
استيقظت من نومتي مذعوراً على خبرٍمن زوجتي صاعقٍ ، أخبرتني فيه عن حريق مدرسة “براعم الوطن بجدة” ، أصابتني صدمة فلم أستوعب الأمر في البداية ، لكنها بادرت بإيلامي حين أنبأتني -بكل الحزن-أن الحريق قد خلّف وفيات وإصابات ، كان ذلك كفيلاً بإحراق بقية يومي.
ومع أني كنت لا أزال مستلقياً على سريري مذهولاً ، إلا أنني انتقلت بخيالي إلى موقع الحدث ، حيث الدخان يرتفع خارجاً من المبنى ليثير الرعب في نفوس المارة والأهالي ، ويشغل في مخيلة كل منهم أفلاماً عمّا يحصل بالداخل من فوضى وخوف ، فتلهج ألسنتهم برجاء الله أن يعجّل لطفه ورحمته ، وكأني بمئات الجوالات قد أُخرِجَت بأيدٍ مرتعشة لتطلب بارتباك وجنون رقم الدفاع المدني ، ومئات البلاغات الملهوفة قد توالت ، لتستفز فرق الدفاع ، التي خرجت لتصطدم بالزحام المروري والفوضى الشهيرة التي تمتاز بها مدينة جدة ، فمهما كان وصولها مبكراً فإنه سيكون متأخراً بالنسبة لقلوب تراقب المشهد وقد شابت أفئدتها.
تخيّلت عشرات الآباء الخائفين الذين فقدوا سيطرتهم على أنفسهم ، يحاولون اقتحام المكان قلقاً على فلذات أكبادهم ، وهم يسمعون صرخات البنات تتعالى في جزع ، ثمّ يرون بأعينهم التي ترفض التصديق ، تقافُز الفتيات من الأدوار العليا في مبادرات يائسة للهرب من جحيم حقيقية ، وما أن تخرج بنت من البنات حتى يتلقّفها أبوها غير مصدّق أنّه قد تم استثناؤه من هذا الموقف العصيب ليغادر المكان المحموم ، مغادرة الهارب المجنون ، ولسان حاله يحلف أنه بعد اليوم لن يسمح لأمرٍ مهما كان -مدرسة أو غيرها-أن يفصل بينه وبين حشاشة فؤاده.

وبعد تهيُّبٍ دلفت -بخيالي الدامع-إلى داخل المدرسة حيث امتزجت رائحة الدخان برائحة الخوف ، ولفحتني حرارة النار ، التي سخّنت الجدران والأبواب والأرض حتى صار المكان بكامله كأنه فرنٌ لخَبْز البشر ، وهناك في زاوية الغرفة رأيتها جثة هامدة قد حاصرتها سحب كثيفة من الدخان وقطع من الأثاث الذي يشتعل ناراً ، بعد أن أخرجت كل من في المنطقة من طالبات في شجاعة وتضحية ، إنها وكيلة المدرسة الأستاذة “غدير كتّوعة” رحمها الله ، خرجت مسرعاً لأرى الأستاذة “ ريم النهاري” وهي تمررالبنات من إحدى المناطق المحاصرة ببسالة عجيبة ، وحين أتمت مهمتها وقفت تنظر محتارة ، مددت إليها يدي لأخرجها لكنها تهاوت مختنقة من الدخان الرهيب ، وحال بيني وبينها الباب الذي سقط مشتعلاً ليصيبها في رأسها، هنا فقط هربت من الخيال الذي صار غير محتمل أصلاً.
مقطع يوتيوب يظهر شيئاً من الذعر والارتباك أثناء الحدث
***
اشهد يا تاريخ ، أنه في اليوم الذي يسبق اليوم العالمي للطفولة ، انتُهكت الطفولة في بلادي ، ووقعت ضحيَّة سوء تخطيط في المبنى أعاق الإنقاذ ، وسوء تخطيط في الشوارع أعاق وصول فرق الدفاع ، وسوء تخطيط في فرق الدفاع نفسها قلّل من أدائها وسرعة سيطرتها، وسوء تخطيط فينا نحن إذ نجهل في ذواتنا القواعد الأوليّة للسلامة والإخلاء والانضباط والإسعاف فضلاً عن أن نعلمها لأطفالنا.
كما انتُهكت في نفس اليوم الإنسانية ، فرأينا المتفذلكين يحاولون ركوب الموجات وتمرير الأجندات فيما يشبه الفرح الشامت ، فأحدهم يستغل الفرصة لإطلاق لسانه في الدولة مطالباً باستقالة وزير أو مستهزئاً بتصريح أمير ، وآخر يرى أن الحجاب هو الذي أعاق خروج الطالبات ويخترع في ذلك القصص وينسج الخيالات ، وأخرى تزعم أن سبب المشكلة هو تركيز الوزارة على عباءات الرأس والنمص والمكياج على حساب الاهتمام بجوانب السلامة ، وصدحت أصواتُ آخرين بالحماس الديني الأعمى مظهرين قلة فقههم فرأيناهم في وقت المصيبة ووجوب المواساة قد حادوا عن هذا الواجب العظيم إلى ممارسة مواعظ لا يمكن أن تلقى حينئذٍ سماعاً ، ولا يصح إلقاؤها في هذا الموطن أساساً ، فأساؤوا لأنفسهم وأساؤوا لرسالتهم الدينية النبيلة.
هؤلاء الراقصون على جراحنا ، والمتنفّعون من دموعنا ، الذين اتخذوا مصائبنا سلماً ليرتقوا على أكتافنا وينعقوا بأفكارهم ، أما آن لهم أن يتحلو بقليل من الإنسانية ويكتفوا بالصمت حداداً واحتراماً ولو لأول يوم ؟
ولا يقل عنهم عجباً ولا إبهاراً من قام بعدها بسويعات ليتفرج على مباراةٍ في الدوري السعودي ، مبرهناً لنا عن قدرة الخالق جلّ وعلا في خلق أصنافٍ من البشر متفاوتة في الإحساس.
لا شك أنّ هذه الكارثة الأليمة تستحق الاهتمام والدراسة والحلول ، وتستحق الحديث عن جوانبها الفنية والقضائية والدينية … إلخ ولكننا نغفل دائماً عن احترام أرواح الموتى وإعطائهم شيئاً من الحزن الذي يليق بهم ، إنها أرواح أصابها قضاء الله وحكمته في مقتل ، أثناء أداء الرسالة التعليمية السامية والمحاولات الإنقاذية النبيلة للطالبات ، ينبغي أن نتفكّر في أحوالهن وما لاقينه من عذاب ، وما يشعر به أهلوهنّ من حسرة وأسى ، وما خلّفنه من فراغ كبير لعوائلهن ، فريم النهاري ذات الـ ٢٥ ربيعاً كانت هي الأم لإخوتها الذين فقدوا بالأمس ثاني أمٍ لهم ، وكانت هي عمود العائلة كما يصفها أهلها ، وأما غدير كتوعة فقد كانت أمّاً ماتت وهي تحاول إنقاذ بنات الناس ، وتركت للفجيعة ٣ بنات .
إن كنّا قد تبلّدت أحاسيسنا بفعل تديُّنٍ أجوف ، أو رغبة رعناء في انتقاد المسؤولين عند كل فرصة ، أو تجاهل متعمد لمشاعر إخواننا في الإنسانية والدين والوطن ، حتى صرنا نرى هذه المصائب فلا تحرّك فينا أكثر من حوقلةٍ ، فإنّ الوقت قد حان لنصحو من رقدتنا هذه قبل أن نتحول من كوننا بشراً إلى كوننا أشياء أخرى مقرفة !
،
/
،
الإهداء: لأرواح الشهيدات الطاهرات ، ولجروح الطفلات المكلومات.
للتواصل مع الكاتب عبر تويتر: jst5ald@