه مخروش
والموتر أظنه هوندا

هنا نقطة مهمة، ألا وهي ظن الشاعر أن كل من في شارع التحلية يهمهم هذا الورع، حيث أنه”خرشهم” يعني أهبلهم، جننهم، هل هذا حقيقي فعلاً؟ أم كل شخص يظن أن كل الناس يهتمون بما يهتم به؟

وقفت أنا عند الإشارة
نزل الدريشه وكلمني
وقال إدخل بالحارة
وشفيك ثقل علمني
قال إلي معي ترا أخواني
قلت لهم هذا ولد فصلي

آخر بيت، يتضح أن الورع يهمه أن لايعلم أخوانه مايريد حقاً منه، فاضطر للكذب عليهم، وقال لهم أنه صديقه بالمدرسة، فالعلاقة هنا تتطلب السرية.

يالله سجل جوالي
أبيك بس أنت تخلص لي
الحمد لله أنا مرتاح
كل عصريه وأنا أجيه
والهم والغم عني إنزاح

يلمح الشاعر أنه يأتي الورع كل يوم، بل أعتقد أنه لفظ صريح، وإتيانه كان سبب لإزالة الهم عنه، هل الورع السبب أم لأنه أتى وكفى؟

ويقول أيضاً:
ياناس بالله كيف أفلح
في الفسحة أناظر كل الزين
والقلب معهم دايم يسرح
يازين اللطمة على العينين

هل هذا يعني أن ارتفاع مستوى الجهل له علاقة؟ حيث يتضح أنه لم يكمل تعليمه، وأيضاً يشتكي بأن السبب من ذلك هم الحلوين في المدرسة، فهل هذا صحيح؟ وإلى أي مدى يمكن أن يؤثر هذا الأمر على المستوى الدراسي؟

بعد ذلك تحول غرض القصيدة للنصح وبدأ الشاعر بهجاء الناس وأن لاخير فيهم، متحسراً على هذه الأيام، وأن المال هو الذي يتحكم في كل شيء، وختمها بنصيحة للطلاب أن يكملوا تعليمهم فالعلم هو مايرتقي بهم، وموضحاً بأنه يحمل الشهادة المتوسطة وفقير بسبب ذلك، وأن التدخين مضر وليس منه نفع، وهذا سلوك غريب، فالشاعر لم يدعه انحرافه وشذوذه الذي يحاربه المجتمع ويزدريه، والذي ربما لو علموا عنه لطالبوا بإقامة حد عليه، بأن ينصح الناس ويتصرف تصرفات طبيعية، لم يخجل من كونه ماهو عليه، وراح يتصرف وكأنه أمر عادي.

ويقول شاعر آخر في أغنية كسرات أخرى:
كلن تزوج وخذ له بنت
وأنا مع الورع سهاري

وهناك الأمثلة كثيرة تؤشر على اتفاق البزرنجيين على أن الحالة البزرنجية بالنسبة لهم حالة مؤقتة، يستلزم فيها عدم وجود المال الكافي للزواج، أو ظرف معين، وقد لاتكون رغبة أصيلة بالمثلية، ويستنتج من ذلك ومن أمور أخرى كثيرة أن الطبقة الاجتماعية، التي ينتمي لها البزرنجي هي قد تكون سبب لحالته.

قد يكون أيضاً انتماء هذه الطبقة للتجنيد العسكري إحدى المؤشرات على وجودهم والقرائن على ذلك كثيرة في الكسرات منها:

يقول يصف حاله حبيبه الورع بعد أن كبر وتركه:
بعد المدرج وخط الجيل
أساسي تلعب معي سنتر
واليوم ضابط ولك تقدير
تملك من الجند والعسكر
أول دايم انت عندي
مانتفارق سوا الاثنين
نزلت أنا مرتبة جندي
دنيا تغير في غمضة عين

ويذكر آخر التجنيد فيقول متحسراً على حاله:
واليوم تحرق سجاير كنت
وتحرق مع الكنت مالبورو
اليوم جندي وحالي زفت
وإن غبت يخصم من أيامي

هذه مقالة بسيطة، وصغيرة جداً للكم الهائل الموجود من الموروث الثقافي لهذه الفئة الذي يحتاج لدراسة جادة، ولطرح التجارب والنقاش حولها، أحببت أن أذكر أمثلة فقط ومن خلالها أخرج بأسئلة تحتاج أجوبة:

هل هناك مثلية حقيقية في مجتمعنا، أم أن المثلية مفهوم مستورد لاينطبق علينا ولسنا ملزومين بنفيه أو إثباته، وأن كل ماهنالك أن هناك فئة من الناس- التي تجتمع فيها صفات محددة، مثل الجهل وقلة التعليم، تدني المستوى المادي- تقوم بالتوجه نحو الورعان لفترة مؤقتة وحينما تكبر تنسى ماحدث وتتزوج؟ أم أن زواجها وقصائد رثاء الحال ماهي إلا حالة نكران بسبب الضغط المجتمعي الذي يرفض فكرة حب الورع؟ وهل فعلاً لهم صفات اجتماعية محددة (كأغلبية) وليست صفات جينية؟ وهل الجهل وقلة التعليم وتدني الحالة المادية لها علاقة مباشرة في هذا الأمر؟ وهل ذكر العسكرية والتجنيد في قصائد كثيرة مصادفة أم أنه قد يعني شيئاً ما؟ وهل العزل الجنسي بين الذكر والأنثى له علاقة؟ إذا الجواب لا إذن ماتفسير حبهم للجسم الأنثوي الناعم؟ هل هي مثلية مخصصة بالذكر المائل للأنثى بحيث أنه لاذكر ولا أنثى؟ أم أنه حب المتوفر وبحيث أنه لعدم توفر النساء فنحب من يشبههم؟

أتمنى أن يكون هذا المقال مفتاح حديث ونقاش حول الموضوع، وطرح المزيد من الفرضيات والدراسات الجدية والعلمية، وبداية اهتمام من قبل المجتمع لما يحدث في هذا العالم الخفي الذي يعلمه الكثير منا لكن دون أن يتحدث عنه، ولعلها تكون بداية تصعيد حتى يتم الالتفات لما يحدث داخل المدارس من تحرش ووضع قوانين صارمة يعاقب عليها، سواء من قبل وزارات التعليم أو من قبل التدخل المباشر للأهل في مدارس أبنائهم.

حفظ الله البلاد والعباد، هذا والله أعلم.

 

المراجع: